العناوين الرئيسيةكشكول الوسط

يوجّه المتلقي نحو الاستمتاع بأعماله الفنية.. النحات هشام المليح: أكسر جميع القواعد والقوانين التي يضعها بعض “المتخلفين”!

تحتضن ساحة الأمويين منحوتته "الوردة الشامية" أحدث مشاريعه الجميلة..

|| Midline-news || – الوسط …

روعة يونس

.

يتصف كل عمل فني له بأنه “ناطق صادق” فالنحّات هشام المليح اختبر مدارس النحت وخاض في عوالمها، لكنه اختار الابتكار, لهذا نجح كفنان يعرف كيف يُنطق الحجر.
يحمل فناننا ضيف “الوسط” ثقافة رفيعة، وكذلك آراءً مشاكسة تثير الجدل! لكنه يراها “واقع حقيقي” تتصل بكل من المثقف والمتلقي، إذ ينتصر -بوصفه فناناً صادقاً- للمتلقي، ويراه غالباً في منزلة مهمة وأكثر وعياً من أصحاب الشأن الثقافي الفني!
وإلى ذلك.. لم تتوقف أعمال المليح النحتية على الطين والحجر بأنواعه، بل إنها تجاوزت الشجر والخشب.. وساحة الأمويين تشهد على منجزه الإبداعي الجميل، فقد زيّنها قبل أيام  بمنحوتته “الوردة الشامية” التي كُلف بها من محافظة دمشق والأمانة السورية.

“منحوتات الأدباء”
لا يبدو للمتلقي نحت البشر من خامات الخشب والطين والحجر على اختلاف أنواعه، أمراً سهلاً! كيف يبدو الأمر بالنسبة لك كفنان نحات؟

  • أقوم حالياً بمشروع تجسيد الشخصيات الأدبية السورية، هذا المشروع بما أن الفكرة فكرتي وأقوم بتنفيذ هذه الفكرة بحب، فتلقائياً أنا صادق بإحساسي وتفاعلي مع العمل أو مع أي شخصية قد أختارها، عندما تكون صادق ومُحب للفكرة التي تعمل عليها يصل إحساسك الصادق للمتلقي بشكل أسهل وأوضح حتى لو تجاوزت وبالغت في الواقعية التي تعمل عليها في تقديم هذه الشخصيات، لهذا أكرر بأن إحساس الفنان الصادق هو حتماً سيصل للمتلقي وسيتفاعل معه.

تطور فن النحت كثيراً. وثمة مدارس نحتية معاصرة ظهرت. هل يلتزم هشام المليح بلغته وطريقته الفنية، أم لا مانع من بعض التأثيرات العالمية؟

  • شخصياً أنا لا أتأثر بأي مدرسة فنية ولا أعتبر نفسي منتمياً لأي مدرسة أو نمط أو أسلوب! لأني لست قادراً على الانتماء أو التقيد بأسلوب معين، فهذا يحد من عملية التفكير لدي ويأسر العنان لفكري، فأنا دائماً ابن اللحظة. ابن إحساسي للحالة الآنية، فإن شئتِ لنسمها المدرسة الآنية، أنا حرّ اتنقل بفكري وبأسلوبي وبطرحي لأي فكرة من حيث الشكل والمضمون والإخراج، فمدرستي هي اللا انتماء لشيء، ولكن رغم كل ذلك أجد دائماً بأن المتلقي أو المشاهد لأعمالي قد يتعرف على عملي وإن كان بدون توقيع فهذه هي الحالة الحسية التي تكلمت عنها.

“الطفل الفنان”
في المحور الثاني سنتطرق إلى كونك أستاذ مشرف مادة النحت في “المركز التربوي للفنون التشكيلية” بصراحة كم استلزمك من جهد وإبداع وتجارب لترتقي إلى هكذا مسؤولية، وأنت لا تزال فناناً شاباً؟

  • بالنسبة لتعاملي مع الطلاب (الأطفال) الذين أقوم بتوجيههم في المركز التربوي، وأعرفهم على بعض الخامات، لأنني اتعامل مع الطفل وكأنه فنان، أحترم وجهة نظره، كذلك أترك العنان لخياله وفكره لكي يقدم ما يشاء، فقط أحاول مساعدته في ترجمة الفكرة التي تدور في مخيلته، ولا أتدخل بإحساسه ولا بأسلوبه، بل أقوم ببعض المساعدات التقنية، فتعاملي مع الطفل يشحنني دائماً أو يُحرض ما بداخلي لخلق أفكار جديدة مقتبسة من اللاوعي عند الطفل، لأنني أؤمن بأن الفن ينتمي للطفولة.


“الواقعي والتجريدي”

 تتصف أعمالك النحتية بالتجريدية غالباً، هل يمكننا اعتبار أنك اخترت الطريق الأسهل؟ أم اخترت الأصعب لأنه يضمن الحرية في التعبير؟

  • بداية لم أعمل على النحت بالأسلوب التجريدي، أنا نحات واقعي ولدي الكثير من الأعمال الواقعية والتشريحية، فقد قمت ببدايتي بتجزيئ ونحت أقسام الجزء الإنساني، وعملت كثيراً على نحت البورتريه لشخصيات كثيرة، كل هذا بأسلوب واقعي، وكنت رافضاَ بل أهاجم كل فنان يعمل بعيداً عن الواقعية! ومع مرور الوقت لم أجد نفسي إلاّ وقد بدأت بشكل غير متوقع أترجم أفكاري وأكتبها على الحجر بأسلوب غير واقعي، لا أريد أن أسميه تجريد، إنما واقعي لكن بصورة مختلفة عن العناصر الموجودة بالطبيعة، فالواقعية بنظري هي الحقيقة الصادقة الصغيرة للتفصيل الصادق، هذا الأسلوب ترجم أفكاري بطريقة أقوى من الأسلوب الواقعي المعتاد لأن أفكاري أحاسيس لا تترجم بالصورة الواقعية، إذ ليس لدي في النحت ما هو صعب أو سهل، إنما أقوم باللعب مع الكتلة والحوار الدائم ما بيني وبينها، فالفن تسلية وحالة علاجية وهو طاقة إيجابية أو سلبية بداخلي أقوم بتفريغها بهذه الكتلة بغض النظر عن النتائج.

 

“توجيه المتلقي”
اشتقاقاً من سؤالي السابق، يُصنّف “النحت التجريدي” بكونه صعب الوصول أو الفهم –ربما- بالنسبة للمتلقي! كيف يمكنك تمرير رسالتك الفنية إلى فئات غير نخب الفنانين والمثقفين؟

  • عندما يحمل الفنان أحاسيس صادقة تُتَرجم في قصيدته أو لوحته أو منحوتته بإحساس حي -مهما كان أسلوبه- سوف يصل للمتلقي، لأن إحساس الفنان مأخوذ من الواقع، وعندما تقوم بنقل هذا الإحساس الواقعي إلى الكتلة النحتية سوف يشعر به الآخر حتى ولو لم يكن فناناً، إذا ليس من المطلوب أن يفهم ويترجم العمل على أنه نص أدبي إنما يكفي أن يتذوق العمل أو يلامس إحساسه ويشعر به، فمهمتي توجيه المتلقي نحو الاستمتاع بأعمالي واستثارة قدرتها على فهم الفنون.
    بصراحة أرى أن الفئة غير المثقفة هي من تفهم وتقرأ العمل بشكل جيد ولو كان لديها الإمكانات المادية كانت اقتنت المنحوتات! فما يسمونه “المجتمع النخبوي” أو المثقفين أو الفنانين، يفاجؤنني بأنهم لا يعرفون قراءة العمل بشكل حسي، مثال على ذلك، كنت أنحت تمثال في منطقة القصاع والتي متعارف عليها أن قاطني هذه المنطقة من المثقفين والفنانين لكن لم يقف عندي ولا مرة أي فنان أو شخص مثقف ليحاورني في العمل بسلبياته وإيجابياته، إنما فوجئت من عامل نظافة كان يقف ويتأملني أنحت، وعندما أتوقف للاستراحة يقف أمام المنحوتة مبتسماً ويحاورني مبدياً إعجابه ويطرح وجهة نظرة وكأنه شخص (مثقف فنياً). كما أنه عندما كنت أنحت شجرتين تحت جسر الرئيس، خلال عام كامل مر من عندي فنان أو ربما ثلاثة (على مضض) لكن كل الذين كانوا يتفاعلون وأشعر بإحساسهم تجاه العمل لم يكونوا من الطبقة المثقفة أو طبقة الفنانين!

 

“توجه ابتكاري”
تنقلب منحوتاتك على المفاهيم الفنية والقوالب الهندسية، لا دوائر ولا مربعات ولا مثلثات ولا أطر تحدّ من حرية المنحوتة، لربما نحن أمام توجه ابتكاري وهوية ذاتية تؤكدها؟

  • دائماً أحاول إخراج وتقديم عمل جديد ومختلف ومتمرد عن الشكل الواقعي المألوف التي اعتادت عليه العين وأصبحت في حالة ملل من تكرار الأشكال والمواضيع والعناوين. فهذا خلق لدي ردة فعل تجاه هذه القولبة والتمثيل والنمطية وعدم الأصالة كالجمل الزائفة والعبارات البالية فأنا أرفض ذلك النظام المفروض على الفنانين على أنه حقيقة وواقع! كل هذا خلق عندي ردة فعل على الشكل في العمل النحتي بأن أقدم وأطرح أشكالاً مختلفة متمردة جنونية بشكلها ومضمونها ولونها وتوازنها بالإضافة لطرحها وكسر جميع القواعد المتعارف عليها والقوانين التي يضعها بعض المتخلفين (أشباه الفنانين أو النقاد)، إذ ليس لدي قانون أو عرف في تقديم عملي النحتى سوى أنني أبحث دائماً عن الجديد.

“جرأة الطرح”
في الفن التشكيلي، يعاني الفنان –كما الأدباء- من محاذير ومحظورات تشكّل التابو الثلاثي المعروف “لا” للدين والجنس والسياسة. كيف تمرر كنحات أفكارك ضارباً بعرض “الحجر” تلك اللاءات؟

  • أنا شخصياً ليست لدي مشاكل مع التابو الثلاثي لكي تسبب لي عقدة في طرحها، وبتصوري إن واجهتني إحدى المشاكل مع هذا التابو أتوقع أنني سأكون “جريء” في طرحي.

على الرغم من سيادة “النحتية الواقعية” خاصة في عصر النهضة، بات النحات مؤخراً كما لو أنه أكمل دائرة كاملة وعاد إلى ما قبل التاريخ! حين كان الإنسان القديم ينقش على الحجر والأرض رسومات تجريدية؟

  • أحاول دائماً بث وخلق رموز أشبه بما تكون لها علاقة بتاريخ ونشأة الحياة والإنسان، لأن همي وبحثي دائماً في -الأسطورة وبداية الخلق-، همي وخوفي -من أين؟ وإلى أين؟-، من أين خُلقًت المادة؟

“إلهام موسيقي”
سؤالي الآن مهم للقراء والمتلقين، وهو سلسلة أسئلة نود منها الوقوف على بداية توجهك إلى عالم الفن- ثم مشاركاتك ومعارضك- ثم منحوتاتك المقتناة- ثم مشروع النحتي الجديد الذي تُعد له؟

  • بداية كان تلهمني الموسيقى الكلاسيكية ومقطوعات بيتهوفن وتشايكوفسكي وباخ وفيفالدى، إذ كنت أعتقد بأني أترجم ما كنت أشعر به عند سماعي هذه الموسيقي وكنت أشعر بأنها تشبهني في مزاجيتها وتمردها وانقلابها على اللحظة، إلى أن وصلت إلى أن الفن كوني، ولغة النجوم والبللورات، لغة الذرات والالكترونات هي ما يقنعنا، لأنها في النهاية تُشبهنا ضمن هذا الكون.
    لدي الكثير من المشاركات المحلية والدولية، ولدي مجموعة من الاعمال المقتناة بشكل فردي أو من وزارات الحكومة السورية وبعض دول الخارج كقبرص وفرنسا واليابان وكمبوديا. ليس لدي مشروع واحد إنما العديد منها في آن واحد، وأخر ما قمت به هو مشروع “الوردة الشامية” الذي كلفت به من محافظة دمشق والأمانة السورية وتم وضعه في ساحة الأمويين. لقد حاولت أن أشرح بكل إيجاز قضية الشكل والمضمون في النحت وإني لادرك تماماً أن محاولتي التبسيط في هذا المجال غير ممكنة، فشكل ومضمون النحت متعدد الجوانب وصعب التحديد والالتزام، على عكس الفنون الأخرى، هذا ما يجعله قابل للتطور بنظري.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق