إضاءاتالعناوين الرئيسية

هدية المساء .. د.محمد عامر المارديني

|| Midline-news || – الوسط …

 .

لم أتوقع، وكذلك معظم زائري مقهى حارتنا، أن يستبدل أصحاب المقهى شخصاً آخر بالحكواتي الرائع أبي الريم من دون تقديم أي مبررات، أو حتى من دون أي مقدمات أو تلميحات. لقد كان قرارهم فردياً لم يستسغه بادئ الأمر جميع رواد ذلك المقهى. ففي إحدى الأمسيات الصيفية اللطيفة، وبينما رواد المقهى بانتظار أن يتربع الحكواتي أبو الريم على عرشه ليستكمل لهم قصة الظاهر بيبرس صعد أحد أصحاب المقهى الثلاثة على المنبر العالي، اسند خاصرته إلى الكرسي الخشبي الذي كان يجلس عليه الحكواتي، ثم صفق بكلتا يديه ثلاث تصفيقات منادياً جموع الزوار للانتباه إليه.

صمت الجميع بانتظار تلاوة خبر ما، قال أحد أصحاب المقهى الثلاثة: عندي اليوم خبر غير سار.. أبلغكم وبكل أسف أن الحكواتي أبا الريم صار في ذمة الله.

صعق الخبر المؤلم جميع الحاضرين، فأبو الريم، ذلك الشيخ الطاعن في السن، الذي أحبه جميع سكان الحي، كباراً وصغاراً، وتعودوا الاستماع إلى قصصه الرائعة الجميلة، أضحى جزءاً لا يتجزأ من تاريخ الحارة، وليس المقهى فحسب. لقد ترعرع وعاش في المقهى منذ ريعان شبابه فأصبحا معاً كنخلتين باسقتين يجمعهما أصل واحد.

خيّم حزن عارم على المكان، ثم سمعت في المقهى همسات من هنا وهناك تدعو بالرحمة والمغفرة ممزوجة ببعض من الأنين الخافت حزناً على أبي الريم ، الذي  التصقت صورته بذاكرة كل بيت من بيوتات الحارة. إلا أن أحد أصحاب المقهى الثلاثة تابع كلامه على الفور، وحتى من دون أن يترحّم على أبي الريم، قائلاً بلغة فصيحة: اليوم لدينا- أيها الحضور الكريم- مفاجأة سارة. نعم، إنها مفاجأة،لكنّها من العيار الثقيل. أعلمكم أن مقهانا قد انتهى إلى الأبد من زمن الحكواتية الرجال، وسنشهد معكم ابتداءً من هذا اليوم عصراً جديداً ممتلئاً بالفرح والمرح، أقدّم لكم هذا المساء هدية رائعة. إنها هدية هذا المساء، وكل مساء. من الآن فصاعداً سيزيّن مقهانا امرأة حكواتية، فما رأيكم؟، دام فضلكم؟

وما هي إلا لحظات حتى دوى في أركان المقهى ضجيج وصخب غير مسبوق، كان الضجيج مزيجاً من همس وتصفيق، وضحك وشهيق، مع قليل من الصراخ والسعال، وطرق على الطاولات، وكأن هذا الخبر قد أنساهم ذلك المرحوم أبا الريم، هو وتاريخه كله. صرخ أحد الحاضرين باستغراب قائلاً: ” دخلكم شو يلّي عم يصير بهل قهوة يا جماعة؟”، ثم صاح آخر مستنكراً: “والله شي عجيب وغريب، مو معقول هل مسخرة يلّي عم تصير، كيف بتبدْلوا رجالكم بنسوان؟، والله هي آخر سمعه، الحكواتي صار حكواتية، وحدة مره، ما حدا بيعرفلها لا أصل ولا فصل. ودخلكم مين هي هل فهيمة؟، وكيف بتتجرأ تتفصحن علينا وتجي تحكيلنا حكايات عن أبطالنا وقبضاياتنا؟، لَكْ هادا تاريخ يا عالم، مو لعبة، تاريخ بدّو ناسو وزلمو”، ثم قام رجل آخر منادياً بأعلى صوته: “وأنتم يا باشوات، يا أصحاب القهوة، فيكم تقولولنا مين صاحب هل فكرة؟، هي آخرتها تجيبوا وحدة مره تطلع على منابر الرجال؟، وتقعد تنظّر علينا؟، لَكْ من طول عمره هل منبر مخصص لجنس الرجال، شو يلّي خلّاكم تتجرأوا تكسروا هالتقاليد والأعراف يلي عايشين عليها من ميّات السنين؟، كيف بتخلّوا النسوان تفوت على شغلة مو شغلتها؟”.

صخِب القوم صخباً بالغاً بين قلّة موافقة على فكرة المرأة الحكواتية، وبين معارض لها، لكن الغلبة بالرغم من كل هذا الصخب كانت أخيراً للموافقين، فقد قام أحد زوار المقهى القدامى بتصفيق عاصف استنهض به حماسة الآخرين، ثم تبعه آخر، ثم آخر، إلى أن انتهى الأمر بتصفيق معظم الحاضرين، بينما غادر المكان ثلاثة، أو أربعة رجال معترضين على هذا التصرف الأرعن من أصحاب المقهى،على حد قولهم.

مرّت عشر دقائق على تلك الجلبة وتلاطم الأصوات، لتدخل بعدها إلى باحة المقهى امرأة شقراء بدينة، بيضاء البشرة، يحمل وجهها ملامح البدويات. كانت ترتدي لباساً شبه محتشم، وتضع على أكتافها عباءة نسائية، مطرّز عليها بالبريق اللمّاع شكل طاووس ملون، فظهرت به وكأنها أميرة من أميرات قصور العصر العباسي التي جاءت لتحكي قصص شهرزاد لجموع “الهوارين” المحتشدين في المقهى.

نعم، لقد كان وجود تلك المرأة في البداية بين معاقل الرجال مفاجأة من العيار الثقيل، إلا أنها بالرغم من غرابتها لم تعد بعد ذلك مفاجأة غير سارة.

كانت تلك الحكواتية الجديدة في أواسط الخمسينيات من العمر، وعليه فإن خبرتها في الحياة لا تقارن بخبرة أبي الريم ذي الثمانين عاماً، الذي كان يضع كامل أدواته وتاريخه في خدمة الحضور، فهو يقصّ عليهم الحكايات الطويلة الشائقة، حكايات يتناول فيها بطولات أبي الفوراس عنترة العبسي وأبي زيد الهلالي، مازجاً فيها، ومدمجاً بها، وخالطاً معها عشرات الطُرَف والنكات، فتراه يقوم بنفسه في كثير من الأحيان بتجسيد شخصيات رواياته، وكلامهم، ومعاركهم. فتارة يحرك يديه وكأنه يحمل سيفاً، وتارة يرفس بقدميه يميناً وشمالاً وكأنه يمتطي خيلاً، وأحياناً يرقق صوته كامرأة، وأحياناً أخرى يضخمه كغول مرعب، متصرّفاً وكأنه بطل الحكاية نفسها.

جلس الجميع في المقهى متحلّقين حول المنبر، منتظرين أن يمرّ عليهم نسيم الحداثة والتجديد ، يترقبون بدء السيدة الشقراء حكاياتها بعد أن اعتلت صهوة الكرسي الخشبي “الأنتيكا” الذي كان مخصصاً لأبي الريم – رحمه الله -.

جلست السيدة صامتة، تحمل بيديها كتاباً قديماً، سميكاً، التهمت الرطوبة جلّ أوراقه الصفراء، ثم راحت تقلب صفحاته من اليمين إلى اليسار، ثم من اليسار إلى اليمين، وقد كان بادياً على وجهها الكثير من علامات القلق، ناهيك عن أصابع يديها التي كانت ترتجف بشدة أثناء تقليب أوراق ذلك الكتاب ما لفت انتباه أغلب المترقبين لبدء حكايتها. أما أصحاب المقهى الثلاثة، فقد كانوا على الأغلب إما أخوة، أو أقارب، أو أصدقاء، والله أعلم. يجلسون دائماً ملتفّين حول طاولة بعيدة عن منبر الحكواتي، قلما يتحدثون سوية أو فيما بينهم ، وقد كان جلّ عملهم هو استراق النظر إلى الناس الجالسين إلى هذه الطاولة أو إلى تلك، عيونهم جاحظة تماماً، تتسمّر في أفواههم “نرابيش” نراجيل “التنباك” العجمي المزركشة بشتى الألوان، تراهم يعضّون بأسنانهم على المباسم عضّاً وكأنهم يلتهمونها، ولا يحتسون طوال السهرة من المشروبات إلا شاياً ثقيلاً، أو قهوة مرّة. وبين الفينة والأخرى ترى صبيّاً من حاملي مناقل الفحم يقترب من أحد أصحاب المقهى الثلاثة، فيهمس في أذنه كلاماً لا يسمعه الآخرون، ثم ما يلبث ذلك الصبي أن يشير بملقط الفحم إلى ساقي القهوة المرّة لتقديم أحد الفناجين الخاصة بالأعيان و”الباشوات” وكبار التجار إلى شخص ما من هؤلاء الأخيار، الذي غالباً ما يكون جالساً بمفرده في ركن بعيد من أركان المقهى، ثم ترى بعد ذلك ساقي القهوة يشير بإصبعه لذلك الشخص المختار كي ينظر إلى طاولة المعلمين، أصحاب المقهى الثلاثة، فيقوم ذلك المصطفى واقفاً، رافعاً كفيه إلى أعلى رأسه، يحيّي المعلمين الثلاثة بوجه مفعم بالابتسام، مع طأطأة خفيفة لرأسه، عربون شكر وامتنان على كرم الضيافة.

مرت بعد ذلك عدة دقائق على غروب الشمس، بدأت بعدها السيدة الحكواتية قياماً وقعوداً، محاولة لفت انتباه الحاضرين إليها، ثم ما لبثت أن ألقت تحية المساء على الجميع عبر مِصْوات كان بيدها. رد بعض روّاد المقهى الرجال على التحية بفتور، بينما رد بعض آخر على التحية بأحسن منها، فيما أخذ أحدهم يصفق داعياً الجميع لمزيد من الهدوء والانتباه للسيدة الحكواتية.

صاحت الحكواتية بصوت مرتجف بعض الشيء قائلة: “الله يسعد مساكم يا شباب، مشان الله لا تواخذوني، حاكم أنتم تعودتوا على المرحوم أبو الريم يحكي لكم حكايات أشكال وألوان، وأنا بالحقيقة أخذت الكتاب يلي كان أبو الريم عم يقرأ لكم منّه، لكن الحقيقة وجدت كل القصص يلي فيه قصص قديمة ومكررة ومعتّة، وما لها أي طعمة. وكمان بدّي أقول لكم أنه بصراحة لا أحد يعرف إذا كانت هل قصص والحكايات إذا كانت قصص حقيقية ولا خرافات، حاكم أكثرها انكتب ليخدّر الناس ويعيشهم ع الأحلام، وتخلّينا نجترّ ماضينا وقت كنا فيه أسياد العالم، وأنا برأيي حاجتنا من هيك قصص خرافية، خلّينا نحكي شوي عن قصص بيوتنا وحاراتنا وناسنا، ونحاول قد ما منحسن نستفيد منها، ولو شوي. كمان قلت لحالي خلّيني أشتغل شوي على التجديد والتحديث، شو رأيكم بهل اقتراح؟، على فكرة، أنا عندي أكتر من مئة قصة من القصص الظريفة والمسلية، ومن يلّي بتزعل كمان، بس كلها قصص منّوعة ومفيدة، وأنا متأكدة إنها حتعْجبكم”.

همهم الجميع مستغربين مثل هذا الطرح الجديد، لكنهم مع ذلك لم يستهجنوه، ثم قام أحد زوار المقهى الذي واظب على ارتياده منذ نحو عشرين سنة ليصعد واقفاً على الطاولة التي كان يجلس إليها، فيقول: “أي والله يا ست الكل، بدْنا منك تجدّديلنا شوي، خلّونا يا شباب ننسى قصص الضرب والقتل والسيوف، والشعر والأحصنة، والمدح والذم، والوقفة ع الأطلال، حاجتنا حكي عن عنتر والمهلهل والغضنفر، الله وكيلكم قصص حاراتنا وبيوتها أهم بكثير، شوفوا مثلاً مسلسل باب الحارة شو عمل بالناس؟، الله وكيلكم صرنا نحب رمضان أكثر لأنه فيه باب الحارة”.

هتف الجميع بالتحية لخطبة ذلك الرجل، كذلك وقفت الحكواتية من على منبرها أيضاً لتصفق له معهم، فبادرها الجميع مشجعين إياها بتصفيق حاد حتى كاد يسمع صدى ذلك الصخب في الحارات المجاورة. قامت الحكواتية بعد ذلك بإغلاق ذلك الكتاب الكبير العريض القديم ذي الأوراق الصفراء، ثم أخرجت من صدرها مجموعة من الأوراق، اختارت واحدة منها وأعادت الباقي، قرأت على عجل ما كتب عليها، ثم أعادتها إلى مكانها.

وهكذا، بدأت الحكواتية أول قصصها المستوحاة من البرنامج الإذاعي ذائع الصيت حكم العدالة، محوّرة الشخوص تحويراً طفيفاً لتجعل من هذه القصص حكاية كل بيت. وهكذا، أصبح جمهورها يزداد كل يوم بشكل كبير، حتى أن معظم الزائرين المتأخرين عن القدوم باكراً إلى المقهى أصبحوا يفترشون رصيف الشارع الخارجي للاستماع إلى حكاياتها.

لقد كانت حكاياتها بالغة الإسفاف، حكايات ممتزجة بعواطف ساخنة، أحاديث دائمة عن عاهرات في بيوت متنفذين ومسؤولين، وعرض قذر لمشاهد عاطفية يتخللها لعب قمار، أو شرب خمور، أو سهر مع الراقصات في الملاهي، أو مشاهد بوليسية فيها قتل زوجات وأزواج، طلاق، ويتم، وإجرام، رسم لعديد من الصور الملونة المأخوذة من مجتمع متخم بالبؤس، تتطرق فيه بوقاحة بالغة أسماء لأشخاص، وحتى لكنياتهم، مخترقة بذلك خصوصية بعض العائلات المرموقة وغير المرموقة، إلى آخر تلك المشاهد التي كانت تشد المستمعين بشغف لمعرفة النهايات، الأمر الذي حول هذه الحكواتية إلى ظاهرة غريبة يتحدث عنها الناس في كل مكان لم يسبق أن شهدها المجتمع من ذي قبل. أما أصحاب المقهى الثلاثة فقد كانت تلك الأيام بالنسبة لهم أيام سعد، نظراً لاحتشاد الزائرين وكثرة ما يطلبون من مشروبات ساخنة أو باردة، وبالتالي ضخامة فاتورتهم المدفوعة في ختام السهرة الممتعة.

وفي إحدى السهرات الصيفية الحارة اقترحت الحكواتية على جمهورها أن تسمعهم قصة ظريفة كانت قد جرت في حارة المقهى منذ فترة قريبة، إنما هذه المرّة هي قصة حقيقية من الواقع، وأشخاصها من المعروفين جداً في هذه الحارة!!

أبدى معظم الحاضرين رغبتهم الشديدة للاستماع إلى تلك القصة، فما كان منهم إلا أن صفقوا بحرارة يحمسّون الحكواتية لبدء الحكاية دونما إبطاء. ابتسمت الحكواتية أمام هذا التصفيق والدعم المعنوي الكبير الذي تلقته، ثم قالت بصوت عال: “اليوم بدّي أحكيلكم قصة الرقّاصة لوفلي، شو رأيكم يا جماعة؟”. ضحك الجميع من عنوان القصة المثير، ثم صرخ أحدهم عالياً : ” لوفلي، يقبرني الله على هل أسم ما ألذّه”. أشارت الحكواتية للجميع أن يتحلّوا بالهدوء لتبدأ قصتها، وما أن صمتت الأصوات حتى قالت: “قال الراوي يا سادة يا كرام، كان يا ما كان، كان في سيدة اسمها لوفلي” تسكن في حارتنا، نعم حارتنا هي يلّي فيها هل قهوة الظريفة. ومثل ما بيعرف بعضكم، اسم لوفلي مشتق من كلمة لوف بالإنكليزي، ومعناها حب. لوفلي كانت ساكنة في بيت كبير ومرتب ببناية من هل بنايات يلّي قدامكم على مدى نظركن، وكانت مسكنّة معها بالبيت خمس ست رقاصات صغار وكرابيج”، وما أن نطقت الحكواتية بتلك المعلومة حتى حصل بعض الهرج والمرج بين رواد المقهى، وأصبح كل اثنين أو ثلاثة من المجموع يتهامسون باستغراب، إلا أنهم هدؤوا فجأة، وباتوا أكثر حماسة لمعرفة المزيد عن الراقصة لوفلي. أكملت الحكواتية حديثها قائلة: “الرقّاصة لوفلي يا سادة يا كرام وحدة حلوة بتطير العقل، عمرها تقريباً بين الثلاثين والأربعين، بس أكيد مو أكثر من أربعين، يمكن شي خمس وثلاثين سنة، عليها طول بيفلج، وخصر قد الكعكة، مشيتها الله وكيلكم مشية مخترة، وجهها مثل القمر، وشعرها أسود مثل كحل الليل، عيونها سود، وهل قد (مشيرة إلى طول سبابتها)، خدودها يا ريان، ولونهم على لون شقائق النعمان، أنفها قد السمسمة، وسنانها مثل اللولو، وشفايفها بلون عصير الكرز، لما بتضحك بتغطي عيونك من حلاوة فمها، قمر مصوّر مثل ما بيقولوا المصاروة، بيدلعها يلي بيعرفها وبيقول لها لولية، وهي فعلاً مثل اللولو”.

وبمجرد أن ذكرت الحكواتية اسم الدلع لولية نهض بعض الجالسين عن كراسيهم، مغادرين المقهى على عجل، متعللين بأسباب شتى. فأحدهم نظر إلى ساعته وكأنه متأخر عن موعد ما، وآخر زمّ شفتيه مخرجاً صفيراً خفيفاً، ثم صفع جبينه صفعة خفيفة وكأنه قد تذكر اجتماعاً مهماً للتو، وآخر حمل هاتفه المحمول وخرج خارج المقهى ينادي “ألو.. ألو”، أما البقية الباقية من الرجال فعدلوا قليلاً من جلساتهم مستعدين ومتشوقين لسماع المزيد بعد أن أثارتهم التخيلات الجميلة الرائعة والمغرية للراقصة “لوفلي”. قالت الحكواتية: “بس لولية، يا سادة يا كرام، مرة روح قلبها المصاري، الله وكيلكن بتبيع أي شيء بجسمها، وبتبيع كمان كل الرقّاصات يلي بيشتغلوا معها، بس عطيها مصاري، ما بتفرق معها من وين جاية هل مصاري، المهم تجي، ما عندها شي أسمو حلال أو حرام”.

وما أن انتهت من جملتها الأخيرة حتى سمع الجميع صوت تحطّم زجاج نرجيلة كانت بالقرب من طاولة أصحاب المقهى الثلاثة. كانت تلك النرجيلة قد سقطت أرضاً بعد أن رجع أحد الجالسين عليها بكرسيه فوقعت متكسّرة. وفي اللحظة عينها، غادر أحد أصحاب المقهى المكان حاملاً رزمة مفاتيحه التي كانت على الطاولة، موحياً لمن حوله أنّه كالميت من النعاس. استدركت الحكواتية حديثها قائلة: “وفي ليلة من ليالي الشتي الباردة جاء لعند الرقّاصة لولية واحد كتير مرتب ومقدر، ومبين عليه أنه مليان مصاري، شعراته سود مفحمين، كان واضح أنو صابغهن، لابس طقم جخة كتير وبيطير العقل، وبين سنانه سيجار طخين، مليان بزاق على قد ما كان عم يمصْ فيه”. وما أن انتهت من جملتها الأخيرة حتى هدأت القاعة فجأة هدوءاً حذراً، وأخذ الجميع ينظر بعضهم إلى بعض، أحياناً نظرات إلى الرؤوس، وأحياناً أخرى إلى البزّات والأفواه، كما أخذ أحد الجالسين بالقرب من طاولة أصحاب المقهى الثلاثة يمسح شعره بيده، ثم أخذ ينظر إلى كفه ليتأكد أن لا لون قد علق عليه، بينما قام أحد أصحاب المقهى الثلاثة بخلع سترة “جاكيت” طقمه كحلي اللون، ثم فك ربطة عنقه الحمراء بعد أن رمى جانباً ما تبقى من سيجاره الثمين والسمين في آن معاً. وفي هذه الأثناء اهتزت طاولة كان يجلس إليها شخص عند أقصى زاوية من زوايا المقهى بعد أن صدمها شخص آخر برجله مطيحاً بكأس الشاي الساخن ليسقط كاملاً في حضنه، ليحترق ما تحت بنطاله، فيفرّ سريعاً خارج المقهى مولولاً على ضياع شبابه. وبعد لحظات من تلك البلبلة غادر المقهى شخصان شعرهما أسود ككحل الليل. قالت الحكواتية: “فتحت لولية باب البيت، وكانت مالها لابسة أي شي، لا والله، الحقيقة كانت حاطّة شغلة شفافة على كتافها، بس بتكشش البدن، وكان صدرها مفتوح كمان، الله يستر عليها”. في هذه اللحظة قام عدد من رواد المقهى بالصفير والتصفيق مستعجلين الحكواتية لتتمة القصة بعد أن فاض ريقهم من تخيّل منظر لولية شبه العاري. قالت الحكواتية وهي تشير للجميع بالهدوء قليلاً: “قالت لولية للشخص يلي جاء لعندها وهي عم تتغنج شوي وتتدلل شويات: لَكْ يا مية أهلا وسهلا بحبيب القلب أبو حدّو، أي وينك يا سيدي وسيد راسي، والله اشتقتلك يا تقبرني، وجهك ولّا ضوْ القمر، أنا بعرفك وبعرف قصصك!!، أوعك تتحججلي بالاجتماعات وباللقاءات مع الناس!!، بس نحنا كمان منحبّك، ومنحبْ نجتمع فيك ونلتقي معك. قال لها أبو حدّو: والله يا قمر الزمان، وما لي عليكي يمين، أنّه القعدة معك بتسوى مية اجتماع من اجتماعاتي المعتّه، الله وكيلك قرفت من وجوه الزلم يلي بجتمع فيهم، وبيني وبينك اجتماعاتنا صايره مثل الأدوية، كل طنعشر ساعة اجتماع. ضحكت الرقّاصة لولية ضحكة مايعة، كانت عم تسايره وتجبر بخاطره على هل نكتة البايخة، حاكم هو كان واحد غليظ، ومفكّر حاله خفيف دم. بعد شوي صار أبو حدّو يطالع شي من جيبة جاكيتو، سنسلة عليها أونصاية دهب، يمكن كانت جايبلو ياها شي مراجع دسم، صار يهز الأونصاية ويقول للولية: شو رأيك بهالهدية؟ طار عقل لولية بالهدية وقالتلو : انشالله بردّلك ياها بفرحة ولادك يا أبو حدّو. قلْها أبو حدّو ووجهه ما عم يتفسر بعد ما سمع سيرة الولاد: وشو جاب سيرة الولاد على لسانك؟، دخيلك خليني مروّق، حاكم أنا جايه لهون مشان فرفح شبابي مع هل صبايا الأطائيط، مو لتذكريني بمرتي وبالولاد”.

وما أن انتهت الحكواتية من جملتها الأخيرة حتى سمع جميع من في المقهى طرقاً شديداً متواتراً لملعقة حديدية على طرف كأس ماء فارغ ما أثار انتباه الحكواتية التي التفتت إلى مكان الطارق لتجده أحد أصحاب المقهى الثلاثة، الذي قام بغمزها بطرف عينه غمزة تعنيف، مشيراً إليها ألا تتعمق كثيراً في الشرح وتصوير المشاهد العاطفية خشية اندفاع وحماسة الشباب المنصتين للقصة بشغف، والذين كانوا ينتظرون بلهفة ماذا سيحصل عند وبعد باب البيت، فما كان من هؤلاء إلا أن صرخوا مستهجنين داعين الطارق على الكأس إلى التوقف عن هذا الإزعاج. قالت الحكواتية: قالت لولية لأبو حدّو: “دخلك شو وين بقية الشباب؟، كأنهم نايمين؟، ولا قاعدين مع حدا غيرنا يا ضنايا؟”. قال لها أبو حدّو وهو عم يضّحّك: “لا والله، الظاهر إنهم خايفين من نسوانهم، صحيح إنّو نحنا منخوّف بلد، بس الله وكيلك قدام نسواننا مثل الأرانب”. ضحكت لولية ضحكة غير شكل، وسحبت أبو حدّو من الكرافيته لجوات البيت، وكان هنيك عم ينتظره كم صبية بياخدو العقل مشان يزبطولو أكلاته وكاساته وفرفشته”.

عاد أحد أصحاب المقهى الثلاثة ليطرق من جديد على الكأس بملعقته الحديدية منبهاً الحكواتية شهرزاد أن تكفَّ فوراً عن هذا الإيحاء اللامحترم، وبخاصة بعد أن بدأ مواء “الهوارين” المنتشرين في كل مكان من المقهى ينتظرون متابعة الحكاية وكأنهم في شهر شباط.

قالت الحكواتية من دون أن تعطي أهمية لطرق الملعقة: “وبينما كان أبو حدّو، يا سادة يا كرام، عم يجهّز نفسه بغرفة النوم مع وحدة من الصبايا رنّ موبايله، فرك عيونه منيح ليتأكد مين يلي عم يدقله، قام انصدم لما شاف الأسم على شاشة الموبايل، طلعت مرته أم حدّو، قام المسكين تكربجت معه الحكاية، وبطّل من رعبته يجيب ولاد. شرب شوية مي من الكاسة يلي كانت ع الطربيزة قدام التخت ليرطب حلقه بعد ما نشف من الرعبة، وصار يحاول ينعّم صوته شوي ويوطّيه قد ما بيحسن مشان تفكره أم حدو أنه هو باجتماع مهم، ردّ عليها بس كان مبيّن عليه أنه متلبك وقلها:نعم، لَكْ شو بتريدي بنْصاص الليالي. كان صوتها، يا سادة يا كرام، صوت عالي كتير، كأنها عم تولول، بس حكيْها بيشبه كتير حكي لولية وقت شافتو ع الباب، بس طبعاً أم حدّو كانت كأنها عم تحقق معه، مثل الأمن الجنائي، مو مثل لولية يلي كانت عم تناغشه. قالت أم حدّو لجوزها: لَكْ أنت وينك لهلّأْ أبو حدّو؟، أوعك تتحجّجْلي بالاجتماعات؟، أنا يلي بعرف كل اجتماعاتك، كلها اجتماعات ملغومة، بس ياريتك تحسبني وحدة من يلي بتجتمع فيهن، أو تحدّدْلي شي يوم على الأقل تجتمع فيّي، قلها أبو حدّو بصوت واطي مثل الهمس، مشان يخليها تفكر أنو هو باجتماع سري: لَكْ حاج تصرخي وتولولي، خلص، نص ساعة وبكون عندك بالبيت، بس الله وكيلكم حظه المعتّر بين عل حارك، دقايق وبلش الخبط على باب الرقّاصة لولية، تخبيط بكعب كندرة. فتحت لولية الباب بسرعة مشان ما تبلش الفضايح، حاكم الجيران كانوا عم يستنوها على هيك قصة، وبيجوز إذا حسّوا عليها يصيروا كلهن ببيتها، ومو هنن بس، يمكن كل أهل الحارة. نطّت أم حدّو ع الصالون مثل الجاجة المدبوحة، دفْشت الرقّاصة لولية، وزتتها ع الأرض، وصارت تصرخ يمين وشمال: لَكْ وينك يا أفندي؟، وينك يا آدمي؟، وينك يا محترم؟، وينك يا أبو الاجتماعات؟، ورْجيني وجهك يا بطل!!، وصارت بهاللحظة تفتح بواب الغرف المسكرة، صارت لما تفتح هل غرف تشوف أشكال وألوان، نسوان ورجال ما هبّ ودبّ، حتى وصلت للأوضة يلّي كان فيها أبو حدّو، وشافتلكم ياه بمنظر، الله لا يورجيكم، كان لابس من غير هدوم على قولة عادل إمام بمسرحية مدرسة المشاغبين، وقاعد على تخت ملوكي مع وحدة والعياذ بالله، منْظر بيكشّش البدن”.

وبينما الجالسون في أوج حماستهم، فاغري الأفواه، ومشنّفي الآذان لسماع تتمة القصة خار كالثور أحد أصحاب المقهى الثلاثة، وأخذ يطرق بكل ما امتلكه من ملاعق حديدية على كؤوس الماء الموجودة على طاولته، صارخاً على الحكواتية بأعلى صوته: “لَكْ العمى بعيونك العمى، شو إنتي ما بتستحي، لَكْ اخرسي يا شرررر، أحسن ما أقطعلك لسانك قدّام الناس، الله يلعنك ويلعن الساعة يلي جبْتك فيها على هل قهوة، وابتليت فيكي يا ملعونة، قومي انقلعي من هون، قاعدة تفسدي هالشباب يا بنت الحرام بقصصك الرزيلة مثلك، وكمان مو ناقصك إلّا تحكي على حارتنا؟، لَكْ حارتنا أنظف منّك ومن يلّي خلّفوك، فهمتي ولا لأ؟”. ثم أومأ إلى صبيته الملتفين حوله أن يسحبوها من على المنبر، وأن يرموها خارج الحارة، ثم نادى جميع الروّاد إلى مغادرة المقهى على الفور.

اضطراب وفوضى وهيجان لم يشهد المقهى مثيلاً له من ذي قبل، بلبلة فرقت بين آراء المجتمعين، فمنهم من آزر أحد أصحاب المقهى الثلاثة في طرده للحكواتية، ومنهم من رفض هذا التصرف الأرعن المذل، فهي في النهاية امرأة، وعلى الجميع أن يحترم شجاعتها في امتهان مهنة الحكواتي بالرغم من خيانة لسانها لها في انتقاء الكلمات المهذبة، أو في وصف الأشياء والأشخاص، أو في تصوير المشاهد الواقعية التي خدشت فيها الحياء والرأي العام، لكنّها في النهاية لم تأت إلى المقهى مدفوعة من تلقاء نفسها، بل إنفاذاً لطلب أصحاب المقهى، واعتلت المنبر بعد مناشدة الجميع وتشجيعهم لها.

أشارت الحكواتية إلى الصبية الذين تحلّقوا حولها بأمر أحد أصحاب المقهى الثلاثة للابتعاد عنها وهي بكامل الإعياء والقرف، ثم غادرت المقهى بهدوء من دون أن تذرف دمعة بعد أن رمت عباءتها في وجه أحد أصحاب المقهى الثلاثة، ثم قالت له: “سلملي على عنتر، وقول له لا يواخذنا، قطعنا بنصيبه كم يوم، وإذا بدٌو يرجع يتفضل”.

.

*أديب وكاتب.. وزير التعليم العالي السابق- سورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق