رأي

هل تقاوم عين دمشق مخرز “قيصر” الأمريكي ؟! .. ريم عثمان ..

|| Midline-news || – الوسط …

 

نعلم أن استحضار الماضي لا ينقذ المستقبل, لكن ذكّر علّها تنفع الذكرى, وأيّ ذكرى !؟.

إنها نذير شؤم, نعم هو الشؤم بعينه عندما تستحضر الذاكرة شخصية من الماضي ممثلة بـ “كولن باول”, وزير الخارجية الأميركي إبّان عهد جورج بوش الإبن.

باول المستيقظ من تاريخٍ ليس ببعيد, وإن مضى عليه نحو عشرين عاماً, يعود إلى الذاكرة عبر لقاء تلفزيوني وجّه من خلاله انتقاداً حاداً لتعامل الرئيس دونالد ترامب مع المظاهرات المناهضة للعنصرية التي تشهدها الولايات المتحدة الأمريكية في الوقت الراهن, على خلفية مقتل جورج فلويد المواطن الأمريكي ذو الأصول الأفريقية, لا عجب, لأن العِرْقُ كالدم يَحُنّ, فباول أيضا أمريكي من أصول أفريقية.

ليس مهما تفاصيل ما قال باول في اللقاء التلفزيوني المذكور ولا حتى ردُّ ترامب السريع عليه, وإن كان الأخير اتهم باول بمسؤويته المباشرة عن دخول بلاده في حروب الشرق الأوسط وخاصة حرب العراق.

المهم أن باول قفز إلى الذاكرة الجمعية للشرق على وجه العموم, وللسوريين بشكل خاص, فلا بدّ مع ذكر باول أن تستحضر الذاكرة السورية زيارة الوزير, المشؤومة, إلى دمشق مطلع شهر أيار/مايو من عام 2003 والتي كانت مقدمة لجولته في المنطقة بهدف الترويج لمشروع بلاده فيها.

مشروع اصطلح على تسميته وقتها باسم “الشرق الأوسط الجديد” الذي بشّرت به مستشارة الأمن القومي الأمريكي آنذاك,كونداليزا رايس, وأعلنت أن السبيل لتطبيقه هو “الفوضى الخلّاقة “.

رايس التي اعترفت وعلى الملأ من منبر صحيفة “يديعوت أحرنوت “العبرية, أن زيارة باول إلى دمشق, هي بداية تدخل أمريكي عميق لبناء “شرق أوسط جديد” محوره “إسرائيل”, التي يعتبر جورج بوش” أمنها المفتاح المطلق ليس لأمن المنطقة فقط بل لأمن العالم “, على حدّ قول رايس نقلاً عن بوش الصغير حرفياً وقتها .

حمل باول في زيارته المذكورة مطالب واشنطن الثلاث, غير القابلة للتفاوض, إلى دمشق وهي: عدم التدخل بالشأن العراقي, وحلّ حزب الله اللبناني وإبعاد خطر صواريخه عن إسرائيل, وإغلاق مقرات المنظمات التي وصفتها بـ”الإرهابية” في إشارة إلى فصائل المقاومة الفلسطينية لعدم عرقلة خطة “خريطة الطريق” للسلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين المبنية على اتفاقات أوسلو.

سورية قابلت المطالب الأمريكية, أو بتعبير أدقّ, الإملاءات, بالرفض, وأكدت تمسكها بثوابتها الوطنية وموقفها من القضية الفلسطينية, فجاء الرد سريعا بصياغة ما سمّي وقتها “قانون محاسبة سورية” الذي دخل حيّز التنفيذ بعد عام من صياغته, أي في أيار/مايو من عام 2004.

وشمل القانون فرض جملة من العقوبات الاقتصادية على سورية لممارسة الضغط عليها, لكن تلك العقوبات على قساوتها, لم تفلح في تغيير الموقف السوري قيد أنملة.

لم تترك إدارة جورج بوش وقتها وسيلة إلاّ واستخدمتها لفتح الطرق المغلقة والأبواب الموصدة التي تحول دون فرضها الإملاءات والشروط على دمشق, فما كان منها إلاّ اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق, رفيق الحريري, واتهام دمشق بالجريمة لفرض عزلة على سورية وتضييق الخناق عليها.

وبالفعل نتج عن هذا  السيناريو خروج الجيش السوري من لبنان بموجب القرار 1559 الصادر عن مجلس الأمن الدولي الذي طالب بإنهاء الوجود السوري في لبنان, كما لوّحت واشنطن بعصا المحكمة الدولية المكلفة بالتحقيق بجريمة اغتيال الحريري, وكذلك وسّعت عقوباتها على سورية في نيسان عام 2006, لكن سورية قاومت كل هذه الضغوط الأمريكية ولم تقبل بالإملاءات.

ومع انطلاق ما بات يعرف باسم “الربيع العربي”, كانت سورية في عين العاصفة منذ العام 2011, جرّبت خلالها الولايات المتحدة الأمريكية شتى الوسائل والطرق لتحقيق الهدف ذاته, تارة عبر حرب الوكالة وأخرى بالتدخل العسكري المباشر, واستقدمت كل ما هبّ ودبّ من تنظيمات إرهابية, فضلا عن دول عدة غربية وشرقية لها مطامع بالكعكة السورية.

لكن يبدو أن إدارة ترامب توصلت أخيرا إلى قناعة أن الخيار العسكري لن يجدي نفعاً مع الجيش العربي السوري المدعوم من روسيا وإيران وحزب الله والعراق, بعد أن اختبرت ماذا يعني اجتماع هذه القوى ضد مخططاته.

فكان مع دخول الأزمة السورية عامها العاشر تحويل شكل الصراع من العسكري إلى الاقتصادي, وهذه المرة عبر قانون عقوبات آخر بذريعة “حماية المدنيين السوريين” تحت اسم “قيصر” أو “سيزر”, لافرق بين الاسم الأعجمي أو العربي لطالما كان لا يحمل من اسمه في كلتا اللغتين أيّ نصيب .

فالقانون المشؤوم جاء لتجويع وحصار السوريين وليس لحمايته, وسِمَاهُ في بنوده, فـ”قيصر” ينص على معاقبة سورية وكل من يمدّ لها يد العون العسكري أو الاقتصادي .

إنه يطال لقمة عيش السوريين بالدرجة الأولى وهذه خط أحمر تجاوزه سيضع السوريين في موقع أدنى من خط الفقر بكثير ليكاد يلامس خط القبر إن كان الجوع سبباً للموت.

لم تُخفَ على واشنطن هذه الحقيقة كما أنها لم تُخفِ حقيقة أن هذه غايتها, وبمكيافيلية أكثر من وقحة أعلن جيمس جيفري, المبعوث الأمريكي إلى سورية أن انهيار قيمة الليرة السورية أمام الدولار الأمريكي يعود إلى الإجراءات التي اتخذتها الولايات المتحدة, وطالب الدولة السورية “إن كانت حريصة على شعبها”, على حدّ قوله, أن تقبل بالعرض الذي قدمته لها بلاده.

وبحسب جيفري, فإن العرض الأمريكي يتمثل في “تغيير سلوك دمشق و عدم تأمينها قاعدة لما وصفه بــ”المنظمات الإرهابية”, وعدم تأمينها قاعدة لإيران لبسط هيمنتها على المنطقة “على حدّ زعمه.

ترافق ذلك مع بثّ حملة إعلامية شرسة قامت على جملة من الشائعات والأخبار المضللة للسوريين وتحريضهم على العودة إلى الشارع للتظاهر وخلق الفوضى.

الرد السوري لم يتأخر على مطالب الأمريكي وجاء على لسان مصدر في وزارة الخارجية والمغتربين وصفها بـ”المطالب الإسرائيلية القديمة المتجددة لفرض سيطرة إسرائيل على المنطقة” مؤكدا رفض سورية لها.

ولا شك أن المطالب الإسرائيلية تعني بالضرورة مطالب أمريكية فأمن “إسرائيل” أولوية كل الإدارات الأمريكية المتعاقبة منذ زرع الكيان الصهيوني في قلب فلسطين.

إذاً هي فلسطين, العقدة وحلّها يحتاج إلى موافقة دمشق, واليوم قبل الغد, فالوقت لم يعد يتسع, لأن وجود ترامب في البيت الأبيض “فرصة تحدث مرة واحدة في التاريخ ولايجوز تفويتها على حد قول بنيامين نتنياهو, رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي.

وأيام ترامب يبدو أنها باتت معدودة, مع تراجع شعبيته مؤخرا على خلفية سوء إدارته لجائحة كورونا, وسوء تعامله مع المظاهرات الشعبية المناهضة للنعصرية, الأمر الذي قد يقلل من فرصه بالفوز بولاية رئاسية ثانية تتسع زمناً لتقديم مزيد من التنازلات لإسرائيل.

فالأخيرة ترسم الخرائط الجديدة لدولتها المنشودة وفق قرار الضم الجديد الذي ستقضم بموجبه المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية وغور الأردن مطلع الشهر المقبل, أي بعد أيام قليلة, وفق ” صفقة القرن” التي تبناها ترامب وتنازل لإسرائيل بموجبها عن القدس الشرقية وعن الجولان السوري المحتل وأوقف دعم بلاده المالي لمنطمة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا”. كيف لا ؟ وترامب قد تعهد لنتنياهو بعدم السماح بتعرض أمن إسرائيل للخطر !

فماذا بقي من خيارات أمام واشنطن مع إصرار دمشق على تمسكها بثوابتها ؟, وإن كان ثمّة خيارات أشدّ وطأة, هل تفلح العين السورية بمقاومة مخرزها ؟ أم أننا ماضون إلى القبول بالأمر الواقع ؟.

ربما الجواب فيما سبق من تذكير بأحداث مشابهة ..

ومن جديد .. علّها تنفع الذكرى ..

*صحافية سورية – دمشق
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق