إضاءاتالعناوين الرئيسية

وللمخدرات أغنيات .. مراد داغوم


…صحيفة الوسط – midline-news

.

مرت حادثة غناء الأطفال أغنية عن المخدرات في مدرسة رسمية وانقضت، واكتفى السيد وزير التربية بعقوبة الإدارة، وقال في مقابلة إذاعية أنه سيخاطب “نقابة الفنانين” في الأمر.

سوق الإنتاج الغنائي في سوريا لا تحصره نقابة الفنانين لوحدها، وهو سوق أكثر انفلاتاً من أن تضبطه “نقابة”. بالرغم من أن ممارسة الفن هي “مهنة” بالقانون، وقد نص مرسوم إحداث هذه النقابة على أنها نقابة “مهنية”، والمهنة قانوناً تستوجب الحصول على شهادة رسمية كشرط لممارستها، ومخالفة ذلك تقتضي عقوبات جنائية. وهذا ما يميز المهنة عن الحرفة، فالحرفي يستصدر شهادته الحرفية بمجرد أن يشهد له حرفي قديم بأنه عمل عنده لفترة، ويفتتح ورشته مباشرة، حلاقة أو نجارة أو حدادة أو إلى ما هنالك. لكن العمل لمدة عشرين سنة في عيادة طبيب لا يسمح لك أن تفتتح عيادة وتمارس الطب، ولا الهندسة، ولا المحاماة … فهذه مهن تتطلب شهادة دراسة عليا قبل امكانية ممارستها.
.

تقوم نقابة الفنانين، استناداً إلى مرسوم إحداثها وإلى أحكامه وإلى قانونها الداخلي، بمنح أذونات لغير النقابيين تسمح بممارسة المهنة لفترة محددة وبصفة محددة بعد أن تختبر المتقدم لتقرر إمكانية منحه “إذن العمل”. وهذا من شأنه أن يضبط العمل الفني وفقاً لأخلاقيات ممارسته المتعارف عليها بين الفنانين النقابيين. ولكن هذا الإجراء لا يتم تطبيقه إلا على صعيد ممارسة الفن في المسارح والمرابع، وأحياناً في المهن الدرامية.

بينما في الواقع، فإن أي ممارسة لأي عمل فني هي في الحقيقة ممارسة مهنة، ويجب ألا تتم بدون تبعية للجهة الرسمية المسؤولة عنها. ومع ذلك، هناك أماكن كثيرة في دمشق وغيرها، تتم فيها ممارسة هذه المهنة بدون أدنى اهتمام من النقابة أو وزارة الثقافة أو وزارة الإعلام. في دمشق مثلاً عشرات الاستديوهات التي تغذي قنوات التواصل الاجتماعي (يوتيوب / فيسبوك) بمئات التسجيلات شهرياً، مداجن غنائية تقوم بتفريخ الصالح والطالح من الأغنيات لبثها مباشرة على منصات التواصل الاجتماعي دون حسيب أو رقيب.

بأي حق ينبغي أن نصدق أنه لكي يُسمًح لمطرب أن يغني في أحد النوادي فعليه الحصول على إذن عمل و”ترخيص”، بينما يكون افتتاح (استديو) لتسجيل الأغنية -التي هي أحياناً من أخطر الأسلحة- متاحاً لأي كان وبدون ترخيص ولا متابعة ولا حتى مراقبة مالية بالرغم من الأجور الخيالية التي يتم دفعها هناك؟

أغنية المخدرات المعنية ليست الأولى، فمنذ سنوات صًعِقت عندما سمعت طفلة تغني في الحي أغنية (هيدي هيدي بيّن حمار نهيدي) بدون دراية بمعنى ما تتلفظ به، ناهيك عما تبثه السيارات العامة من أغنيات من قبيل (ضبي صدرك يا بنية طالع نصّو) وأشباهها. يتم هذا الإنتاج كله في تلك الغرف المعزولة المسماة (استديوهات) في غياب تام لوعي المجتمع أو الدولة عن خطورة ما يمكن أن تفعله أغنية ما!

في دول مجاورة، لا يجرؤ أي استديو على تسجيل أي عمل قبل أن يبرز صاحب العمل موافقة تسمى (فسح) يستصدرها من وزارة الإعلام على نص أغنيته. الاستديوهات جميعها مُرخصة رسمياً من الوزارة المعنية. وفي هذا تشترك في المسؤولية والضبط كل من وزارة الإعلام والثقافة والجهات الفنية المختصة (كالنقابات)، فأين نحن من كل تلك المسؤوليات؟ ولصالح من يجري تشويه وعي الأجيال؟

.

*مراد داغوم – مؤلف وموزع وناقد موسيقي – سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى