خاص الوسط

منذ 40 عاماً .. السعودية قتلت الرئيس اليمني إبراهيم الحمدي .. وعملت على طمس تاريخه وتغييب اسمه وذكراه ..

|| Midline-news || – الوسط …

نبيل القانص – اليمن ..

في كل بيت .. بل في كل قلبٍ يمني تجد صورة الرئيس الشهيد إبراهيم محمد الحمدي، البطل الذي لن يُمحى ذكره ولن ينساه اليمنيون، فمن عاصروه أحبوه وأحبوا فيه الإخلاص للوطن والشعب والحرص على رفعة اليمن والعمل من أجل نهضته، أما الأجيال التي لم تعش فترة ومدة حكمه القصيرة جدا فحكايا الآباء والأمهات والمجتمع والتاريخ جعلتهم يعشقون سيرته ويقدسون اسمه.

إبراهيم الحمدي صاحب القلب المؤمن بالله والوطن والعدل والتقدم والنهضة هو الرئيس الذي كان لا يقبل لليمن سوى السمو والمضي في ركب الحضارة.

قصص وحكايا كثيرة عن الحمدي وسيرته وتعامله مع الناس والشعب والبسطاء وقربه منهم لا يكفي مجرد مقال لسرد العجيب والغريب مما سمعته عنه حتى من مرافقيه وحرسه الشخصي، ذلك المخلص الذي لم يكن يحتفظ بالهدايا الثمينة المقدمة له من أشياء عينية ذهبية أو حقائب مليئة بالدولارات، وإنما كان يوردها لخزينة الدولة، وحينما كان السؤال يوجه إليه: لماذا لا تحتفظ بها فهي هدايا خاصة لك من ملوك وأمراء وشيوخ ودول ورجال أعمال …كان يرد “الشعب أولى بها ..أما أنا فلو لم أكن رئيسا لما أعطاني أحد هدية”.

نسمع عن خطة الحمدي الخمسية للتنمية، وعن إلغاءه الرتب العسكرية “عقيد وما فوقها” وتنزيل رتبته العسكرية إلى مقدم وهو رئيس البلاد، حدثنا الآباء عن سير الحمدي وهو رئيس بسيارة واحدة وتفقده لأحوال البسطاء والرعية وهم لا يعرفون شكله، سمعنا عن الحمدي حين أصدر قرارا بمنع رفع وتعليق صوره في مؤسسات ودوائر الدولة واستبدالها بصورة للفظ الجلالة، وسمعنا عن كل صفات القائد والزعيم الشريف المخلص المحب لشعبه ووطنه.

 

الحمدي الرئيس الذي يُحكى عنه أنه عندما سُئل عن حدود اليمن فيما يخص الخلاف بين اليمن والسعودية حول نجران وعسير وجيزان ..رد “حدود اليمن إلى الركن اليماني” أي إلى الكعبة.

في عهد الحمدي كانت قيمة الدولار الأمريكي لا تزيد عن أربعة ريال يمني، والريال السعودي قيمته ريال ونصف يمني، وكانت الجمهورية العربية اليمنية “اليمن الشمالي” آنذاك على أعتاب نهضة زراعية وصناعية واقتصادية وخدمية شاملة منظمة ومرتبة، وعاشت البلاد مرحلة استقرار ورخاء ،كانت ستصل باليمن إلى مرتبة الدول المتطورة.

كل ذلك أثار قلق جارة السوء “مملكة بني سعود” ومن يقف ورائها، ما جعلها تخطط لاغتياله وتنجح في ذلك .. ليُقتل حمدي اليمن قبل زيارتة الى عدن لوضع اللمسات الأخيرة قبل الإعلان عن اتفاق وحدة اليمنين الشمالي والجنوب وتنفيذها على عدة مراحل، ولهذا وضع القتلة عدة سيناريوهات لتنفيذ مهمة الاغتيال، التي حاول بعد تنفيذها لأكثر من أربعين عاما طمس القضية ومحو اسم الحمدي الذي لا يعرفه اليوم الغالبية العظمى من الأجيال في البلدان العربية بسبب قذارة القاتل وماله وإعلامه ومرتزقته ممن حكموا اليمن في فترة مابعد الحمدي.

اليوم، وبعد مرور أكثر من أربعة عقود من الزمن والفقد، تم الكشف بشكل رسمي عن معلومات ووثائق تتعلق بالجريمة الشنعاء التي اغتالت وطناً بأكمله.

دائرة التوجيه المعنوي في صنعاء أعلنت رسميا لأول مرة منذ اغتيال الرئيس الشهيد إبراهيم الحمدي عن تفاصيل الجريمة، بعد العثور على وثيقة مهمة تشير إلى أسماء الضالعين بجريمة الاغتيال الجبانة، والاضطلاع بمهمة البحث عن المزيد من الأدلة والوثائق.

و قدمت الدائرة  تقريرا وصفته بأنه الأول الذي يصدر عن الجريمة منذ ارتكابها لأن الضالعين الرئيسيين في إرتكاب الجريمة هم من تولوا السلطة طوال العقود الماضية، والذين عملوا على تغييب التحقيق عن الجريمة سابقًا بسبب إجراءات القتلة وممارساتهم ومن خلفهم السعودية ضد كل من يحاول الإقتراب من هذه القضية.

وأكدت دائرة التوجيه المعنوي بأنها حصلت على معلومات تتعلق بخطة الرئيس إبراهيم الحمدي رئيس الجمهورية العربية اليمنية “اليمن الشمالي” وسالم ربيّع علي رئيس جمهورية اليمن الديموقراطية “اليمن الجنوبي” للوحدة ودمج القوات المسلحة وباب المندب، كما تم معرفة المزيد من تفاصيل الصراع مع العدو الإسرائيلي في تلك الفترة…

وثائق

 

وثائق حصلت عليها دائرة التوجية المعنوي التابعة للقوات المسلحة اليمنية تؤكد ضلوع النظام السعودي في الجريمة من التخطيط الى الإشراف على التنفيذ وحتى التغطية على الجريمة، وردت عبارة “تأليف سعودي بالتعاون مع المخابرات الأمريكية” في واحدة من الوثائق عن عملية الإغتيال.

الوثائق أشارت أيضا إلى ضلوع قيادات عسكرية وأمنية ومدنية يمنية في المؤامرة الإنقلابية الدموية على الرئيس الحمدي، حيث قام النظام السعودي باستقطاب تلك القيادات من خلال الأموال والإمتيازات الأخرى، واستخدمت السعودية الأدوات العميلة في تنفيذ مخطط اغتيال الرئيس الحمدي وتحت إشراف مباشر من الملحق العسكري السعودي بصنعاء، كما قامت السعودية بشراء صمت القيادات العسكرية والأمنية غير المشاركة بشكل مباشر في الإنقلاب الدموي وذلك لضمان عدم إفشال خطة الإنقلاب.

كما أشارت الوثائق بأن للسعودية حضور مباشر ومشاركة فعلية في التنفيذ وإدارة ما يشبه غرفة عمليات قبل وأثناء وبعد جريمة اغتيال الرئيس الحمدي، وتولت الإشراف المباشر والمشاركة الفعلية في عملية إغتيال الحمدي وكذلك إغتيال شقيقه قائد قوات العمالقة المقدم عبدالله الحمدي.

دائرة التوجيه المعنوي أعلنت عن أبرز الضالعين من القيادات السعودية في جريمة اغتيال الحمدي وهو علي بن مسلم مسؤول الملف اليمني في الديوان الملكي بدرجة مستشار، أما صاحب الدور الأبرز في اغتيال رئيس الجمهورية العربية اليمنية فهو الملحق العسكري السعودي بصنعاء العقيد صالح الهديان.

الاتصالات بين الهديان وبن مسلم تشير إلى أن الأخير كان يشرف على الملف اليمني في القصر الملكي ويرتبط مباشرة بالأمير سلطان بن عبدالعزيز، بحسب تصريحات دائرة التوجيه المعنوي التابعة للقوات المسلحة اليمنية.

وبحسب الوثائق، فإن عدد الذين حضروا لحظة تصفية وإغتيال الرئيس الحمدي من السعوديين أربعة، وهم الملحق العسكري صالح الهديان وثلاثة من عناصر الإستخبارات السعودية، الذين كانوا قد وصلوا إلى مطار صنعاء ليلة ارتكاب الجريمة وغادروا صنعاء بعد إرتكاب الجريمة فوراً، فيما أشرف صالح الهديان بنفسه على إغتيال الرئيس الحمدي من خلال الحضور الفعلي في مسرح الجريمة، حوالي الساعة الثانية عشر ظهراً وظل في نفس المكان حتى وصول الرئيس الشهيد إبراهيم الحمدي.

وتشير الوثائق إلى أن قيادات عسكرية يمنية تولت تنفيذ الإنقلاب الدموي وإغتيال الرئيس إبراهيم الحمدي وشقيقه وكذلك قادة عسكريين آخرين بأوامر سعودية، وأبرز أولئك القادة العسكريين الضالعين بالجريمة، نائب القائد العام ورئيس هيئة الأركان وقتها المقدم أحمد الغشمي وكذلك قائد لواء تعز الرائد علي عبدالله صالح.

أسماء ..

ثلاثة أسماء وردت في واحدة من أهم الوثائق تؤكد تورط الملحق العسكري السعودي صالح الهديان والمقدم أحمد الغشمي والرائد علي عبدالله صالح، وتشير واحدة من الوثائق إلى الأسماء المذكورة وتضيف بعدها مباشرة (وآخرين) بما يؤكد أن هناك أسماء أخرى كان لها دور في الإنقلاب الدموي، كما تذكر رسالة بعثها صالح الهديان الى القيادة السعودية بتاريخ 26يونيو 1978م أن رجل السعودية خلفاً للرئيس أحمد الغشمي هو علي عبدالله صالح.

تصريحات دائرة التوجيه المعنوي بصنعاء تحدثت عن محاولات السعودية وكذلك علي عبدالله صالح طيلة العقود الماضية إلصاق الجريمة بطرف واحد وهو الرئيس أحمد حسين الغشمي وذلك لصرف الأنظار عن بقية الأطراف، وذكرت أن السعودية استخدمت القضية كورقة ضغط وتهديد على الأطراف المنفذه للجريمة لتظل تلك الأطراف تحت السيطرة السعودية.

دائرة التوجيه المعنوي أفادت بأن التحقيقات أثبتت أن المباشرين بقتل الرئيس الحمدي هم علي عبدالله صالح ومحمود مانع وصالح الهديان، وشارك في القتل مرافقون وعاملون لدى رئيس هيئة الأركان وقتها منهم مدير مكتبه وسائقه ومرافقون لدى قائد لواء تعز وضباط ووزراء.

ما حدث في صنعاء بعد ظهر الثلاثاء الموافق 11 أكتوبر 1977م ليس مجرد عملية إغتيال لرئيس الدولة بل إنقلاب دموي مكتمل الأركان، واغتيال وطن كان يحلم الحياة.

*من هو الرئيس إبراهيم الحمدي؟

 

إبراهيم الحمدي زعيم سياسي وقائد عسكري يمني، تولى عدة وظائف قضائية وعسكرية ثم أصبح ثالث رئيس لليمن الشمالي (سابقا) بعد الإطاحة بـ”حكم الإمامة” 1962، وتوصف فترة حكمه القصيرة بأنها من أكثر عهود البلاد أمنا وتنمية وإصلاحا. اغتيل في ظروف غامضة فلقبه اليمنيون بـ”الرئيس الشهيد”، ومازال حيا في وجدان وضمير شعبه.

الحمدي من مواليد يوم 28 يوليو/تموز 1943 في منطقة قعطبة (محافظة إب) باليمن، وهو من أسرة دينية وعلمية معروفة، فقد كان والده من أشهر القضاة الذين عملوا في مناطق متعددة من البلاد، وكان الحمدي قد تربى في كنف أبيه الذي كان حاكما شرعيا لمدينة قعطبة، وتعلم على يديه مبادئ العلوم الشرعية واللغوية، وأتم حفظ القرآن الكريم في سن مبكرة من عمره.

في صنعاء تلقى دراسته الثانوية، والتحق عام 1959 بكلية الطيران التي لم يكمل دراسته فيها، ورجع إلى والده ليساعده في محكمة مدينة ذمار قاضيا يصلح بين المتخاصمين ويفصل بينهم، وفي عهد الرئيس اليمني عبد الله السلال -أول رئيس لليمن الشمالي سابقا بعد ثورة 1962 ضد الحكم الملكي- تولى قيادة قوات الصاعقة، وترقى في المناصب الأمنية والعسكرية القيادية حتى أصبح قائدا لقوات الاحتياط العام وقوات العاصفة، وفي 1972 أصبح نائبا لرئيس مجلس الوزراء 1971-1972، ثم عُين نائبا للقائد العام للقوات المسلحة 1972، فقاد في 13 يونيو/حزيران 1974 انقلابا عسكريا أبيض سمي “حركة 13 يونيو التصحيحية”، التي أطاحت بحكم الرئيس القاضي عبد الرحمن الإرياني (الرئيس الثاني لليمن الشمالي) والذي غادر اليمن إلى سوريا، فتولى الحمدي رئاسة “الجمهورية العربية اليمنية”.

حكمه استمر أقل من أربع سنوات، ورغم قصر هذه الفترة فإن اليمن شهد فيها تطورا ملحوظا في الاقتصاد، مع إرساء الأمن والاستقرار وانتعاش التنمية، وتشييد هيئات الإصلاح المالي والإداري للرقابة على المؤسسات الحكومية للحد من الفساد الإداري والمالي.

انتهج الحمدي أثناء فترة حكمه سياسة معادية للمتنفذين والإقطاعيين والفاسدين من مشائخ القبائل، فألغى وزارة شؤون القبائل باعتبارها معوقا للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتحولت إلى إدارة خاصة تقدم الاستشارة تحت مسمى “الإدارة المحلية”.

في عهده تبادل اليمنان الجنوبي والشمالي التمثيل الدبلوماسي، واتفق في 26 سبتمبر/أيلول 1977 مع رئيس اليمن الجنوبي سالم ربيع علي على خطوات وحدوية بين الشطرين، منها توحيد السلك الدبلوماسي والنشيد الوطني والعلم الجمهوري، وكان من المفترض أن تـُعلن هذه الخطوات أثناء زيارة الحمدي لعدن في 13 أكتوبر/تشرين الأول من نفس العام، لكن الزيارة لم تحصل بسبب اغتياله قبل موعدها بيومين.

اغتيل إبراهيم الحمدي -مع شقيقه عبد الله الحمدي قائد قوات العمالقة- يوم 11 أكتوبر/تشرين الأول 1977 ، في بيت نائبه المقدم أحمد الغشمي الذي تولى منصب الرئيس بعد الحمدي، وكانت جريمة اغتيال الحمدي وسط ظروف ظلت غامضة فاختلفت الأقاويل والروايات حول ملابساتها، وبقي ملف اغتياله معلقا من حينها.

ملمح من صراعه مع آل سعود .. 

حين منعت السعودية تمليك المحلات للأجانب واليمنين عام 1975 ، علم الشهيد الحمدي بالقرار فغضب غضبا شديدا وقرر السفر فورا إلى السعودية للاعتراض على القرار، وتم تجهيز الطائرة فورا واتجهت نحو الرياض التي فوجئت بطلب طائرة الرئيس اليمني الهبوط في المطار وفوجئ كذلك القصر الملكي بذلك وبطلب الحمدي الاجتماع فورا مع الملك فيصل.

تم تجهيز موكب قام بتوصيل الرئيس الحمدي الى القصر الملكي حيث وجد الملك فيصل في انتظاره وحين سلم عليه قال “ما هكذا تدار الأمور هناك تنسيق وبروتوكول وتنسيق دبلوماسي كيف تقوم بالتحرك الى الرياض هكذا فجأة دون تنسيق وبروتوكول”، وكان فيصل يحب شخصية الحمدي وكان معجبا به، فأجاب الحمدي “ليس بيننا وبين السعودية رسميات ولا بروتوكول .. نحن أرض واحدة وشيء واحد والعمق السعودي يبدأ من صنعاء والعمق اليمني يبدأ من الرياض، وأنا جئت على وجه السرعة لأعبر عن غضب القيادة والحكومة اليمنية الشديد من القرار الذي اصدرته حكومتكم بمنع الأجانب من تملك العقارات والمحلات وغضبنا لأن اليمنيين يشملهم القرار وأنتم تعلمون دور اليمنيين في البناء والنهضة التي حققتموها والتي لم تكونوا لتصلوا إليها لولا اليمنيين إلى جانب رؤوس أموال التجار اليمنيين التي تمثل دعما كبيرا لاقتصاد السعودية، كيف تمنعوا اليمنيين من التملك دون اأي اعتبار لأواصر الأخوة والجوار والمصير المشترك؟!..أنا هنا باسم القيادة والشعب اليمني نطالبكم بإلغاء هذا القرار فورا أو استثناء اليمنيين من القرار مالم فسأعود فورا إلى صنعاء وأعلن في خطاب دعوتي للمغتربين اليمنيين العودة فورا إلى بلدهم وخاصة أولئك التجار الكبار الذين يقوم اقتصادكم على أموالهم .. ثم إن قراركم يعتبر انتهاكا لاتفاقية الطائف ولهذا سيتم إلغاء الاتفاقية.

رد فيصل آل سعود “اهدأ وعد إلى مقر إقامتك في الرياض ولن تعود لليمن إلا وخاطرك طيب”، وفي اليوم التالي خرج الحمدي في جولة في شوارع الرياض واستقبلته جموع اليمنيين هناك استقبالا حاشدا جدا لم يسبق له مثيل، واصدرت الحكومة السعودية قرارا باستثناء اليمنيين من ذلك القرار بعد أن لمست قوة وشجاعة الزعيم اليمني الشاب وصدقه وإخلاصه لشعبه ووطنه، وجديته في كل ما يمس مصلحة البلاد والشعب.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق