العناوين الرئيسيةالوسط الفني

يؤمن أن “صفقة القرن” لن تمر.. التشكيلي محمد الركوعي: أقمت معرضاً في دمشق وأنا داخل سجون الصهاينة.. وتطوير تجربتي مستمر لأن أفكاري لا تنضب

التشكيل الفلسطيني منتعش وأحلم بمعرض في فلسطين المحررة

|| Midline-news || – الوسط …
إعداد وحوار: روعة يونس

.

 

الإبداع، الأخلاق، الأسر.
ثالوث مقدس تتصف به شخصية الفنان التشكيلي الفلسطيني محمد الركوعي، وهو ثالوث منحه مكانة عالية وغالية لدى الزملاء والجمهور على حدّ سواء.
الركوعي الذي ما إن أنهى تعليمه وتخصصه في الفنون، حتى اعتقل وسجن في سجون العدو الصهيوني خشية من واقع أنه مناضل يقاوم الصهاينة.. واستمر أسره 13 عاماً.
وكعادة في الفلسطيني في المقاومة والصمود، لم يستسلم، وعمل على تطوير موهبته في الفن التشكيلي من داخل جدران سجنه، بل عمل أيضاً على تعليم رفاقه الرسم واللغة، وساهم في تثقيفهم ومحو أمية بعضهم.فور حصوله على الحرية، قصد دمشق وأقام بها، بخاصة أن دمشق جارة فلسطين، وقد وصل صيته وفنه إليها وهو داخل معتقله. فكان من الطبيعي استقباله والاعتزاز به.
منذ استقراره في دمشق، وهو ينشط على صعيد المعارض الفنية، وتقديم لوحاته أغلفة للكتب الأدبية والفكرية. وله حضور فعّال ومحل حب وتقدير وترحاب في الساحتين التشكيلية والثقافية. فضلاً عن حب الجمهور السوري له كونه الإنسان المبدع والأسير الحر.
ونزولاً.. بل طلوعاً إلى رغبات قراء “الوسط” الكرام بضرورة استضافته، أسرناه لدقائق أنجزنا فيه الحوار، ثم أطلقناه إلى فضاءات لوحته يستكملها.

الفنان الأسير
لا بداية لحوار معك، تسبق الحديث عن فترة اعتقالك في سجون المحتل الصهيوني 13 عاماً؟ ماذا عن تلك الفترة، لا شك داخلها الكثير من الرسم واللوحات؟

  • نعم، إن أسوأ مراحل الاعتقال فتراته الأولى “التحقيق” حيث التعذيب ومحاولة كسر الإرادة دون جدوى.. لكن بعد التحقيق، والحياة بين الرفاق والأصدقاء، تختلف الأمور حيث يتعزز الصمود بالحياة الاجتماعية. لكن السجن يبقى سجن، وتبقى الرغبة بالحرية والحلم بها لمعاودة النضال.
    وأحب أن أشير إلى أنه في المعتقل نوجد كرفاق وأسرى حياة منتظمة ننظمها ونتعاون لتثقيف الذين لم يتعلموا خارج المعتقل. وبالنسبة لي كان وقت الفراغ فرصة للرسم وإعادة تفعيل موهبتي، فرسمت وطورت أساليب الرسم والفن.. واستطعت تهريب معظم لوحاتي للخارج، وأقمت معرضاً في المركز الثقافي السوفيتي بدمشق عام 1984! رغم أنني كنت داخل المعتقل لدى العدو الصهيوني.

أن تكون فلسطيني الهوية والهوى، سبب كاف لتكون “المبدع” كم ساهمت ظروف اعتقالك ونضالك في تطور تجربتك التشكيلية؟

  • صحيح، فمن يعاني من الاحتلال والظلم والقهر، تتولد داخله مشاعر وانفعالات وأيضاً مواهب عدة. وكوني فلسطيني من الداخل وعاشق للوطن، وتربيت في ربوعه، وعانيت وتعذبت كثيراً، ساهم كل ذلك في توجهي إلى ممارسة الرسم، وعملت على تطوير فني وأدواتي البسيطة بشكل تلقائي لأنني حينها كنت شبه منقطع عن العالم بسبب الاعتقال والأسر.

فلسطين وبلاد الشام
بعد الحرية، اخترت سورية، وقدمت فيها معارضك الفنية.. ماذا عن تلك المعارض؟

  • اخترت سورية لأنني أحبها ولأنها تلاصق فلسطين.. لا أريد أن أكون بعيداً عنها. فأنا أشم  هواء الجنوب، هواء فلسطين. ومن ثم فلسطين هي قطعة من بلاد الشام التي تجمعنا.
    وعدد معارضي في سورية كثير، لا يمكن حصره. أقمت معارض في كل المحافظات السورية. وبعض الأماكن أقمت بها معارضي أكثر من مرة.

عادة نرى في أعمال الفنانين ممن تشغلهم القضية الفلسطينية، بعض ملامح أو تفاصيل من فلسطين (بيارة برتقال، كوفية، غصن الزيتون) إنما لمَ يشعر المتلقي أمام لوحتك أنه يرى كل فلسطين؟

  • لوحاتي تشمل بيئة الشرق بيئة بلاد الشام بيوت قديمة طينية أزياء مرآة فلسطينية أو ملامح عامة.. أرسم لفلسطين لكن أحب رسم إحساسي النابع من الخيال، لذا لوحتي غير محدودة وتمثل بيئة بلاد الشام. لذا ليس من الضروري رسم تفاصيل أو حوادث وأماكن معينة.. لأنني كما قلت أرسم بفعل الخيال والشوق لبلدي.


أفكار وابتكار

تطرح في لوحاتك: الوجوه البشرية وكذلك الطبيعة وحتى التراث الفلسطيني برؤية مغايرة ونصوص لونية مبتكرة، فدائماً هناك تجديد في أساليبك، هل القصد أخذ تجربتك إلى آفاق أخرى، أم هو مزاج فني فقط؟

  • فني ينبع من داخلي من إحساسي. أنا لا أشبه أحد.. ولا أحد يشبهني. لست أدّعي التفرد! أنا إنسان عادي إنما أرسم كما أريد كما أتخيل.. ولم يؤثر علي أحد. لذا لا أبحث عن مراجع. أنا أتسلل إلى داخلي وأرسم. كما أنني لا أرسم من أجل “الارتزاق” إنها مجرد هواية لدي. أذكر حين كنت طالب فنون، طلب أستاذي مني ومن جميع زملائي أن نرسم عملاً. وبعد أن انتهيت وتوجهت إليه لأعطيه العمل. عدت أرسم مرة أخرى، فلاحظ أنني بدأت أرسم عملاً آخر. فذهب وأحضر أستاذاً آخر وحكى له “ان هذا الطالب انتهى من عمل وبدأ بآخر دون أن أطلب منه”! استغرب قدرتي على مواصلة الأفكار، وسألني عن هذا، فقلت له: لدي سلسلة أفكار في مخيلتي لا تنتهي.

نجد أيضاً إصرارك على  الأفكار والموضوعات الإنسانية المتصلة بحياة الإنسان ووقائع أيامه من أحزان وآلام ومعاناة، هل تسكب من روحك الإنسانية فيها؟

  • صحيح، كما لو أنكِ أجبتِ على السؤال. فثمة ما هو ذاتي في لوحاتي! ولدي إلى جانب الأفكار الإنسانية النابعة من الذات والتي ترصد بدورها الآخر، عدة تقنيات استخدمها خلال الرسم، كي أعبّر عن الحزن والألم أو الفرح والتفاؤل.. (يبتسم) أنا متفرغ أكثر من الموظف والطالب، ولدي وقت الفراغ الذي يساعدني على التجديد والابتكار.

عشرات المعارض
الملاحظ خلال الاحتفاليات والندوات والمعارض التي تقام في المراكز الثقافية الرسمية أو الخاصة، أنك تحظى باحترام كبير ومكانة عالية -وأعتذر لفظاظة سؤالي- هل تُجيّر هذا الاحترام لتجربتك الفنية بالمطلق! أم كونك مناضل وأسير سابق عزز من مكانتك؟

  •    أنا لا أخوض أي صراع مع أحد، ولا أبدي انتقادا لأحد! أبذل كل جهدي كي تكون علاقاتي متوازنة. أشجع كل الفنانين، ولا أعمل من نفسي ناقد لأحد مثل غيري! فأحدهم يسمي نفسه الحكيم ويكيل ليس الانتقادات بل التجريح! وهذا معيب. أنا أرسم وأطرح لوحتي.
    لهذا فإن موقفي المتوازن وسلوكي المتزن، جعل لي علاقات جيدة  وجعلني أحظى  باحترام جميع أصدقائي، خاصة أنني ناجح في عملي وفني، وأطوّر دائماً في تجربتي الفنية التي يتابعها الجميع خلال عشرات المعارض التي أقمتها. وبالطبع شكراً لكل من يحترم كوني  أسير سابق.

لا نجد حتى يومنا هذا تشكيلياً  غيرك، تصدرت لوحاته أغلفة الكتب الأدبية (حوالى 100 غلاف) سواء في سورية أو العالمين العربي والغربي؟ ما السر في لوحاتك لتجذب المبدعين إليها؟

  • لا أعلم السر لكن يمكن انتشار اسمي الواسع ومعرفة الكثير من أصحاب الإمكانيات الكتابية والمؤلفين هو سبب رئيسي. ومن ثم مضامين لوحاتي التي تحمل بعض الغموض! قد يتناسب مع وضعه كغلاف. أنا مسرور بهذا رغم أنني أقدم لوحاتي أغلفة مجانية. وأحياناً لا أحظى حتى بنسخة من الكتاب!


جمهور الفن المقاوم

حبذا لو تخبرنا عن الحركة التشكيلية في فلسطين عن كنت متابعاً لها سواء داخل فلسطين أو حول العالم؟

  • الحركة التشكيلية بفلسطين قوية بسبب وجود إرث فني كبير. و كذلك وجود مؤسسات مثل الجامعات والكليات التي تعلم الفنون ووجود كادر قادر على رفع مستوى الفن وتعلمه. ومن أهم الفنانين اسماعيل شموط الذي رسم النكبة واللجوء والأمل بالعودة. وكذلك زوجته الفنانة تمام الأكحل، والفنان الكبير سليمان منصور من القدس، ومن أهم أعماله جمل المحامل والكثير من الأعمال القيمة التي تحكي القضية والأحلام الفلسطينية. وهناك عشرات غيرهم، ففي فلسطين الحركة التشكيلية منتعشة وتدعم نضال شعبنا. أما رسوماتي التي رسمتها داخل معتقل عسقلان، فقد وضعت في مناهج الكليات الفينة كاعتراف بالنضال على كافة الصعد، تحت عنوان “الفن المقاوم” وكما نعلم فإن جمهور الفن المقاوم كبير وعظيم وداعم.
    عموماً أنا أرد على سؤال في حوار “الوسط” معي. وأما التوسع في موضوع الفن في فلسطين لا أقدر عليه لأنه يحتاج إلى مراجع وصور ومجلد كامل.


لن تمر الصفقة
نريد أن نقف أخيراً على أمنياتك وطموحاتك.. هل تأمل أن نرى لك معرضاً في فلسطين؟ وكيف تقيّم “صفقة القرن” بوصفك فنان ملتزم؟

  • أذكر معرضاً لي في سن ٢٠ عاما في مخيم الشاطئ بغزة – فلسطين. وعند عودتي لفلسطين عام ٢٠٥ أقمت معرضاً في “جاليري الميناء” بغزة التابع لوزارة الثقافة. وفوجئت بالافتتاح الضخم وحضور جمهور كبير زار المعرض، وأحدث ضجة لأن لي اسم في المقاومة.. وعام ٢٠١٠ أقمت معرضاً في “نادي الشبان المسيحية” ضم حوالي ٦٠ عملاً وقد أقيم حفل افتتاح متميز وحضر جمهور كبير. وشاركت في المعارض الجماعية، لكن الآن بسبب عدم مقدرتي على الدخول لفلسطين فإنني هنا أنتظر العودة وأحلم بمعارض أقيمها على أرضها.. لأن “صفقة القرن” لن تمر، وأنا مع الملايين ضدها. وكل اتفاقية وخطة وصفقة ضد شعبنا الصامد لن تمر.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق