ترجمات وأبحاث

هكذا خسرت أمريكا في «لعبتها» أمام تركيا

|| Midline-news || – الوسط …

في ظل توترات دامت شهورًا بين تركيا، والولايات المتحدة حول شراء أنقرة منظومة الدفاع الجوي الروسية إس-400، استمرت حرب التصريحات والتهديدات. يرى مدير الدراسات الأمنية في مركز سيتا في أنقرة مرات يشيلتاش في تقرير بموقع «لوب لوج» الأمريكي أن تلك الحرب انتهت بخسارة واشنطن، في ما أطلق عليه «لعبة الجبناء» مع تسلم أنقرة لأول دفعة من المنظومة الدفاعية الروسية .

ويبدأ يشيلتاش تقريره بالقول إنه بوصول الدفعة الأولى من المنظومة الدفاعية إلى تركيا «نستطيع القول إنَّ الولايات المتحدة خسرت لعبة (الجبناء) التي كانت تلعبها مع أنقرة».

ويوضح أنه في ضوء ذلك التطور أصبحت تركيا الآن أول دولةٍ في حلف الناتو تشتري منصة أسلحة استراتيجية من روسيا، رغم الاعتراضات الأمريكية الشديدة، مشيرًا إلى أن العديد من المؤسسات الأمريكية، مثل وزارة الدفاع ووزارة الخارجية والكونجرس، أمضت أكثر من عامين في محاولة إثناء تركيا عن شراء المنظومة. وفي حين يتعامل حلف الناتو مع روسيا بوصفها تهديدًا استراتيجيًّا، عقدت تركيا صفقةً مع روسيا لتلبية مصالح أمنها القومي.

ويرى الكاتب في تقريره أن روسيا ضربت بذلك عصفورين بحجر واحد: دخلت سوق الأسلحة الدفاعية لحلف الناتو، وأحدثت صدعًا في علاقات التحالف العابر للمحيط الأطلسي يلفت التقرير إلى أن العلاقات بين تركيا، والولايات المتحدة لم تتداع بسبب منظومة أسلحةٍ واحدة، بل ينطوي الأمر على عدد من التقديرات الأمريكية الخاطئة لأهداف تركيا الأمنية.

وأول تلك التقديرات الخاطئة وأهمها،هو سوء تفسير واشنطن لتحول فكر السياسة الخارجية التركية. فمنذ بداية الحرب السورية تبنَّت تركيا تدريجيًا سياسة أمنية ذات دوافع عسكرية على حدودها، مع سوريا تحديدًا.

ففي بداية الصراع السوري، كانت تركيا تتشارك الأهداف الاستراتيجية مع الولايات المتحدة في ما يتعلَّق بمستقبل سورية وفشل البلدان في تحقيق أهدافهما الاستراتيجية لأنهما فسرتا ما جرى  في سورية تفسيرًا خاطئًا. وبمجرد تدخل إيران وروسيا تحديدًا، تباعدت الأهداف الأمريكية والتركية، وفقًا للتقرير.

إذ حاولت تركيا تجنب الآثار غير المباشرة للحرب، في حين حولت الولايات المتحدة سياستها في أعقاب ظهور تنظيم الدولة الإسلامية (داعش). وأدت الجهود الأمريكية لمواجهة داعش إلى خلق العديد من التحديات التكتيكية والتشغيلية والاستراتيجية على المدى البعيد بالنسبة للسياسات الإقليمية والمُتعلقة بالأمن القومي التركي، وخاصة بسبب تحالف الولايات المتحدة مع ميليشيا «وحدات حماية الشعب» الكردية السورية، التي لها علاقة قوية بـ«حزب العمال الكردستاني» التركي المحظور.

وفي أعقاب محاولة الانقلاب العسكري في تركيا في تموز عام 2016، يقول التقرير إن منظور أنقرة للسياسة الخارجية الأمريكية تغير. إذ كانت الولايات المتحدة تدعم «وحدات حماية الشعب»، التي لها علاقةٌ بـ«حزب العمال الكردستاني»، ولم تدعم أنقرة بإدانة المُخطِّطين للانقلاب، أو التعاون بتسليم فتح الله كولن، وهو الرجل الذي تعتقد السلطات التركية أنَّه هو من خطَّط للانقلاب لكن على الجانب الآخر، كانت روسيا حاضرةً لتزويد تركيا بأنظمة إس-400 رغم إسقاط طائرة سو-24 الهجومية الروسية على يد طائرةٍ مُقاتلة تركية في تشرين الثاني عام 2015، وفقًا للتقرير.

وجاء التقدير الخاطئ الثاني، مثلما ورد في تقرير «لوب لوج» حين شبهت الولايات المتحدة موقف تركيا في ما يتعلق بمحاولة شراء منظومة الدفاع الصاروخي إف دي 2000 الصينية عام 2015، بقرارها شراء أنظمة إس-400 عام 2017. واعتقدت واشنطن أنَّ تركيا ستُلغي صفقة إس-400، على غرار ما فعلته في حالة الأنظمة الصينية، نظرًا إلى مشكلة التشغيل البيني، ورد الفعل المحتمل من الناتو.

لكن كانت واشنطن خاطئة، فقد جاء قرار تركيا بإلغاء تعاقدها على منظومة الدفاع الصاروخي إف دي 2000، بحسب التقرير، من أجل إطلاق مشروع دفاع الجوي الصاروخي الوطني الخاص. علاوة على ذلك، توصلت أنقرة إلى استنتاجٍ مفاده أنَّ الأنظمة الصينية لم تثبت تنافسيتها وكفاءتها في المعارك، فضلًا عن أن العرض افتقر إلى تبادل التكنولوجيا. والأهم هو أن تركيا قررت شراء أنظمة إس-400 وسط بيئة جيوسياسية مختلفة للغاية، في ما يتعلق بعلاقاتها مع الولايات المتحدة وروسيا، والمشهد الأمني الإقليمي.

أما التقدير الخاطئ الثالث، من وجهة نظر كاتب التقرير، فهو اعتقاد الولايات المتحدة بوجود نوعٍ من التباين بين مؤسسات الدولة التركية في ما يتعلق بالحصول على منظومة إس-400. لكن ذلك الاعتقاد لم يكن صحيحًا. ورغم أن المؤسسة الأمنية التركية كانت لديها بعض المخاوف بشأن الصدع الجيوسياسي المحتمل بين أنقرة، وموسكو حيال مختلف قضايا السياسة الخارجية، لكن تلك المخاوف لم تمثل تحديًا استراتيجيًّا بقدر الضرر الذي أصاب الأمن القومي التركي نتيجة السياسات الأمريكية  ومنذ عام 2003، فقدت الولايات المتحدة موثوقيتها بوصفها شريكًا أمنيًّا استراتيجيًّا لتركيا، وفقًا للتقرير ولذلك تشارك  العديد من مؤسسات الدولة التركية وأوساط الحكم للتهديد الذي تمثله السياسة الأمريكية في سورية.

وفشلت حكومة الولايات المتحدة في إدراك التأثير الذي أحدثته تغييرات الاستراتيجية الأمريكية في التفكير التركي. وبدلًا من فهم المخاوف الأمنية التركية، يشير التقرير إلى أن الولايات المتحدة خاصة الكونجرس زادت من المخاطر الأمنية لتركيا عن طريق وضع أنقرة في إطار المنافس وليس الحليف.

ويرى الكاتب في ختام تقريره أن عقاب تركيا من خلال التشريعات لن يكون خطوة استراتيجة ذكية، بل في الواقع، سيمثل الأمر خطأ استراتيجيًّا سيدفع بتركيا إلى زيادة تقاربها مع روسيا. وقد خسرت الولايات المتحدة بالفعل لعبة «الجبناء» التي كانت تلعبها مع تركيا في ما يتعلق بأنظمة إس-400. ويقول إنه حان الوقت لتُعيد المؤسسات الأمريكية النظر في نهجها تجاه تركيا، وتحاول إدراك الديناميات المتغيرة للسياسة الخارجية، والاعتبارات الأمنية التركية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى