العناوين الرئيسيةالوسط الفني

نجاح سفكوني .. حمل إلى التلفزيون أدواره المسرحية وثقافة الخشبة ومخزونه المعرفي ..

الفن الحقيقي مغامر ومتجدد وحر، والتقليدي المكرر لا جودة به ولا إجادة .. أبو الفنون نواة أحلامي لكنني خضتُ نهر الدراما السورية ..

|| Midline-news || – الوسط … 

حوار .. روعـة يـونـس

 

فنان هائل يذوب فوق خشباتها .. هكذا تعرف المسارح نجاح سفكوني. منها انطلق، وشارك في معظم عروضها خلال السبعينيات والثمانينات. بدءاً من مسرح المدرسة فالشبيبة فالمحلي ثم الجوال والتجريبي والفلسطيني، وصولاً إلى المسرح القومي الناهض آنذاك. إلى أن قامت نهضة الفضائيات ودبّت في الدراما التلفزيونية السورية حياة جديدة وسريعة ومتتابعة كنهر لا يتوقف، فخاض النهر وعام فيه ليغوص في أدواره ملتقطاً من أعماقه لآلئ قيمتها في مضامينها لا بريقها السريع.

ما بين المسرح والتلفزيون، اختاره في منتصف الثمانينات المخرج سمير ذكرى لبطولة فيلمه “وقائع العام المقبل” ونال عدة جوائز، لم تصمد أمام موجات النهر التلفزيوني، فانصرف نجمنا المبدع منذ مطلع التسعينيات إلى الدراما التلفزيونية ليقدم أدوراً عديدة ومتنوعة بين الاجتماعي والتاريخي والفكري والبيئة الشعبية، ولا يزال مستمراً في عطائه وممارسة شغفه الفني.

ما قبل الحوار ..

خلال بطولته فيلم “وقائع العام المقبل” الذي شاركتُ فيه حين كنتُ في سنتي الجامعية الأولى أمثل في المسرح الجامعي، مع مجاميع “كومبارس” كان سفكوني يتابعنا مع المخرج ويعطي بعض الاقتراحات، وحين شكره أحدنا، قال سفكوني “أنا مجرد أقترح، هذا ليس نقداً ولا حتى ملاحظة، اعتبروها رسالة فنية”.

اليوم، وبعد مرور نحو ربع قرن، سألته ماذا كنتَ تقصد بكلمة “رسالة” ابتسم وأجابني قائلاً “رسالة الفن لا يقتصر إيصالها إلى المشاهد فقط وإبلاغه بها. بل يجب أن تنبع من أسرة العمل وتبدأ من وسطهم من الداخل. هل يعقل أن يحارب الفيلم البيروقراطية والتعالي والعقلية المتحكمة التي تحدّ من حالة الإبداع وتبعثرها باتجاه الإحباط، بينما أنا (بطل الفيلم) في الواقع، لا أكون متعاوناً مع المجاميع أو الزملاء وأعيقهم وأحدّ من طموحاتهم ولا أصوّب جهودهم”؟

لمن فاتهم حضور عرض الفيلم، هل من تذكير بشأنه ؟

  • الفيلم نوع من الموزاييك التي تشكّل عناصره مجتمعة صورة بانورامية لوقائع حياتية، ليُدين العقلية الببيروقراطية المتحكمة في حالات الإبداع والتي تعمل على قمعها أو دفعها نحو اليأس والضياع. وتحديداً يروي المشكلات التي واجهت (موسيقي شاب عاد إلى بلده) يحلم ويطمح بتشكيل أوركسترا كلاسيكية. لكنه اصطدم بواقع المأزق الحضاري الذي تعيشه البلد -انطلاقاً من كون الموسيقا من أرقى الفنون- لكن المسؤول الذي حضر حفل الأوركسترا في سياق الفيلم؛ سأل عن سبب تأخير البدء بالعزف ؟ فأجابوه “الموسيقيون يدوزنون آلاتهم الموسيقية” فقال : ليعزفوا أولاً ثم يدوزنوا آلاتهم”!..
الحبيب الأول ..

في الحوار مع فنان قدير مثلك، لا يمكن تجاوز عتبة المسرح والقفز فوراً إلى تجربتك في الدراما التلفزيونية؟ كيف كان حال المسرح في الثمانينات، وإلى جانب من وقفت على خشبة المسرح ؟

  • الحالة التي شكّلها المسرح بوصفه أبو الفنون، كانت رائعة في الثمانينات، وساهم المسرح القومي في ازدهاره وارتقائه إلى مرحلة “عصر ذهبي” وأديتُ من خلاله العديد من الأدوار المسرحية عن نصوص عربية وغربية، إذ قدّم مئات العروض منذ انطلاقته في السبعينيات وخلال سنوات ازدهاره. وكان من ضمن المخرجين علي عقلة عرسان وأسعد فضة وفردوس أتاسي وحسين ادلبي ومحمد خضور وفؤاد الراشد وحسن عويتي وزيناتي قدسية وجهاد سعد وفايز قزق وكثر جداً لا تسعفني الذاكرة في ذكر أساميهم. كما وقفت على خشبة القومي إلى جانب أهم أساتذة المسرح ونجوم التمثيل أمثال أسعد فضة وهاني الروماني ومها الصالح  ويوسف حنا وغسان مسعود وفيلدا سمور وسمر سامي وغيرهم الكثير”.

مالذي أبعدك عن المسرح إلى هذا الحد؟ بينما عادت بعض الحيوية إليه الآن، هل سنراك على خشبته مجدداً ؟

  • كلنا نقول إننا نعشق المسرح. وحقيقةً المسرح حبي الأول، وهو نواة كل أحلامي وطموحاتي الفنية التي تمّت لي عبر التمثيل وأداء الأدوار. وربما  لولا ظهور الفضائيات كنت تكرّست ممثلاً مسرحياً وانصرفت إليه كلياً! لكن الفضائيات ساهمت في نهضة الدراما، وازدهار الأعمال الدرامية على حساب خفوت المسرح وانحسار الإقبال عليه نتيجةً لثقافة العصر، واللغة البصرية التكنولوجية. وانهالت علي الكثير من العروض، حينها كانت تعني لي المال والجودة. كل ما عرض علي من أدوار كان جميلاً مستفزاً للأداء ويحفز الممثل بداخلي على العطاء، مع مدخول مادي جيد. إنما لربما أشارك في عمل مسرحي ذات يوم، من يدري!”.
هجوم الدراما ..

أديت العديد من الأدوار خلال العقدين الماضيين، من أين جلبت الثبات الوقور لكل تلك الشخصيات التي قدّمتها مع عدة مخرجين ومختلف الأنماط الإخراجية ؟ ثمة جدية لا تفارقك في أدائك لأدوارك !

  • هذا ما نسميه “ابن مسرح” ، فالمسرحي “ملتزم” بالنص والبروفات والعروض. لهذا مهما كان نوع دوره (كوميدي تاريخي اجتماعي تراجيدي) يتميز بشخصية هادئة تزيدها الثقافة ثقلاً، وهي ثقافة ساعدتني في بناء الشخصيات التي قدمتها تلفزيونياً، إذ لا أنكر أنني استخدمت مخزوني المسرحي والثقافي والمعرفي والتقني لخدمة أدواري التلفزيونية”.

قبل سنوات قرأت لك وصفاً مقتضباً، مفاده “لم يعد الممثل يعرف هل هو هجم على الدراما أم أنها هي التي هجمت عليه” وأرغب بتوضيح له ؟

  • اهتمامي بالمسرح وحبي له ساهم في دخولي التلفزيون متأخراً. وصادفت طفرة الفضائيات ورواج الدراما السورية والإقبال عليها وظهور مجموعة من المخرجين الرائعين، مع اعتكافي نوعاً ما عن العمل الإذاعي، وفتور حركة المسرح القومي، وبينما أنا وغيري من الفنانين نفكر في غد الفن، انهالت الأعمال الدرامية علينا فجأة، كهجوم مباغت، لم يكن ثمة توطئة أو تمهيد لهذه الطفرة. وحركة الهجوم تحولت إلى حركة مضادة من الخريجين الجدد في معهد الفنون المسرحية. والكل يريد العمل وتقديم إبداعه ومشروعه”.

هل ترى أن النجوم الشباب الذين تخرجوا من المعهد العالي للفنون المسرحية؛ استحوذوا على نصيب أكبر في الظهور والنجومية ؟

  • لا أبداً. الدراما السورية المتفوقة دفعت بنا جميعاً إلى المشاركة في الأعمال، أعطتنا وأعطيناها كلنا. وأنا من الفئة الداعمة لنجومنا الشباب، وضد النيل من أهمية ما يقدمونه، ومع إعطائهم فرصة التعبير عن إبداعاتهم ودفعهم إلى الأمام”.
هيبة باب العاشق ..

إذاً، ما الذي دفع بك إلى التصدي لبطولة الجزء العاشر من “باب الحارة” رغم كل ما أحاط بهذا الجزء من انتقادات؟ وتقريباً الأمر ينسحب على أدائك لشخصية الخال الشرير في الهيبة ؟

  • كل الأجزاء تعرضت لانتقادات وشدّ وجذب (يضحك) من جهتي وبعيداً عن “باب الحارة” أو أي مسلسل. أبحث في الدور والشخصية وتفاعلاتها ومضامينها وما الذي يريد النص أن يقوله على لسان الدور .. أنا لا أصنّف الأدوار أو الشخصيات بأن هذه شريرة وهذه إيجابية وتلك مكيافيللية ! فقد ينبّه دور شخصية شريرة إلى الحذر من هؤلاء، إلى علاجهم أو نبذهم. عرض الشخصيات في مختلف البيئات ليس تمجيداً لها ولا تكريسها نموذجاً للاقتداء به. بل أحياناً تجسيد هكذا أدوار أو حتى بيئات ومجتمعات هو قرع جرس إنذار. وهذا ينطبق على أدائي شخصية جمال في “الهيبة” إنه دور يحذّر من الانتهازيين الوصوليين، ويكشف عن وجودهم بيننا، ولا يهدف إلى التشجيع لحذوِّ حذوه”.

هذا بشأن “الهيبة” و”باب الحارة”. لكن مسلسلك الرمضاني لهذا العام “العاشق- صراع الجواري” عانى قبل وبعد العرض من انتقادات قاسية. وكونك فنان واثق جريء صادق، ماذا عن موقفك الشخصي من المسلسل ؟

  • الضجة التي أثيرت حول “العاشق- صراع الجواري” سواء كمسلسل أو شخصية “الحلاج” للصديق المقرّب غسان مسعود، خدمته وجعلت المشاهد ينتظره! وبطبيعة الحال لم نكن بحاجة لهذه الضجة، فعالم الحلاج ثري وآسر وجاذب أصلاً، وبدون تلك “المؤثرات الكلامية” المسلسل ناجح وضمّ كوكبة من أهم الممثلين العرب”.

كما لو أنك اختصرت الردّ على سؤالي، ولم تجبني بموجب صفاتك في الصدق والجرأة ؟

(يضحك السفكوني، ويندب وقوعه مع الصحافة ويذكّر أنه لا يحب الحوارات الصحافية، يحب أن يمثل فقط). فأصرّ عليه، فيقول :

  • حتى الأن لم يكن هناك اختلاف في الرأي بين الفرقاء، بل اختلاف في الرؤى والقناعات! الفن سواء كان دراما تلفزيونية أو مسرح أو رسم أو موسيقى، يجب أن يكون حقيقياً ومغامراً وحراً. نعم،  حرٌ في الفكرة والطرح والمعالجة والمغامرة والاحتمالات والتأويلات. لذا فالفن القابع تحت التقليدية والتكرار ليس فناً ملتزماً بالجودة والإجادة”.

كنت في زيارة إلى لبنان هل من جديد لديك ؟

  • كنت في العاصمة بيروت لإنجاز اتفاق فني. وثمة جديد في الأفق عمل دراما تلفزيونية سورية. فضلاً عن قراءتي لبعض النصوص قبل الاتفاق عليها والتوقيع.

بمَ ستوقّع ختام حوارنا معك الذي سررتُ به لسببين، لأنه معك أيها الفنان القدير، ولأنه تمّ بعد ربع قرن من لقاء سابق بيننا ؟

  • هذا تأكيد على نبوءة الفيلم، فها هي “وقائع العام المقبل” عشناها في هذا الحوار مع موقعكم الزاخر. لكم جميعاً أسرة التحرير والقراء الكرام التحيات والامتنان”.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق