العناوين الرئيسيةكشكول الوسط

يرى للنحت بُعداً رابعاً! بسام بيضون: لا يكفيني الرسم للتعبير وأجد في النحت متعة فنية أكبر

لا فائدة للملتقيات النحتية طالما سترمى النتائج بمكبات القمامة!

|| Midline-news || – الوسط …
.
حوار: روعة يونس

 

.الفنان الشامل، أو قل الفنان الكامل إن شئت.. لأنه اللقب الأنسب الذي يمكن أن يُطلق على النحات بسام بيضون. فهو يهوى عدة فنون جميلة ويمارسها بإتقان، منها التشكيل والحرق على الخشب والحفر بالإبر على الغرانيت والنحت والفسيفساء والرسم على الزجاج والخزف وفنون أخرى يبدع في جميعها. ويضم أرشيفه منتج رائع من كل منها.
لكن فناننا المبدع لا يميل إلى النحت فقط بل يعشقه، ويستثنيه عن كافة الفنون. ويرى أن له أربعة أبعاد لا ثلاثة! ويعيش علاقة وجدانية روحية مع الحجر خلال إنجاز منحوتته، لذا ينطق الحجر بين يديه. رغم ما يلاقيه بيضون في عالم “فن النحت” من سلبيات وعثرات تعترض فنانو الحركة الفنية!

مواهب متعددة
الميل إلى الفن، هل كان لديك -كما يقال- منذ نعومة أظافرك، واكتشفته كموهبة؟
= منذ الصغر رسمت شيئاً ما يشبه اللوحات الفنية، كان لدي ميلاً للفن والشعر والمسرح والكتابة، وفي فترة الشباب بدأت بتجارب متنوعة في هذه المجالات، وكتبت مشاعر تشبه القصائد، وكتب مسرحيات وقمت بإخراجها وتمثيل بعض شخصياتها على المسرح. كانت تجارب بسيطة لكنها مفيدة بالنسبة لي، كأنها تمهيد لطريق أو بذور خرجت من روحي ونثرتها باتجاهات مختلفة مترابطة مع بعضها، وبعدها بدأت بذور التشكيل تنمو وتتغذى من الاتجاهات الأخرى، وكان الرسم الأداة الأكثر تعبيراً حتى داهمني “النحت” بقوة بعد تجارب عديدة في الرسم.

تحترف الرسم والحرق على الخشب والنحت وفن الفسيفساء.. ولربما هناك فن إبداعي آخر نجهله لديك. لا أظن أن تلك الفنون نشأت داخلك معاً!
= إضافة إلى كل تلك الفنون، هناك الحفر بالإبر على الغرانيت الأسود المصقول، وتجارب بالخزف، والرسم بالألوان على الزجاج. وهناك الكثير من الطرق والمجالات الفنية التي أستطيع التعبير من خلالها، فلا أستطيع التحديد بدقة فترة نشأتها أو نضوجها بداخلي، ولأكون صريحاً معك: الآن عندما أشاهد أي عمل فني منفذ بطريقة ما لا أعرفها، أستطيع التقاط أسرارها وأقوم بتنفيذها بإضافة وابتكار أسراري وطرقي الخاصة إليها.

فن صعب
يعتبر فن الفسيفساء من أقدم فنون التصوير، وفي العصر الحالي دخلت عليه تقنيات مختلفة. ومع ندرة توفر “فنانو فسيفساء” سنستثمر حضورك في هذا الحوار لنسألك عن تجربتك مع هذا الفن؟
= نعم لدي تجارب عديدة في الفسيفساء، فقد عملت ورشة خاصة بهذا الفن. وأنجزت لوحة جدارية 5 م / 2 م مساحة 10 م مربع عام 2002 بالإضافة الى عشرات اللوحات بمقاسات مختلفة. كما أنجزت لوحة البابا فرنسيس وهي بمقاس 100سم / 80سم، من قطع صغيرة من الجبس المقوّى الملون، وتم لصقها على لوح خشب بمواد لاصقة خاصة وتم إنجازها خلال خمسة أيام بناء على طلب من إحدى الأخوات في كنيسة اللاتين بحلب. وأجد أن هذا الفن الصعب نسبياً، سهل بالنسبة لي أو لأي فنان عندما يتم فهم طريقة سير الخطوط وترتيب الألوان.

مخزون بصري
تبدو الأفكار اللونية أشد صعوبة من المعلومات. فالأخيرة تكون جاهزة. أما الأفكار فعلى الريشة الهشة الضعيفة في يدّ الفنان أن تنجزها. وكونك فنان قضيته “الإنسان” ما منابع ومصبات أفكارك؟
= المنبع الأول والأهم هو الحياة والإنسان، وهذا لا يعني أنني كي أرسم وجه إنسان علّي أن أتأمل وجوه الناس! فمن خلال قراءة رواية ما على سبيل المثال والدخول بعمق أحداثها  يتكون لدي مخزون فكري درامي خيالي، طبعاً بالإضافة الى الأحداث السلبية والإيجابية التي نراها بالعين المجردة، والتي تحمل الكثير من القيم والمعاني المختلفة. وبالتالي هذا المخزون الفكري والبصري المتكون في اللاوعي بالعقل الباطن، يختمر ويكوّن أسئلة وأفكار تحتاج إلى تفريغ بطريقة ما، والتي بالنسبة لي هي التشكيل، فإما تبقى بصيغة السؤال أو تكون جواباً، وفي النهاية تكون أمام روح وخيال المتلقي “المشاهد” من خلال عينيه وما يشعر به.

بحسب متابعتي لتجربتك الفنية، ألاحظ –خاصة بعد الحرب- اعتمادك على نسق لوني مضيء يشي بالفرح والحيوية، على الرغم الحزن والألم النابعين من اللوحات؟
= من المؤكد أن الحرب زلزلت أرواحنا جميعاً، وجعلتنا كالموج في المحيط الهادر، وهنا السؤال يفرض نفسه: وماذا بعد، هل هي نهايتنا؟  طبعاً وبالتأكيد ليست نهايتنا فما زلنا على قيد الحياة، وطالما نحن بالوجود فطبيعي أن يكون هناك أمل بالخلاص. وحالياً بما أرسم؛ أعبّر عن هذا الأمل، ولا أحبذ التعبير بالرموز المعلنة عن نفسها بشكل مباشر، لذا كان اللون هو الأداة، سيما أنني في تجربتي أستخلص –غالباً- الضوء والنور من داخل اللون  مع التعمد بعدم إظهار نتائج الحرب من دمار ودماء، بل آثار الحرب على أرواحنا مع الأمل الخارج من أعماقنا ومستودع ذاكرتنا المليء بالسلام.

  ملامح و معالم
تحضر الوجوه في لوحاتك وتغيب الملامح! فما الغاية من إصرارك على فرض هذا النموذج البشري- الفني؟ ثم كيف استطعت أن تنقل للمتلقي أحاسيس الملامح رغم غيابها؟
= هذا النموذج البشري ليس من ابتكاري، فالكثير من التشكيليين يعتمدون وجوه بدون معالم، وكما ذكرت لا أحبذ الترميز المباشر بالتعبير عن أي قيمة وحالة. وأدعو المتلقي للتماهي مع المنظور والمشهد ليكتشف بنفسه من خلال أحاسيسه ومشاعره وخياله. أضع له اللون بكل جبروته وعنفوانه وهذيانه وجماله ليجذبه من خلال الضوء والنور، وصراخهما الصامت، وله الحرية المطلقة بالخيال. وبكل تواضع أقول: استطعت التعبير بهذا النموذج بشكل مرضي ويحقق غايتي بنسبة عالية، حتى أنني لاحظت بعض الفنانين اعتمدوا الفكرة، لكن هناك اختلاف واضح بالروح واللمسة وحركة اللون ونوره، والبعض يقول “إن وجوهي بالنظرة الأولى يجد فيها ما يشبه وجوه الفنان الكبير المرحوم فاتح المدرس” لكن بمتابعة حركة اللون والخطوط نجد اختلافاً واضحاً. إذ ليتني أستطيع رسم وجوه الفنان الراحل فاتح المدرس.

صعوبة الحرق والوخز
قبل أن ننتقل إلى فن النحت، لدي سؤال عن الرسم بالحرق فوق الخشب. إذ أعتقد أن ممارسته صعبة، كون خطوطه لا تحتمل الخطأ ولا التعديل؟ ما هي متطلبات إنجاز لوحة ناجحة؟
= الحرق على الخشب لا يوفر مقومات التعبير بعمق، حتى أنه لا يندرج ضمن الفنون التشكيلية، بل الفنون التطبيقية أو الحرفية، هو وسيلة لإنجاز لوحة بطريقة لها طابعها الجمالي الخاص، وطبعاً ممارسته صعبة وتحتاج إلى دقة ومهارة بالرسم، وخبرة باستعمال الأداة. وهنا أستطيع القول إن الوخز أو الحفر بالإبر على الغرانيت الأسود المصقول هو أكثر صعوبة ولا مجال لتصحيح الخطأ نهائياً، ويحتاج إلى المهارة والدقة والقرار الجريء والنهائي، فأي غلطة يعني تغيير الحجر والبدء من جديد!

الأحب إلى القلب
بودي تفسير هذا التداخل بين النحات والرسام فيك؟ بخاصة أن لكل فن منهما عوالمه وأدواته ومزاجه أيضاً. هل الأمر أشبه بشاعر يكتب القصة؟
= طبعاً هناك اختلاف واضح من حيث المادة والصياغة والحلول والتعبير بين النحت والرسم رغم أنهما من الفنون التشكيلية. ففي النحت المادة تفرض خيارات ونوافذ أقل من الرسم الذي فيه الكثير من النوافذ اللونية، وحتى ينجز الفنان عملاً نحتياً حقيقياً لابد أن يمتلك فهماً للرسم والمسرح والموسيقا والرقص الإيقاعي! هذا الفهم يجعله يسيطر على الفراغ المتولد ضمن المادة الخام، وعلى ما تعلنه المادة بالفراغ المحيط، إحساس الفنان بمعطيات تلك الفنون تساعدانه لبناء عمل يستوعب ما يريد طرحه من أفكار ومشاعر. وفي الرسم فالموضوع مختلف وليس كل رسام يستطيع النحت، إنما ثمة احتمال كبير أن يكون النحات رساماً، وكذا الشاعر القاص، فالشعر يعتمد على الصورة البيانية اللاشعورية والومضة السحرية السريعة أما القصة فهى حكايا ما وسرديات ما سواء كانت واقعية أو من الخيال.

النحت.. هذا العالم الجميل الذي يحيل المرء إلى تاريخ الاغريق وساحات روما وكنائس الفاتيكان وعصر النهضة. ما الذي قادك إلى هذا الفضاء الإبداعي، ألم يكفك الرسم- التشكيل؟
= طبعاً أعمال النحت في عصر النهضة جميلة جداً بواقعيتها السحرية ومدهشة بدقتها، ومهمة وغنية بدلالاتها. وأيضاً لا يفوتنا النحت السوري والمصري القديم منذ آلاف السنين. وهذه الأوابد والأعمال الضخمة التى تشدنا وتخطف أحاسيسنا من هول أحجامها الكبيرة ومقدار الجهد المبذول لتنفيذها. إنما ليس هناك سبب محدد جعلني أحترف النحت على الحجر، ربما النحت هو الذي اختارني لتنفيذ ما أشعر، كأن الرسم لا يلبي الوصول للغاية! وتبقى النتيجة مختلفة، والجواب الصريح هنا: لا يكفيني الرسم للتعبير، وأجد المتعة الفنية بالنحت أكثر وهو الأحب إلى قلبي.

الحكمة والوقار
تكثر لديك منحوتات الأفاعي.. هل للأمر علاقة بالمثولوجيا، أم لأنها تحمل مقاربات أو دلالات معينة؟
= أجد الأفعى في ثقافتنا الشعبية حالياً مظلومة جداً بعدما كانت منذ آلاف السنين لها أهمية كبيرة في المثولوجيا والأديان. ونرى هذا بالحضارات السورية والمصرية واليونانية والرومانية والهندية والصينية، وكانت تصل أهميتها إلى تقديسها وجعلها بمصاف الآلهة! وهي ترمز إلى الكثير من الدلالات. وفي العصر الحالي هناك بعض الشعارات جعلت من الأفعى رمزاً لها. ومن ناحية أخرى فإن الثقافة الشعبية الحالية تصفها بصفات سلبية وهي بالحقيقة تحمل الكثير من الصفات الإيجابية وأهمها الحكمة، ولو أن الإنسان لم يفقد الحكمة لكانت الدنيا بألف خير. أما من الناحية الفنية لأعمالي النحتية اتبعت اسلوب يتشكل من بعض الدائرة، وهذا يتضح بالخطوط الإنسيابية المنحنية مشكلة أقواس من الدائرة تجعل الحجر يعطي إحساساً بالليونة مما يضفي جمالاً خاصاً مختلفاً.. والأفعى كونها لينة وتشكل دائرة ببساطة وسهولة، وجدتها تخدم اسلوبي للوصول إلى نتيجة جمالية، فبعض الآراء بأعمالي عن الأفاعي “لا أحب الافاعي ولكن منحوتتك الأفعى جميلة-  أول مرة أشعر أن الأفعى جميلة- أرى بوقفة هذه الأفعى حكمة ووقار”. والكثير من الآراء على هذا النحو.

 تبدو المنحوتة بأبعادها الثلاثة أكثر قدرة على بلوغ ذهنية المتلقي. فكيف يمكنك خوض الأساليب الفنية الحديثة التي قد تقف حائلاً أمام متلق غير متخصص؟
= سؤال مهم وجميل.. أستاذة روعة من سؤالك سأستخرج سؤالي: من هو المتلقي المتخصص؟! أين هو؟ المعروف والمتداول أن أبعاد العمل النحتي هي ارتفاع وعرضين فيكون أمامنا ثلاثة أبعاد! ولكن برأيي -وسجلي لي هذا-  لعمل النحت أربعة أبعاد! البعد الرابع هو البعد غير المنظور من التقاء الأبعاد الثلاثة وهذا البعد هو الذي يحرك العمل ضمن الفراغ المحيط، وهو الذي يملأ ويحرك المكان الذي فيه العمل، ويجعل المتلقي جزء من العمل بروحه وذهنه وخياله، وبالتالي يجعل المتلقي متخصص، فكلما كان العمل النحتي محققاً للبعد الرابع، لن يبقى أي حائل أو حاجز بينه وبين المتلقي، هذا البعد هو ما يجعل العمل قصيدة من غير كلمات،  وسيمفونية نسمعها بأرواحنا، ويجعل خيالنا يتلمس الفراغ المحيط بالعمل ليعانق تفاصيل المكان. فهناك سر في النحت على النحات أن يلتقطه.

مراوحة في المكان
هل نستطيع القول إنه لدينا مدرسة نحتية سورية، أم ما زلنا في مرحلة تشكيل ملامحها؟
= لست بوضع يؤهلني لتقييم النحت السوري. ولكنني أجد أنه هناك أعمال نحتية مهمة وهناك فنانين مبدعين ومؤثرين ولهم بصمتهم بشكل فردي. لا أستطيع القول بوجود مدرسة نحتية سورية وإن كانت مقومات تحقيق المدرسة موجودة، ولكن بسبب الكثير من المنغصات والسلبيات في الساحة الفنية -لسنا بصددها الآن- جعلت النحت السوري يراوح بمكانه، فإذا كنا سنعمل ملتقيات نحتية ونرمي النتائج بمكبات القمامة فلن نصل!
أيضاً، طالما هناك الكثير من “النحاتين” تسمى أعمالهم تقشير حطب ودق حجر، ونجد منجزهم وكأن الحجرة ابتلعتهم وضاعوا بجوفها ولم يستطيعوا الخروج منها وكل همهم كتابة اسمهم على الحجر! فلن نخطو أي خطوة لتحقيق مدرسة نحتية سورية.

خلال عملك في النحت هل تكون الفكرة جاهزة، أو الصيغة النهائية للعمل تكون في مخيلتك وتعمل على التنفيذ؟ وبم تفكر خلال إنجاز المنحوتة: بأعمال فنية محددة أو بفنانين آخرين أو بالنقاد أو بالمتلقين؟
= العمل يبدأ تلبية لفكرة ما تخمرت بالعقل والخيال، وصار هناك حاجة لتفريغها وإنتاجها كعمل فني، وأثناء العمل تحصل تجاذبات وتنافرات بين الفكرة المسبقة والفكرة المتولدة من إلهامات تأتي أثناء العمل والاستغراق الكلي فيه، وهي على شكل رسائل قصيرة وسريعة. وهنا إن استطعت التقاطها بدقة يحصل ما يشبه فقدان الوعي لدقائق قصيرة! لا أشعر عندها بالزمان ولا بالمكان، وكثيراً ما يحصل معي أثناء النحت أن أكتشف هذه الحالة بعدما أنجز في العمل نسبة عالية جداً، وأقوم بالمراجعة والملاحظة الدقيقة، فأشاهد بعض التفاصيل أو الخطوط أو الكتل أو الفراغات بدون تذكر الفترة التي تم فيها إنجازها! وبالمراقبة المستمرة لمعرفة كيف يحصل ذلك، تأكدت أنني أثناء العمل والاندماج والاستغراق والتماهي والتفاعل معه، تمر فترات زمنية لا أشعر بها.. وكثيراً ما يسألني بعض مشاهدي أعمالي النحتية: ما هو السر الذي يجذبنا بمنحوتاتك؟ وفعلاً ثمة سر أتلمس ماهيته وسأبقيه سراً.
لذا بهذا الجو والجهد المبذول لمعالجة المادة الخام القاسية، لا يخطر ببالي كل الذين ذكرتهم، فلكل فنان بصمة روحية، وإن حصل تشابه يبقى هناك اختلاف وفرق بسبب هذه البصمة. أما من ناحية النقاد، فلو أن الفنانين الحقيقيين سيسمعون ويصدقون كلام النقاد وثرثراتهم وطلاسمهم ومصطلحاتهم، لتركوا الفن! فالعمل الفني هو كما تشعر به أنت وما يترك من أثر بك.. وهو الشرارة التي تنبعث من العمل وتوقظ وتشعل روحك وتأخذك الى أمكنة جديدة. فدعك مما يقصده الفنان، ودعك من ثرثرات النقاد.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق