العناوين الرئيسيةخاص الوسط

نـاجــي العــلي .. ريشة فلسطين المقاتلة .. هـيـا صـارم ..

|| Midline-news || – الوسط …

خاص ..

 

كان 22 تموز / يوليو1987 تاريخاً سيئاً في حياة الأمة العربية، إذ كتب ذلك اليوم بداية النهاية لشهيد المقاومة ورسام الكاريكاتير الفلسطيني الشهير “ناجي سليم حسين العلي”، بعد أن طالته يد الغدر السوداء في أحد شوارع لندن، وبقي يصارع الموت خمسة أسابيع في أحد مشافيها إلى أن حل الأجل وأسلم الروح في 29/8/1987 .

 

 

تلك كانت لحظة ميلاده الثانية التي خلدت أعماله وذكراه في قلوب وعقول كل محب للحرية.. متمرد على الظلم ..متعلق بالمعالي.. مترفع عن الدنايا.  تلك كانت لحظة شبَّ فيها “حنظلة” عن الطوق وبلغ سن الرشد فانطلق يواصل مسيرة النضال في وعي الأمة ووجدانها.

 

 

ورغم مضي 36 عاماً على غياب صاحب “حنظلة”، لم يعلن حتى الآن هوية الشخص المجهول الذي أطلق الرصاص عليه، ولم يتم الكشف عن الرابط بين إجباره على الرحيل إلى لندن عام 1985 وبين حادثة الاغتيال.

 

 

ولد ناجي عام 1936 في قرية الشجرة الواقعة بين طبريا والناصرة، وبعد احتلال إسرائيل لفلسطين هاجر مع أهله عام 1948 إلى جنوب لبنان، وعاش في مخيم عين الحلوة.

وقد اعتقلته القوات الإسرائيلية مراراً وهو صبي لنشاطاته المعادية للاحتلال، فقضى أغلب وقته داخل الزنزانة يرسم على جدرانها..

كان عدم الاستقرار في حياة ناجي العلي هو الخيار الأوحد، إذ سافر إلى الكويت في العام 1963  ليعمل محرراً ورساماً ومخرجاً صحفياً، فعمل في الطليعة الكويتية، السياسة الكويتية، السفير اللبنانية، القبس الكويتية، والقبس الدولية إلى أن خرج مطروداً من الكويت بعد ضغوط سياسية، وجهت أصابع الاتهام فيها إلى الراحل ياسر عرفات.

 

 

ظهرت شخصيته الكاريكاتورية الأشهر “حنظلة” للمرة الاولى في الكويت عام 1969 في جريدة السياسة الكويتية، وهي تمثل طفلاً في العاشرة من عمره، لم يعرف ترف الطفولة  بملابسه المهترئة، وشعره الذي يشبه تاج الشوك، حتى أصبح رمزا ً للقضية الفلسطينية كلها بل كان أيقونة يقف خلفها حلم العودة.

وعنه قال ناجي العلي :

“إن حنظلة هو بمثابة الأيقونة التي تمثل الانهزام والضعف في الأنظمة العربية

 

 

ومثَّل عمر “حنظلة” نفس عمر ناجي العلي عندما غادر فلسطين صبياً، ولم يكن الأول ليكبر حتى يعود مبتكره إلى أرض الوطن، حينها فقط كنا سنشهد صب وشباب ذاك الطفل، وقد أدار ظهره في سنوات ما بعد 1973، وعقد يديه خلف ظهره…حتى أن إحدى الفتيات الفلسطينيات قالت : ” إذا أدار حنظلة وجهه لي … فسأرى وطني ..”
رغم استخدام “العلي” لشخصيات عدة في لوحاته لانتقاد عدد من القيادات الفلسطينية والعربية مثل “فاطمة” وشخصية “جندي الاحتلال طويل الأنف”، الذي يظهر مرتبكاً أمام حجر صغير في يد طفل فلسطيني، إلا أنها جميعها لم تنل الشهرة التي نالها “حنظلة”.

شهد “ناجي العلي” العديد من الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان؛ منها الغارات الجوية على مواقع المقاومة الفلسطينية جنوبي لبنان، ومع استمرار المقاومة؛ اجتاح الاحتلال الإسرائيلي لبنان حتى وصل بيروت عام 1982

وعن هذه الفترة يقول “العلي” في إحدى المقابلات الصحفية: “كنت في صيدا أثناء الغزو الإسرائيلي، واجهت نفس ما واجهه الناس من رعب وخوف، وعشت أيام القصف وغارات الطيران، ورأيت الدماء والقتلى بأم العين، وبقيت في صيدا لمدة شهر بعد احتلالها، وفي تلك الأيام العصيبة لم أرسم، وحتى لو استطعت فأنا غير قادر على توصيل رسوماتي إلى الصحيفة التي أعمل بها”.

قرر “ناجي” اختراق الحصار المفروض على بيروت، حتى وصل إلى جريدة “السفير” التي كان أحد أفرادها في ذلك الوقت، وبدأ في بث الروح المعنوية لدى المدافعين عن بيروت لمقاومة الحصار الذي استمر 3 أشهر.

في هذه الفترة، خرجت لوحته الشهيرة “صباح الخير يا بيروت”؛ إذ استخدم “حنظلة” صاحب الـ10 أعوام، وقدم من خلاله “وردة إلى بيروت” التي رسمها في شكل فتاة جميلة تخرج من جدار محطم بينما يكسو الحزن عينيها.

 

 

وجه ناجي العلي سهامه الجارحة والغاضبة والمشحونة بالألم والسخط إلى من فرطوا وتحولوا إلى سماسرة في أي مفصل من مفاصل الصراع صغيراً كان أم كبيراً… رسم بصدق، وعبّر بجرأة، وانتقد بحدة… وفتحت له الصحف صدر صفحاتها، وصارت رسوماته حديث الشارع والساسة، وأهجية الغضب في الزمن العاصف… زمن لم يحتمل فيه الكثيرون وجود ناجي العلي .

 

 

و ترجم “العلي “في عقله الباطن شواهد الأحداث وأيقن حتمية النهاية فداء للوطن فقال ما يشبه الرثاء في نفسه مبكراً في جملة أشبه بنعي في صفحة الوفيات: “اللي بدو يكتب عن فلسطين، واللي بدو يرسم فلسطين، بدو يعرف حاله ميت” .

 

 

لذلك،  لم تكن رسائل ناجي التي خطها على جدران زنزانات العدو المحتل وعلى جدران السجون في لبنان خاصة بفترة اعتقاله ونشاطاته المقاومة، إنما هي صالحة لكل مكان.. وزمان التطبيع الذي توقعه في العام 1973 تحققت نبوءته اليوم، فهي لم تتأخر.. إنما كانت تقاوم من قبل الأقليات الوفية.

 

وسط كل ذلك احتل “ناجي”، مكانة خاصة عند كبار المثقفين والفنانين، إذ قال عنه الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش: “فلسطيني واسع القلب، ضيق المكان، سريع الصراخ، طافح بالطعنات، وفي صمته تحولات المخيم، مفتوح على الساعات القادمة وعلى دبيب النمل وأنين الأرض، يجلس على سر الحرب وفي علاقات الخبز، خرج على العالم باسم البسطاء ومن أجلهم، شاهرا ورقة وقلم رصاص، فصار وقتا للجميع”.

فيما قال الأديب السعودي عبدالرحمن منيف، عن تجربته: “لا تزال رسوم ناجي العلي راهنة، وربما أكثر راهنية من الماضي، وهذا دليل على أن الفن الحقيقي والصادق له قدرة على الحياة والتجدد”.

 

 

لم يكن رسام الكاريكاتير الفلسطيني “ناجي العلي” يقرأ الكف أو الفنجان؛ لكنه رسم نهايته في مخيلته بألوان الوطن. كان يدرك أن كل خط يرسمه يقربه أمتاراً من نهايته، وأن ريشته ستشهد لحظة الغدر قبل سقوطها أرضا بجوار أحباره.

وقد كان هذا الكاريكاتير آخر ما حررته ريشته المبدعة.. حيث وجد معه لحظة اغتياله.

 

 

رحل الشهيد ناجي تاركاً خلفه نبوءته التي لم و لن تموت.. فلم تخيب التحالفات العربية والخليجية على وجه التحديد نظرته بهم .. فهم سيرحلون ويبقى ذكره مؤبدا ..كما قال فيه صديقه المقرب ..الشاعر أحمد مطر:

عفواً، فإني إن رثيتُ فإنّما

أرثي بفاتحة الرثاء رثائي

عفواً، فإني مَيِّتٌ يا أيُّها الموتى،

وناجي آخر الأحياء !

*صحافية – سوريا 
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق