منوعات

حُب الخير والصلاح والدين والأخلاق.. كونفوشيوس الفيلسوف الصيني ملك بلا عرش

|| Midline-news || – الوسط …

 

كونفوشيوس (أو Kongzi) أو المعلم الأول فيلسوف صيني عاش في القرن السادس قبل الميلاد. تمحورت تعاليمه حول الممارسات الأخلاقية والحُكم العادل حتى أصبحت فلسفة اعتمدتها الإمبراطورية الصينية، بعد رحيله.

كانت لأفكاره، المُعبَّر عنها في فلسفة الكونفوشيوسية، بالغ الأثر على الثقافة الصينية حتى يومنا هذا.

هو شخصية مثيرة ومميزة للغاية، ويصعب أن تُميّز بين الحقيقة والخرافة في سيرة حياته.

يُعتبر كونفوشيوس المُعلّم الأول، وعادةً ما يُعبَّر عن تعاليمه بعبارات قصيرة تخضع لتفسيرات مختلفة.

من بين أهم أفكاره الفلسفية كان أهمية عيش حياة فاضلة وبر الوالدين وتكريم الأسلاف، فضلاً عن تأكيد ضرورة وجود حُكّام محبين للخير ومقتصدين.

شدد على أهمية التناغم الأخلاقي الداخلي وعلاقته المباشرة بالتناغم في العالم المادي؛ وأنَّ الحُكّام والمُعلّمين يُمثّلون قدوة مهمة للمجتمع الأوسع.

    – ثلاثة يجب على الرجل الشريف أن يحذر منها. في مرحلة الشباب، حيث بداية الحيوية والنشاط، يجب أن يحذر من فتنة النساء. وفي مرحلة الكهولة، حيث تتوهج الحيوية والنشاط، يجب أن يحذر من المغالبة. وفي مرحلة الشيخوخة، حيث تذبل حيويته ونشاطه، يجب أن يحذر من الطمع.

    «من تعاليم كونفوشيوس»

حياته المبكرة

حسبما نشر موقع Ancient History Encyclopedia، يعتقد المؤرخون أنَّ كونفوشيوس وُلد في عام 551 قبل الميلاد وتوفي في عام 479 قبل الميلاد بولاية «ليو» (المعروفة الآن بمقاطعة شاندونغ).

ومع ذلك، فإن أقدم سجل مكتوب لكونفوشيوس يعود إلى نحو 400 عام بعد وفاته، في كتاب السجلات التاريخية للمؤرخ الصيني سيما تشيان.

ترعرع كونفوشيوس في مدينة تشيوفو، وتقلَّد وظائف حكومية مختلفة لدى أمير ولاية «ليو»، أبرزها شغله منصب مدير الأشغال العامة في عام 503 قبل الميلاد، ثم مدير وزارة العدل في عام 501 قبل الميلاد.

وفي وقتٍ لاحق، تجوَّل كونفوشيوس كثيراً داخل أرجاء الصين وواجه عديداً من المغامرات البسيطة، من بينها السجن 5 أيام، بسبب قضية وقوع خطأ في تحديد الهوية.

واجه كونفوشيوس هذه الحادثة بضبط نفس نموذجي، وقيل إنَّه عزف على آلته الوترية بكل هدوء حتى اكتُشف الخطأ.

في نهاية المطاف، عاد كونفوشيوس إلى مسقط رأسه، حيث أسس مدرسته الخاصة به لتزويد الطلاب بتعاليم القدامى.

لم يعتبر كونفوشيوس نفسه «مبتكراً» بل «ناقلاً» لهذه التقاليد الأخلاقية القديمة، وكانت مدرسته مفتوحة لجميع الفئات الاجتماعية، الغنية والفقيرة.

    «قل لي وسوف أنسى، أرني ولعلّي أتذكّر، أشركني وسوف أفهم»

أعمال كونفوشيوس

بينما كان كونفوشيوس يُعلّم بمدرسته، بدأ في الكتابة.

قدَّم مجموعتين شعريتين هما كتاب الأغاني (Shijing أو Shi king ) وكتاب الوثائق (Shujing أو Shu king)، وحوليات الربيع والخريف (Lin Jing  أو Lin King )، الذي سرد فيه تاريخ ولاية ليو.

وكان كتاب التغيرات (Yi Jing  أو Yi king ) عبارة عن مجموعة من الأطروحات حول الكهانة.

ولسوء حظ الأجيال القادمة، لم تُحدّد أي من هذه الأعمال الخطوط العريضة لفلسفة كونفوشيوس.

لذا، كان لا بد من صياغة الكونفوشيوسية من روايات غير مباشرة، ويعتبر كتاب المختارات ( the Analects) أشمل عملية توثيق لأفكار وتعاليم كونفوشيوس جديرة بالثقة والاعتماد عليها.

ومن الجدير ذكره أن لا وجود حتى الآن لدليل قاطع على أنَّ الأقوال والقصص القصيرة الواردة في الكتاب قد صدرت بالفعل على لسانه، بالإضافة إلى أنَّ غياب السياق والوضوح قد تسبَّب بكثير من الأحيان، في ترك عديد من تعاليمه مفتوحة لأي تفسيرات فردية.

المصادر الثلاثة الرئيسية الأخرى للفكر الكونفوشيوسي هي كتاب  «Mencius» وكتابا » Great Learning» و «Doctrine of the Mean».

وتُشكَّل هذه الأعمال –جنباً إلى جنب مع كتاب «المختارات»- الكتب الأربعة للكونفوشيوسية، والتي يشار إليها بالكلاسيكيات الكونفوشيوسية.

وأصبحت الكونفوشيوسية، من خلال تلك النصوص، الدين الرسمي لدولة الصين منذ القرن الثاني قبل الميلاد.

    «بدل أن تلعَنَ الظلام، أوقِد شمعة»

الفلسفة الكونفوشيوسية

كانت الفلسفة الصينية، لا سيما الكونفوشيوسية، مهتمة دائماً بالمسائل العملية المتعلّقة بالفضيلة والأخلاق.

كيف ينبغي للإنسان أن يعيش من أجل فهم بيئته، وتوفير حكومة مناسبة وتحقيق التناغم الأخلاقي؟

تتمثَّل الركيزة الأساسية بالكونفوشيوسية في أنَّ التناغم الأخلاقي للفرد يرتبط ارتباطاً مباشراً بالتناغم الكوني، بمعنى أنَّ ما يفعله الفرد يؤثر في الآخرين.

على سبيل المثال، قد تؤدي القرارات السياسية السيئة إلى كوارث طبيعية مثل الفيضانات.

ويتجلَّى المثال على الارتباط المباشر بين المادية والمعنوية في مقولة: «السماء ليس لها شمسان والناس لا يحكمهم ملكان».

نتيجة هذه الفكرة، كما هو الحال مع وجود بيئة كونية واحدة فقط، هي أنَّه لا يوجد سوى طريقة حقيقية واحدة للعيش ونظام سياسي سديد وحيد.

إذا فشل المجتمع، يكون ذلك نتيجة إساءة تفسير النصوص والتعاليم المقدسة. إذ تشتمل تلك النصوص نفسها على الطريق المستقيم، لكن يتعيَّن علينا البحث عنه والعثور عليه.

الجانب المهم الآخر لأفكار كونفوشيوس يتمثل في أنَّ المُعلّمين، لا سيما الحكّام، يجب أن يكونوا مثالاً يُحتذى به.

يجب أن يكونوا محبّين للخير ليكسبوا عواطف واحترام عامة الشعب ولا يفرضوا ذلك بالقوة، التي تعتبر وسيلة عديمة الجدوى في هذا الشأن.

ينبغي أن يكونوا أيضاً نماذج في اقتصاد النفقات والتحلي بالقيم النبيلة والأخلاق السامية.

لهذا السبب، كثيراً ما فضَّل التعليم الصيني تنمية محددات السلوك الأخلاقي (الحساسيات الأخلاقية) على المهارات الفكرية.

علاوة على ذلك، تحت تأثير الكونفوشيوسية، اعتمدت السياسة الصينية بصورة أساسية على تدعيم العلاقات الودية بدلاً من المؤسسات.

    «لا فقر في ظلّ الحكومة الفاضلة، ولا غنىً في ظل الحكومة السيئة»

تلميذاه منسيوس وزونزي

طوّر اثنان من الفلاسفة المُهمّين، هما منسيوس وزونزي، أفكار كونفوشيوس وأخذوا على عاتقهما مهمة تجميعها وتدوينها.

وفي حين يعتقد كلاهما أنَّ ما يفصل المرء عن بقية الحيوانات الأخرى هو مدى إحساسه بالفضيلة والعدالة، شرح منسيوس الاعتقاد بأنَّ الطبيعة البشرية جيدة في جوهرها، في حين كان زونزي، على الرغم من عدم تبنيه موقفاً مضاداً، أكثر تشاؤماً بعض الشيء بشأن الطبيعة البشرية.

ومن ثمَّ، شدَّد على أهمية التعليم والطقوس الدينية لإبقاء الناس على المسار الأخلاقي الصحيح.

لذا، بيَّنت الكونفوشيوسية أهمية 4 فضائل، ألا وهي: حب الخير، والصلاح، ومراعاة الطقوس الدينية، والحكمة الأخلاقية.

وأضيفت فضيلة خامسة في وقتٍ لاحق –وهي الإيمان- التي تتوافق بدقة مع نظرية العناصر الخمسة الشائعة في الفكر الصيني، وهي التراب (الأرض) والخشب والنار والمعدن والماء.

مرة أخرى، يظهر جلياً الاعتقاد بوجود صلة وثيقة بين المجالين المادي والمعنوي.

ومن خلال القول بأنَّ كل الأشخاص يمتلكون مثل هذه الفضائل، يترتب على ذلك فكرتان: ضرورة الاهتمام بالتعليم وتنميته، وجميع الأشخاص متساوون- أو كما يقول المثل الصيني المأثور: «في البحار الأربعة، كل الرجال إخوة».

يستطيع أي شخص أن يصبح حكيماً مع تطبيق النموذج المناسب، لا تهم الموهبة الفطرية بقدر إرادة الفرد لتشكيل شخصيته وفقاً للفضيلة بأقصى صورة ممكنة.

الإرث.. معابد ومعاهد لملك بلا عرش

بعد وفاته في عام 479 قبل الميلاد، دُفن كونفوشيوس بقبر عائلته في مدينة تشيوفو بمقاطعة شاندونغ.

وعلى مدى القرون التالية، نمت مكانته حتى أصبح موضوعاً للتعبّد في المدارس خلال عهد أسرة هان (من 206 قبل الميلاد حتى 220 ميلادياً).

أُنشئت المعابد باسمه في جميع العواصم الإدارية خلال عهد أسرة تانغ (من 618 حتى907 ميلادياً).

وقد كانت المعرفة الواسعة بالنصوص الأساسية للكونفوشيوسية شرطاً ضرورياً لاجتياز اختبارات اختيار الخدمة المدنية طوال فترة الإمبراطورية الصينية.

غالباً ما كان الأشخاص المتعلّمون يضعون في منازلهم لوحاً مدوَّنة عليه كتابات كونفوشيوس، وفي بعض الأحيان تماثيل، ويجلس معظمهم في كثير من الأحيان مرتدين الزي الإمبراطوري، ليرمزوا إلى منزلته «كملك من دون عرش».

كانت مطبوعات لصور كونفوشيوس شائعة أيضاً، لا سيما تلك التي أُخذت من الأصل المفقود المنسوب إلى الفنان الصيني وو داوزي، والتي رسمها في القرن الثامن الميلادي.

لكن لسوء الحظ، لم تنجُ أي رسمة معاصرة لكونفوشيوس، لكن غالباً ما يُصوّر على هيئة رجل حكيم ذي شعر رمادي طويل وشوارب، وأحياناً يحمل لفائف.

وعلى هذا النحو، كانت تعاليم كونفوشيوس وأتباعه جزءاً لا يتجزأ من التعليم الصيني على مدار عدة قرون.

ولا يزال تأثير الكونفوشيوسية واضحاً حتى الآن في الثقافة الصينية المعاصرة مع تأكيدها المستمر للعلاقات الأسرية والاحترام وأهمية الطقوس الدينية، فضلاً عن القيمة المعطاة لفضيلة ضبط النفس والإيمان القوي بقوة وفوائد التعليم.

متى وكيف مات كونفوشيوس؟

توفي كونفوشيوس في 21 تشرين الثاني 479 قبل الميلاد ، في كوفو، بالصين، بعد عام من فقدان ابنه، تزو لو، في إحدى المعارك.

في وقت وفاته كان كونفوشيوس مقتنعاً بأن تعاليمه لم يكن لها تأثير كبير على الثقافة الصينية، لتصبح بعد وفاته الفلسفة الرسمية للإمبراطورية الصينية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى