إضاءاتالعناوين الرئيسية

“Case By Case” .. د.محمد عامر المارديني

|| Midline-news || – الوسط …

.

 

كان صباحه خريفياً جميلاً ذلك اليوم الذي خرجت فيه من المنزل، متجهاً إلى مكتبي في عمادة كلية الصيدلة. آثرت حينها ترك سيارتي، والسير على الأقدام، لأستمتع بالهطل الدافئ لحبات المطر المكتنزة، ولأستنشق شذى تراب الأرض الظمأى التي كاد حر الصيف الطويل يقتلها عطشاً.

وصلت رواق العمادة نحو الساعة السابعة والربع، من دون أن أرى أحداً من العاملين أو من الطلاب، وكذلك مديرة المكتب، التي وصلت يومها متأخرة عن الساعة الثامنة، نظراً لقدومها مضطرة مع باقي الموظفين في الحافلة المخصصة لنقلهم.

كان مكتب العميد يتألف من قاعتين كبيرتين منفصلتين، لكنهما كانتا متتاليتين من خلال بابين مفتوحين أغلب الأوقات، لتصبح المسافة طويلة نسبياً للوصول إلى المكان الذي أجلس إليه، ما يمكنني من المراقبة المتأنية لأي قادم من بعيد.

جلست أقلّب أوراق صحيفة الأمس، منتظراً مديرة المكتب لأعرف منها جدول مواعيدي اليومي. في هذه الأثناء لمحت من على بعد أحد الصبية، يحوم جيئة وذهاباً في الرواق الخارجي، وكأنه ينتظر مني إشارة، أدعوه فيها إلي. ظننت للوهلة الأولى أنه ربما من هؤلاء المراهقين الذين كان يستخدمهم ذلك المتعهد ثقيل الظل المكلف بتنظيف الكلية. ولكم كان يسوؤني فعله القميء في تشغيل الأطفال والمراهقين والمسنات، لما في ذلك من امتهان لحقوق هؤلاء الناس، من دون أي رادع أخلاقي أو مهني. ولقد كنت كثيراً ما أتشاجر معه لهذا السبب، لكنه غالباً ما كان يغلبني، متعللاً بأن عقده مع الجامعة لا ينص على أعمار محددة للعاملين لديه.

المهم، امتعضت في البداية من وجود ذلك الصبي في هذا الوقت الباكر من الصباح، فعوضاً من أن يذهب إلى المدرسة، ها أنا أراه هنا في الكلية ليمسح، أو ليكنس، أو ليشطف، فما كان مني إلا أن ناديته متأففاً، لأعرف ماذا يريد. جاء ذلك اليافع إليّ يمشي الهوينا، وكأنما عرج خفيف تبدّى على إحدى ساقيه، مع صوت نقر خفيف على بلاط الأرض يخرج من حذائه أثناء مشيه. كان نحيل الجسد، متوسط القامة، جميل الطلعة، ذا شعر أسود فاحم، وعينين عسليتين كبيرتين. له أنف محدب قليلاً، وفم صغير بشفتين ورديتين، تظهر على وجهه علائم البؤس، مع أنه في ريعان العمر. كان يرتدي ثياباً رثة. بنطاله الأسود شبه المهترئ معفّر بالغبار، وقميصه أخضر اللون ينقصه أحد الأزرار. أما حذاؤه فكان متشقق الجلد يلبسه منذ عدة سنوات. قلت له بوجه متجهّم بعض الشيء: ما الذي أتى بك إلى مكتبي هكذا باكراً؟

قال لي بصوت يرتجف: حضرة العميد، أرجو أن تساعدني في أمر مهم بالنسبة لي، وكذلك لعائلتي. إن وافقتني عليه فأنا ممتن لك طول العمر، وإن لم توافق عليه فلعلّك تسامحني على تطفلي هذا.

كانت طريقة حديثه غاية في اللطف، تظهر فائق أدبه، ومنتهى احترامه. قلت له وقد توقعت منه أن يطلب مني أن أكلّم له متعهد التنظيف في أمر يخصّه: وما هو طلبك؟ قال لي: أنا مسجّل في الفئة الأولى بالجلسات العملية التي يقع دوامها في يومي السبت والخميس(كان يوم السبت يوم دوام في الدولة)، وإن أذنت لي- حضرة العميد- أن أنتقل إلى الفئة السادسة فإن ذلك سيساعدني كثيراً في السفر أسبوعياً لعند الأهل، القاطنين في محافظة حماة، فأقضي عندهم ثلاثة أيام، أعود بعدها إلى دمشق لأداوم في الكلية صباح يوم الأحد. قلت له مستغرباً مستعجباً: وهل أنت طالب في الكلية؟ قال لي بكل هدوء: نعم، أنا طالب في السنة الأولى، وأسمي أسامة. قلت له: ولماذا تريد السفر كل أسبوع إلى بلدتك يا أسامة، أليس من الأفضل لك أن تبقى مقيماً في المدينة الجامعية لتدرس فيها؟ قال لي: أرغب في السفر لأساعد والدي في العمل، فنحن أناس فقراء، ولا يمكن لوالدي، الذي يعاني كثيراً من مرض المفاصل المزمن، إعالتنا من دون أن أساعده. قلت له: وماذا يعمل والدك؟ قال لي: يعمل في فرن الضيعة.

أحسست بعد هذه المقدمة أن أمراً ما خفياً وراء حديث هذا الطالب، ما جعلني أتابع الكلام معه، فعدت لأقول له مستفسراً: وأين درست الثانوية؟ قال لي: في ثانوية البلدة، لقد كنت الأول على المحافظة، ولم ينقصني حينها إلا درجة واحدة عن المجموع التام. قلت له: ما شاء الله، وأين كنت تدرس؟ قال لي مبتسماً، ومن دون أي تردد : في الفرن، عند أبي. قلت له : غريب، وكيف استطعت ذلك؟ قال لي:الأمر جد بسيط، حضرة العميد. كنت أستيقظ كل يوم عند الساعة الرابعة صباحاً، أذهب إلى الفرن مع أبي لأساعده في خبز الخبز، ثم أفطر معه، ثم أذهب بعدها إلى المدرسة، لأعود بعد الظهر إلى بيتنا، فأشرف على دراسة أخوتي الصغار، ثم أعود بعدها للدراسة في الفرن، الذي يكون قد انتهى فيه بيع الخبز، حيث لا مكان يتسع لي في بيتنا الصغير لأدرس فيه. وعندما يعود أبي عند المساء إلى الفرن أعود معه لأساعده في العجن والتخمير، ثم نرجع سوية إلى البيت من أجل النوم، وهكذا كل يوم.

أدهشتني شخصيته، فقد كان يقول كلامه بثقة لا متناهية، محاولاً أن يظهر لي أن الأمر بسيط للغاية، سواء دراسته، أم الإشراف على دراسة أخوته، أم معاونته لأبيه، ثم أخيراً التزامه بكل ذلك، رغم بعده عن ضيعته. قلت له مستفسراً: طيب، وما دمت قد جمعت أعلى الدرجات في الثانوية العامة، فلماذا لم تدرس في كلية الطب مثلاً، لتصبح طبيباً؟ قال لي : طريق الطب طويلة، أما دراسة الصيدلة فقصيرة نوعاً ما. وأنا أرغب أن أتخرج لأبدأ العمل فوراً بعد تخرجي، بأسرع ما يمكن، وإراحة أبي المريض من عناء ذلك الفرن اللعين، ومساعدته في مصروف أخوتي. قلت له متعاطفاً: وهل تملك أجرة السفر أسبوعياً إلى محافظة حماة؟ قال لي: لعلها أبسط المشكلات، لي ابن عم يعمل سائقاً على باص صغير بين دمشق وحماة، وهو يسكن بالقرب من بيت أهلي، وقد تعهد بنقلي أسبوعياً من وإلى دمشق مقابل مساعدته في تدريس ابنته، طالبة الصف السابع في مادة الرياضيات. قلت له بعد أن فكرت ملياً: أنت تعرف تماماً أنني قد منعت النقل بين الفئات العملية، بسبب الأعذار الواهية التي يسوقها معظم الطلاب. وإن وافقت على انتقالك فإن ذلك سيفتح باباً واسعاً لقبول طلبات كهذه، لا يمكن إغلاقه، أعتذر منك.

خرج الشاب الصغير من المكتب مستعطفاً إياي بعين تلمع بالدمع. لكن الملفت أثناء خروجه هو انتباهي لعدم وجود أي عرج في ساقه، كما كنت قد تخيلت من قبل، وإنما القصة وما فيها هو إن إحدى فردتي نعله كانت من دون كعب، بينما الأخرى بكعب، وأن صوت القرع على الأرض أثناء مشيه كان من تلك المسامير العالقة أسفل نعله، لشدة فقره.

جلست للحظات أفكر ماذا أفعل، فلقد أربكني هذا الشاب الصغير بعظيم أخلاقه، وأبهجني حقاً بتواضعه الشامخ، حتى تمنيته أن يكون ابناً لي. لقد نثر حولي عطراً فواحاً من كريم السجايا، التي تعكس نقاء قلبه الطاهر. قلت في نفسي لا يمكنك أن تترك ظاهرة حميدة كهذه تتقاذفها أمواج الحياة فتغرقها، لابد من المساعدة مهما كلف الأمر. جلست أفكر، ماذا يمكنني أن أفعل؟ فإن قبلت طلب النقل سيسمع به الكثير، وسأضطر حينها لقبول طلبات أخرى عديدة من دون أن أعرف مدى مصداقيتها مثلما عرفته عن أسامة. وهكذا، إلى أن أتت إليّ فكرة معقولة، استطعت من خلالها أن أستثنيه، دوناً عن غيره. طلبت من قسم شؤون الطلاب إعادة ترتيب الفئات العملية كلّها من جديد، بحيث يقع اسمه في الفئة السادسة، التي يتوافق دوامها نسبياً مع مطلبه، متجاهلاً إمكانية اعتراض بقية الطلاب، لكن من دون أن يعرف أحد سبباً لذلك.

وهكذا، دارت الأيام، ومرت الأيام، ولم أعد أعلم بعدها ما قد حلّ بأسامة، حيث لم يطل بي المقام في عمادة الكلية لأكثر من سنتين، انتقلت بعدها إلى منصب جامعي آخر، ما منعني من معرفة أي شيء جديد عنه. لكن قصته كانت محوراً دائماً لأحاديثي مع الأهل والأقارب، بهدف حثّ الأبناء على الاجتهاد والتفوق، وكذلك على برّ الوالدين.

وبعد نحو عشرة أعوام على لقائي بأسامة حطّ بي المقام في في مدينة برلين لشأن جامعي. وقد تزامن ذلك التواجد مع إقامة مؤتمر علمي صيدلاني ضخم، حيث احتشد العشرات من مريدي البحث العلمي من أنحاء العالم، يستمعون إلى مستجدات علوم الصناعة الدوائية من أهم الباحثين العاملين في هذا المجال. ولقد سنحت لي الفرصة حضور بعض الجلسات العلمية أتعلم منها وأستزيد. وبينما أنا في إحدى قاعات المؤتمر، جالس أثناء الاستراحة مع أحد أصدقائي الألمان ممن كنت وإياه معاً في مخبر واحد أثناء تحضيرنا رسالة الدكتوراه، لمحت شاباً وسيماً أنيقاً له ملامح عربية سورية قادماً إليّ بخطى سريعة. وقف أمامي فجأة وكأنه كان يتوقع مني أن أعرفه. ولما أيقن أنني لم أتذكره أخذ يدي، فشدّ عليها مصافحاً إياي بحرارة، ثم طلب مني مبتسماً أن أسمح له بمعانقتي. لم يتسن لي أي وقت للتفكير بطلبه المعانقة، فضممته إلى صدري من دون أن أتعرّف عليه. في هذه الأثناء أعتذر مني صديقي الألماني منسحباً، ربما ليتركنا سوية أنا وذلك الشخص.

المهم، قلت لذي الوجه العربي السوري مبتسماً: من أنت أيها الشاب اللطيف؟ قال لي: لعلك لن تتذكرني، أستاذي الغالي، أنا أسامة، أحد خريجي كلية الصيدلة بجامعة دمشق، وأنا مقيم هنا في أوربا منذ العام 2010. أحضّر الآن رسالة الدكتوراه بعد أن حزت شهادة الماجستير، وهذا كله بفضلك، وبفضل معلمينا الكرام في الكلية. قلت له: بل هذا بفضل جدّك واجتهادك. ثم تابعت متسائلاً: ومتى تخرجت من الكلية؟ قال لي: كان ذلك في العام 2009. ولقد كنت من الأوائل على دفعتي، واستطعت بعد التخرج الحصول على قبول من جامعة فيينا لمتابعة دراستي، وها أنا اليوم أحضر هذا المؤتمر العلمي الهام، وسأحاضر فيه غداً. قلت له مستغرباً: ماذا؟، ستحاضر فيه؟  قال لي: نعم، فلقد حزت على جائزة أفضل بحث ماجستير أجري في جامعتي للعام2012، وقد وافقت اللجنة العلمية للمؤتمر على مشاركتي فيه لإلقاء بحثي. قلت له بكل افتخار: هذا بالتأكيد أجمل ما يمكن سماعه في هذا المؤتمر، وفقك الله يا بني، وسأكون بالطبع أول الحاضرين في قاعتك. ثم تابعت حديثي إليه مستفسراً: ألم ألتق بك من قبل؟، يخيّل إلي أنني أعرفك أكثر من معرفتي بك كطالب كنت قد درّسته!!، بل لا بد وأنني قد حادثتك مرة وجهاً لوجه، في ساعة ما، وفي مكان ما، فوجهك ليس غريباً عني أبداً. قال لي وهو يعقد حاجبيه، وكأنه يشحذ دماغه ليستعيد ذكريات الماضي: نعم، معك كل الحق، ما شاء الله على هذه الذاكرة. لعلك ما زلت تذكر حينما كنت عميداً للكلية طالباً في السنة الأولى كان اسمه أسامة. أومأت له برأسي أن يتابع حديثه، فقال: وقد أمرتَ حينها  الآنسة رزان في قسم البرامج بتبديل أسماء جميع الطلاب في فئات الجلسات العملية، وقلبها رأساً على عقب، كرمى لعين ذلك الطالب.

قلت له وأنا أترنم بسماع تلك القصة الرائعة: نعم أذكر. قال لي: أنا ذلك الطالب أسامة.

وما إن انتهى من كلامه حتى عادت بي الذاكرة فوراً عشر سنوات إلى الوراء، لتحضر معها أمام عينيّ صورة وجه أسامة وهو يدخل مكتبي في ذلك اليوم الخريفي الماطر. قلت له وعاصفة من العواطف الجياشة قد اجتاحتني لدى سماع اسمه: أسامة، غير معقول، نعم نعم، ما زلت أذكرك يا أسامة، بل لن أنسى ما حييت كل ما قلته لي، كيف حصلت على أعلى الدرجات في امتحانات الثانوية، وكيف دخلت كلية الصيدلة عوضاً عن كلية الطب بعدما حاولت أن تقنعني أن طريق الطب طويل مقارنة بطريق الصيدلة. أذكر كذلك، وبالحرف الواحد، كل ما حدثتني به عن جسيم معاناتك، أنت وأهلك، وطلبك مني أن أغيّر لك فئتك العملية، حتى أنني ما زلت أتذكّر رقم الفئة التي طلبت الانتقال إليها، وكانت السادسة، وذلك كي تستطيع السفر كل أسبوع إلى بلدتك لتعين أباك المصاب بداء المفاصل في خبز الخبز. عدت فقلت له وصوتي يتحشرج فرحاً برؤيته : اعذرني يا أسامة أنني لم أعرفك فوراً، فصحيح أنني قد نسيت ملامح وجهك، لكنني لم أنسَ تفاصيل قصتك أبداً، وبالتأكيد فإنك قد اجتهدت وتعبت إلى أن أصبحت هنا، في هذا المكان، الرفيع قدراً، والعظيم علماً، وذلك بعد أن مرت عليك سنوات عديدة عجاف عشتها في طفولتك، وأثناء دراستك الجامعية.

قمت بعد ذلك فضممته مرة أخرى إلى صدري، ضمّة أب اشتاق لابنه المغترب، ثم جففت دمعة كانت قد انهمرت من عيني بطرف ياقته، ثم عدت لأستفسر منه قائلاً: اعذرني على تطفلي هذا!!، لكن كيف حال أهلك الآن؟ قال لي: الحمد لله أمورهم في تحسن دائم، فأنا أحصل شهرياً على منحة مقدارها 750 يورو، أرسل لهم كل شهر نصفها ما تجعلهم في عيش كريم هذه الأيام الصعبة. ولقد وعدني أستاذي المشرف أن يوظّفني لاحقاً في فريقه البحثي بعد أن أنجز رسالة الدكتوراه، وحينها سأحصل على ثلاثة آلاف يورو شهرياً، يمكن لأهلي أن يأخذوا معظمها، فيستطيعوا بذلك أن يعيشوا عيشة كريمة، ويكملوا دراسة أخوتي جميعاً. قلت له: رائع، رائع. قال لي: لكن المشكلة هي أنني أرغب في العودة إلى بلدي بعد أن أنتهي من الدراسة، والحصول على شهادة الدكتوراه، فأنا لا أرغب العيش في بلاد الغربة، حيث لا طعم هنا، ولا لون، ولا رائحة.. في حين أن حب الوطن والضيعة والأهل قد قتلني. كما أنني أريد أن أساهم بطريقة أو بأخرى في تعليم الأجيال القادمة ما أتعلمه هنا في أوربا، وقد قيل لي إن أمورنا المعاشية والوظيفية بعد العودة إلى البلاد مؤمّنة، فما رأيك يا أستاذي؟، هلّا نصحتني؟، قل لي بالله عليك!!، فالحيرة تكاد تقتلني.

شنّفت أذنيّ، ثم طلبت منه أن يعيد على سمعي ما قاله مرة ثانية، كي أستوعب تماماً ما كان يقصد بكلامه عن ضنك العيش في قفص الغربة، وعن الأمور المعاشية المؤمنة في الوطن، فلربما لم أفهم قصده أو ماذا ينوي فعله بعد حصوله على شهادة الدكتوراه. قال لي: سؤالي الصريح هو: هل أعود فوراً إلى الوطن بعد حصولي على شهادة الدكتوراه؟، أم أوافق على رغبة أستاذي العمل ضمن مجموعته، وأقبض لقاء عملي هذا ثلاثة آلاف يورو شهريا؟

اعتذرت منه لبضع ثوان، أبحث فيها عن شربة ماء أرطب بها بلعومي، الذي جف فجأة بعد سماع سؤاله المركّب، ولأعطي نفسي كذلك مساحة من الوقت أفكر فيها بماذا أجيبه. قلت له وأنا آخذ جرعة من الماء: هذا قرارك يا أسامة، فأنت الأعرف بوضعك الشخصي والعائلي. أما أنا فلا أملك لك في هذا المجال أي نصيحة. فصحيح أن هناك شعوراً بالغربة والحنين قد ينتابك وأنت بعيد عن وطنك وأهلك, لكن هذا الشعور قد يتغير عندما تطأ قدمك أرض المطار. قال لي: لكنني أراك الآن يا أستاذي في أحسن حال، أنت الآن رئيس للجامعة، وقبلها كنت عميداً للكلية، فلماذا لا أكون مثلك إن عدت فوراً بعد انتهاء دراستي. قلت له: حبذا لو عدت، وعاد كل أبناء الوطن المغتربين. لكن – للأسف- لا يمكنك التعميم. فلكل حالة خصوصيتها، ولكل منّا تجربته الشخصية، وكما يقال: CASE- BY- CASE .
ودعت أسامة وداعاً حاراً، بعد أن أعطاني راجياً أمانة مقدارها ألفا يورو، متمنياً عليّ أن أسلمها لأبيه.

 

 

*أديب وكاتب.. وزير التعليم العالي السابق- سورية

 

 

 

 

 

 

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق