العناوين الرئيسيةالوسط الفني

يحضرّ لمسلسل “المطران” رغم أن أعماله الشجاعة تتعرض للمنع! .. باسل الخطيب : أتعامل مع إخراج كل مشهد على أنه الأول والأخير ..

|| Midline-news || – الوسط …

إعداد وحوار : روعة يونس ..

 

تكمن البطولة في اختيارك صعود الجبال وتحدي وعورة عطفاتها وقسوة منعطفاتها. وليس معك ما تهش به على قطيع الصعوبات التي تعترضك سوى إيمانك وإصرارك وثقتك بقدراتك على المواجهة ومتابعة صعود الجبل.

هذا ما كان عليه خيار المخرج المبدع باسل الخطيب، وهو مبدع ليس لأننا نوزع الألقاب والصفات كحلوى العيد. بل لأن أعماله قالت ذلك، وهذا ما أكده النقاد والجمهور وكل متابع لتجربته الإخراجية (كاملة الدسم).

بقلبٍ قوي مؤمن بموهبته وكفاءته على الوقوف في وجه الريح، والمضي في مقارعتها. واصل باسل الخطيب طريقه، وكان مضطراً للمواجهة والمقارعة لأنه اختار الفن الجاد والرسالة الصعبة التي تتقاطع مع جذوره الفلسطينية وثماره السورية. وتابع الصعود ليزين جبله بأعماله السينمائية والتلفزيونية التي أنجزها في 20سنة من العمل والجوائز والتكريم. وفي السنوات الثمان الأخيرة من عمر سورية، كثّف أعماله وكان حاضراً بإنسانيته وفنه وأخلاقه، يحارب الحرب بفنه الهادف الصادق. وهذا الحوار معه سيكشف لكم كيف يحارب المخرج المبدع.

“الشغف والولاء” ..

منذ ثلاثة عقود لفتت أعمالك، الأنظار والرهان في آن. البعض عوّل على دراستك الأكاديمية في موسكو، والبعض قال : بل خُلق بروحِ مخرج.

لمن لا يزال حائراً في سرّ تفوقك. أيهما سند أعمالك وميّزها : الموهبة الإبداعية أم الدراسة الأكاديمية؟

  • يوجد سر واحد هو الشغف وعشق كل ما أقوم به. بالتأكيد الدراسة الأكاديمية لعبت دوراً أساسياً فيما وصلت إليه لأنها أتاحت لي الكثير. أتاحت لي الفرصة لدراسة هذا الفن وكل ما يحيط به من فنون وآداب وعلوم. كذلك أتاحت لي إمكانية مشاهدة عدد كبير من أفلام السينما القديمة منها والمعاصرة والإطلاع بشكل معمق على أهم تجارب السينما العالمية. والأهم أنها مكنتني أن أدرس لدى أساتذة لديهم باع طويل. وأن أستفيد من خبراتهم وتجاربهم. وأحقق أول أفلامي وأنا طالب في معهد السينما.

الدروس التي استفدت منها في المعهد لا تنسى على الصعيدين العملي والشخصي. من ناحية أخرى للموهبة دور حاسم، لكنني لم أتعامل يوماً مع الموهبة التي يمنحها الله لإنسان ما على أنها امتياز، مقدار ما هي مسؤولية تلزم صاحبها بالكثير. كذلك لم أتعامل مع عملي كمجرد مهنة أقوم بها. بل هي حياة كاملة أعيشها بالتوازي مع حياتي الحقيقية، بل إنها تستغرقني أحياناً لدرجة أنني أنسى كل ما عداها. إذاً الشغف والولاء المطلق لأي مشروع هما سببان أساسيان لنجاحه.

” هاجس أساسي” ..

العمق والجرأة والبسالة -المستمدة من اسمك- سمات أعمالك، سواء كانت في السينما أو التلفزيون.

هل هذه السمات التي يتفق معي كثر حولها، هي سمات شخصية في الأصل، أم أنها أسلوب فني يشير إلى المخرج باسل الخطيب؟

  • كل مخرج يتشابه إلى حد كبير في سماته وشخصيته، مع طبيعة أعماله وخصوصيتها. لهذا يكون المخرج مختلفاً بأعماله عن غيره. شخصية المخرج هي التي تطبع أعماله بما يجعلها مختلفة وتعطيها روحاً وأسلوباً خاصين به. أعتبر نفسي محظوظاً لأنني استطعت حتى اليوم تقديم جزء لا بأس به مما كنت أطمح إليه وأحب تقديمه، سواء على صعيد مسلسلات السير الذاتية والتاريخية والاجتماعية.

لكن رغم ذلك فإن هذه الرحلة لم تكن يسيرة، بل صادفها الكثير من العقبات والتحديات التي تتطلب ثباتاً وإصراراً، وهذا ما يجعل للإنجاز معنى مختلف. فكثير من الأعمال التي قدمتها تعرّض للمنع أو التوقف! لكن هذا لم يمنعني من المتابعة والدفاع عن المشروع الشجاع ليخرج إلى النور.

من ناحية أخرى فإن طبيعة العمل الذي أمارسه صعبة ومعقدة، هي ليست درباً مفروشاً بالورود. هذه الطبيعة تتطلب أن يكون الإنسان عنيداً ومواجهاً وفي الوقت نفسه يعلم متى يختار الحلول الوسط لينقذ مشروعه، فالحياة تعلمنا كيف نعمل بالفن، والفن يعلمنا كيف نعيش حياتنا.

لعل أروع ما في أعمالك المتصلة بالوطن فلسطين، أنك تمرر رؤيتك بنبل، ولا أدري كيف يتفق أن تصورها، وتقيم توأمة بين فكرك ورؤيتك، وبين أفكار وآراء المشاهدين، بحيث يتحول كل مشاهد إلى فلسطيني في مثلاً مسلسل “أنا القدس”؟

  • تبقى فلسطين ومأساة شعبها هاجسي الأساسي ومشروعي الفني الأهم. لا يمكن أن أنسى للحظة تاريخي وجذوري. ولا أن أنسلخ عن ذاكرة شعبي التي تشكل حجر الأساس بالنسبة لي. وبهذا السياق فقد كان لتنشئتي ولوالدي الراحل -(والده الحقوقي والأديب الكبير يوسف الخطيب)- دوراً حاسماً في هذا الأمر.

عشت في بيت كانت فلسطين هي الروح فيه، وذكريات والداي هي المحرض والمعين الذي لا ينضب. ولكن مع الأسف اليوم وبسبب التحولات السياسية الكبيرة التي عاشتها قضية فلسطين، لم تعد موضوعاً مرغوباً بتناوله! ولا يوجد منتج يغامر بإنتاج هكذا أعمال، إضافة إلى أن عدداً كبيراً من الفضائيات ترفض عرضها خشية من توجهات سياسية معينة مطروحة! علماً أنني جهدت في الأعمال التي قدمتها أن أتناول الجانب الإنساني منها “عائد إلى حيفا” و”أنا القدس” مثالاً على ذلك. لكن هذه الأعمال وإن لم تنل ماتستحقه من العرض، ستبقى وثيقة فنية وتاريخية للمستقبل.

“خلطة سرية” ..

ذات البراعة في التأثير على المتلقي لأفلامك، نجدها في أعمالك التلفزيونية، ما هي “خلطتك السرية” كي يرى مشاهد التلفزيون ذات ما تراه كاميرتك، وتقدمه له؟

  • لأنني أعمل بأسلوب واحد سواء في السينما أو التلفزيون، رغم الاختلاف الجوهري بينهما. فاهتمامي بالمضمون والصورة على الدرجة نفسها. وإذا كانت هناك خلطة سرية، فهي تكمن في موقف بسيط للغاية وهو أنني أتعامل مع كل مشهد على أنه الأول والأخير. وهذا يتطلب بالتالي اهتماماً بكل التفاصيل، بكل لقطة، بكل كلمة.

في أيام التصوير أستيقظ صباحاً مع فكرة أن هذا اليوم هو الأول والأخير! مما يلزمني التعامل معه بأقصى ما لدي من قوة واستنفار لطاقات الجهد والخيال والحب. هذا الأمر لا يتحقق دائماً! لأن هناك ظروف تفرضها طبيعة العمل يضطر المخرج للتعامل معها وتتنفذ الكثير من طاقته وتركيزه.

في كل أنحاء العالم ولدى كل الأمم والشعوب، يتم توثيق وقائع الحرب سواء في الآداب أو الفنون؛ بعد انتهائها أو حين تتضح نتائجها. لكنك غامرت وقمت بمهمة صعبة جداً، حين وثقت في مجموعة مسلسلات وأفلام سينمائية لحظات الحرب التي ربما عشت في خضمها لأنك لم تترك سورية (الاعتراف، سوريون، دمشق حلب، حرائر، الأب، مريم) . كيف تمّ لك هذا الأمر الذي يكاد يكون مستحيلا !؟..

  • ليس مستحيلاً إذا كان المرء عالماً بالوقائع ومدركاً لجوهرها. أنا لم أترك سورية في زمن الحرب بعد أن قدمت لي الكثير في زمن السلم. هذا موقف وطني وأخلاقي وإنساني أعلنت عنه في أكثر من مناسبة. عايشت المأساة التي عصفت بسورية وشعبها يوماً بيوم، واطلعت على حقائق الأمور عن قرب.

كل شيء كان واضحاً بالنسبة لي منذ البداية، لهذا تجرأت وقاربت الأحداث من وجهة نظر إنسانية بحتة، وكان هذا سبباً رئيسياً بأن تحظى هذه الأعمال بمتابعة الجمهور واهتمامه. كل أفلامي عرضت في دول عربية، وكذلك عرضت في استراليا في إطار اهتمام كبير بالأفلام، وفي كندا وأوروبا، وكانت تحدث تغييراً ما؛ خصوصاً عند البعض الذي كانت لديه قناعات مضللة عن حقيقة الحرب في سورية.

“عين على الجمهور” ..

يرى نقاد الحركة الفنية، أنك بعد تجربتك المهمة تُعتبر (تاريخ فني) وإلى ذلك؛ نعتبرك تاريخاً من الجوائز والتكريمات وشهادات التقدير. حتى على صعيد كتبك ومؤلفاتك. ما حكايتك مع الجوائز، هل تبدأ تصوير عملك وعينك على الجائزة؟

  • لا يوجد مخرج لا يحب أن تنال أعماله الجوائز والتكريم. وأنا سعيد جداً بعشرات الجوائز من مهرجانات حول العالم وبشهادات التكريم والتقدير. لكن هذا لم يكن قط هدفاً بالنسبة لي. أعمل وعيني على الجمهور الذي سوف يشاهد هذه الأعمال، وهدفي الأساسي أن تصل رسالتي إليه وأن لا يخرج من الفيلم مثلما دخل إليه!

“معارك ساحة التصوير” ..

تأكد لمن شاهدوا فيلمك “سوريون” أنك كنت تخوض ساحة معارك لا موقع تصوير (ومع أمنياتي لك بالعمر الطويل) هل يضع باسل الخطيب- المخرج، كفنه على كفه، ويتحدى التهديدات بالقتل لأجل إيصال رسالة؟!

  • كلامك صحيح. وبالفعل مع بداية الحرب في سورية؛ إبان إعلاني لموقفي، وصلتني تهديدات كثيرة بأن أغادر سورية وأتوقف عن العمل فيها، بعض هذه التهديدات رافقتها إغراءات كبيرة! لكنني لم أتوقف عندها ولم تمنعني عن متابعة عملي في سورية. كانت هناك أيام نذهب فيها إلى التصوير في مناطق خطرة ولا نعرف إذا كنا سنعود أحياء أم لا!.

كنت أرى نفسي مثل أي مواطن سوري يستيقظ صباحاً ويذهب لعمله غير عابئ بالمخاطر. وأعتقد أن هذا كان من الأسباب التي مكنت السوريين من الثبات ومواجهة ظروف الحرب الشرسة. إن الأفعال البسيطة التي يمارسها الناس، كطالب يذهب لمدرسته وأستاذ لجامعته وطبيب لعيادته وفلاح لأرضه، هي أفعال قادرة على مواجهة شرور الإرهاب والانتصار عليه.

“ما بعد دمشق حلب” ..

قبل التطرق إلى انشغالك الحالي (!) ثمة سؤال عن مشاريعك التالية سواء للتلفزيون أو السينما لما قبل أو أثناء شهر رمضان، ماذا لديك من جديد ؟ 

  • يوجد مشروع فيلم جديد مع الأستاذ دريد لحام بعد فيلمنا الأول “دمشق حلب” الذي عرض في وقت سابق من هذا العام في عدة دول عربية وحقق نجاحاً جماهيرياً لافتاً. وشارك فيه مجموعة من نجوم سورية. ونجاحه دفعني لإطلاق فيلم جديد لم يتبلور كلياً بعد بسبب انشغالي الحالي.

“المطران سيد الاعتراف” ..

وصلنا إلى انشغالك! فهذه الأيام تستعد لتصوير مسلسل المطران ايلايون كبوجي، ما عنوانه النهائي؟ هل عدّلت على نص حسن م. يوسف، من سيقوم بالأدوار فيه؟ إلى من ستسند دور المطران؟ وماذا عن الصعوبات التي لا شك تصادفها ؟

  • يكتسب مسلسل “المطران” أهميته من كونه يتناول حياة وإنجازات المطران السوري الراحل ايلاريون كبوجي. وكونه الأول على مستوى الدراما العربية في تناول سيرة رجل دين مسيحي. وقد بذل الكاتب حسن م يوسف جهداً توثيقياً كبيراً شكّل العمود الفقري للمشروع، فيما بعد عملت على السيناريو وأضفت خطوطاً درامية وشخصيات جديدة وهي أمور أساسية في أي عمل درامي يفترض أن يحمل أحداثاً فيها جرعة من التشويق والمشاعر.

سيقوم بأداء دور المطران في مرحلته العمرية المتقدمة الفنان القدير غسان مسعود (قدمنا معاً فيلم “الاعتراف” قبل عام ونيف). والحقيقة توقعاتكِ صائبة في أنني أواجه صعوبات، باعتبار أن المسلسل يمتد على فترة زمنية طويلة من 1933 إلى 2017 وتدور أحداثه في دمشق وحلب والقدس وبيروت وروما، فإن الصعوبة الرئيسية تكمن في مقاربة هذه الأماكن في سورية باعتبار أن ظروفاً كثيرة أهمها الانتاجية تحول دون التصوير خارجها. المصداقية التاريخية والفنية أمر أساسي لإنجاح هذا النوع من الأعمال.

“عودة إلى البدايات” ..  

نثق أنك -كعادتك- ستتجاوز هذه الصعوبات وتجد الحلول. فأنا لا أنسى أنني خلال إقامتي وعملي في صحافة الإمارات، التقيتك وشاهدت مع الآلاف فيلمك “قيامة مدينة” الذي يتناول القدس. ومع أنكَ صورت الفيلم في دمشق، ظن كثر -وأنا منهم- أن التصوير تمّ في مدينة القدس! لذا نحن أكيدون أنك ستجد البدائل المناسبة.

  • شكراً لكِ، ممتن للتذكير. فمن أجمل الذكريات التي أحملها كانت مشاركتي في مهرجان “أيام القدس الثقافية” التي أقيمت في عاصمة الإمارات. وتمّ تكريمي بعرض فيلمي “قيامة مدينة” الذي يتحدث عن القدس. وصحيح سمعتُ منكِ شخصياً أن (قدسي) المفترضة جميلة. وكان فلسطينيون قد قالوا كلاماً مشابهاً. وقد جعلتني آراء الإعلام الإيجابية والنجاح الذي حصده الفيلم، أعيش جملة مشاعر شكّلت دافعاً لوضع بذور مشروع تلفزيوني كبير أنجزته بعد سنوات بعنوان “أنا القدس” وهو كما تذكرون مسلسل يتناول 50 عاماً من تاريخ المدينة المقدسة (1917ـ 1967).

“آفاق مختلفة” ..

يكاد يمر على هذه الذكرى حوالى ربع قرن. فاسمح لي بسؤال أخير : ماذا بعد يا مخرجنا الجميل ؟

  • رغم كل ما أنجزته عبر مسيرة تتجاوز ربع قرن إلاّ أنني لازلت آمل بأن أقدم إضافات وتجارب جديدة. لم أعتبر نفسي يوماً أنني وصلت إلى قمة ما، لازلت أسعى لعملي بالشغف القديم ذاته وأحاول أن أبحث عن آفاق مختلفة.

لازلت أتعلم شيئاً جديداً في كل يوم، وأي شخص يعمل في هذا المجال لابد أن يطور مهاراته ومعارفه وخبراته.
ثم لأننا في فترة عيد الأضحى المبارك، أهنئكم في “الوسط” وكافة القراء، بقدوم العيد، مع جزيل الشكر.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق