العناوين الرئيسيةحرف و لون

“ولم أقل ما لدي”.. سما حسين

لوحة: بثينة عرابي

|| Midline-news || – الوسط
.

 

الآن.. هي لا تقرأ، وأظن أنه بمقودري أن أكتب وابلًا من الشتائم. وأوجه كل طاقتي السلبية نحوها إلى أن تُعاقب فينسكب عليها كوب الشاي أو تحرق أصابعها بالطباخ أو تنزلق متدحرجة من السلم وتُكسر ساقها.

في كل مرة أقوم بالكتابة عنها، أكتب من ضفة واحدة، من ضفة المحبة.. اليوم فقط أستطيع الكتابة من الضفة الأخرى. كل خيوط الوصل التي كانت بيدها وبكل برودة أعصاب؛ قطعَتها، و أنا لم أكن أملك غير خيط واحد رفضتُ بتره.. خيط “الكتابة”.
قمت بنشر كتابات كثيرة فقط كي أدينها، كي أجعلها تغضب، ولأفرض عليها هذا الحب فرضاً لا مناص منه.. وإلا، هل من العدل أن يسلط عليّ شخص ما أذية وأتألمها وحدي؟
نعم .. إنجازها الوحيد أنها تركت لي الكثير من الألم لأتوجعه.
الآن.. أتجول في هذه النوافذ الكتابية وأقول في نفسي لأي شيء أنا هنا؟ فهي قد قطعت بالفعل حتى خيط الكتابة، والذي هو خيطي أنا!! وصل بها الأمر أن تستبيح حتى حقي بالتمسك!وإن كانت قد مزقته إربا هكذا بالفعل، لماذا عليّ الاحتفاظ بما بقي منه؟ لماذا علي أن أكتب عن نهاية واحدة بدايات عديدة؟
“السيدة سين” هذه لم تأخذ مني حياتي كلها بقسوتها التي سلطتها علي مذ كنت طفلة بحجم اصبعها الصغير وحتى الآن، بل أخذت مني حتى ما أردت فعله لما بقي لي من مستقبل، والعكازة التي تعكزت عليها بعد أن سحقت لي أقدامي! أخذت مني القدرة على أن أكتب لها ومنها لأنها رفضت أن تقرأ!
عندما كنت ـتحدث.. كانت تقول “صه”. عندما كنت أحدق والدموع تفور في عيني كانت تدير وجهها. عندما كنت أتشبث بحواف الهاوية كانت تدوس على أصابعي كي أفلتها.
والآن.. عندما تعلمت كيف أكتب أغلقتني مثل أي كتاب ممل! أغلقت كل شيء ومضت بعيداً تاركة أصداء لضحكها لا تنفك تغزو كل أوقاتي وتُشعرني بالإهانة.
قلت لها إن يدي مفتوحة ولو كُنتِ ستجيئين طعنة! لكني لم أتخيل يوماً أن طعناتها هذه ستأتي من كل جهاتي، وتجعلني أنزف من كل ناحية. ولا أعرف على أي مكان أضع يدي وأستر ما يتدفق؟!
الآن، رحلت.. ولو كنت أعرف أن ذلك المساء الذي عانقتني فيه كان عناقها الأخير، وأنها ستعود بعدها لتأخذ كل ما أعطته، كنت على الأقل بكيت. كنت صرخت بها بأعلى صوتي وأفرجت عن هذا الشيطان المكبوت بداخلي. كنت أدنتها بكل شيء سامحتها عليه! كنت كشفت عن ما هشمته بي، عن ما شوهته بداخلي، ليجيئها كوابيساً فلا تهدأ لها روح في رقادها مثلما فعلت برقادي.
كنت على الأقل قبلت لها جبينها الذي لن أرى خطوطه ثانية! أو ذكرتها أن قلبي باق عندها فلتحسن معاملته كما لو أنها تعامل قطة.
لكنها الآن رحلت… ولا أعرف لمن أكتب هذا، ولماذا أتركه للآخرين كي يقرأونه؟! أشعر فقط أنني أهذي، وأنني متروكة في غرفة مغلقة وساخنة تحيلني من كيان صلب ومتماسك إلى فتاة سائلة لا مجرى ليأخذها. لكني أفقد حتى قدرتي على البكاء، أفقد قدرتي على الحزن والشعور بالمرارة، لأن لدي ما يجب أن يُنجز. لأنن هناك ما على أكتافي ويجب أن ابقى واقفة.. أن أنسى رغبتي في الركوع على ركبي والتحديق هكذا بالأرض.
أنا افكرُ بشراسة هذه الحياة وهي لا تترك لي حتى وقتاً لأشعر فيه بالعجز! أفكر بحدة أنيابها وهي تنتظر أن أخفف سرعتي لتعضني!
أنا لا أريد وقتاً إضافيا لأكتب عنها كتاباً يحرض عليها! و لا أريد طاقة أخرى لأحاول ترميم ما انهار. لا أريد أن ابذل جهدي في القسوة على نفسي والمضي قدماً مرة اخرى في هذه الدائرة. أنا فقط أريد ليال قليلة لأحزن! أريد البقاء مستقلية في الفراش وبجانبي علبة المناديل لأنتحب بهدوء لا أكثر! لكي لا أشعر بالأسف حقاً أن كل هذا الذي صار رماداً لم يحترق بشكل جيد.
لقد رحلت.. ولا أعرف كيف سأواصل هذه الكتابة بعد الآن، كيف سأبقى ممسكة بالذي حققته منذ سنتين ولا يتم غمري هكذا مثل أي كاتب آخر فشل بتحمل مشقة الأمر، مشقة إعادة أميال الساعة إلى وقت كان يظن أنه قد فات.
لا أدري كيف أعاود استخدام ذاكرتي الفولاذية مرة أخرى، وأعاود كتابة كل ماحدث، وأعاود عيشه والشعور به كأنه لم يكن كافياً في كل ما سبق!
لا أدري كيف سأبحث عن هدف جديد وسرب آخر أحلق معه.. سرب يطير ببطيء ولا يقسو على الأجنحة الضعيفة.
أتساءل كل يوم: ألا يجب أن أتوقف هنا؟ الآن قبل أن أتفاقم؟ ألا يجب أن أفعل ما فعلته هي وأدير ظهري وأضحك على كل الذي ارتكبته بحق نفسي وبحقها؟ ولكن كيف.. كيف يرمي بنفسه من وصل داعساً على عرقه للأعلى؟
وعلى الرغم من كوني بالفعل قد كتبت كثيراً، إلا أني أجهل حتى الآن كيف أكتب رسالة وداع. لكني أدرك في لحظات أصبح فيها هادئة، أن هذا هو تمريني الكتابي الجديد.. وأدرك كم هو سخيف حقاً أن يكون وداعي حكاية تُحكى، أو قصة تُسمع!
كم هو سخيف أن يتسائل الناس كيف استطعت إفلات يدّ برقة يدي؟ كم هو سخيف، أن أقول لكل ذلك القدوم الذي أتيتك فيه “وداعاً”. أن أقول لك “وداعا” وأعاود الظهور من العدم؟ حيث اني فتحت هذه العيون على عيونك ولا أدري أين سأذهب لو أغلقتها.
لكنها بالفعل قد رحلت… وكم هو غريب هذا الخواء الذي في هذه الجملة أعاود تكرارها كي أفهمها ! كي أفهم أن هذا أيضاً لا داع له بعد الآن، وأني فقط أثير الشفقة مثل طفل جائع. لكني فقط أحاول صبّ غضبي في أي قالب! غير أنها قد رحلت.
لو أنها فقط تركتني، كنت استطعت مواصلة السير لوحدي، لكنها رحلت وأخذت الطريق…!
.

*كاتبة من العراق
*(اللوحة للفنانة التشكيلية بثينة عرابي- سورية)

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى