إضاءاتالعناوين الرئيسية

نبل الساعات الناحلة.. سعد ناجي علوان

|| Midline-news || – الوسط …

“إنه من الخطر جداً العيش حتى ليوم واحد”  فرجينيا وولف
ان استسلام دلك الجسد البهي/فرجينيا وولف/ لمياه /نهر أوز / توق يعتمر القلوب ورغبة ﻻتضاهى للسكون والوحدة الدائمين،  ولربما بعض العزاء أيضا في الانصياع لهول الأصوات التي تسكن روحها وتجردها من متعة الحياة والكتابة..
فشل مغالبة وولف ألمها وانكسارها المتكرر ويقينها الدائم بعدم كفاية الزمن لما هي عليه من وجع حيث القادم أكثر قوة،فما تعانيه موغل في القدم!
وجزء مما يدور حولها كل يوم، بدأ بإعتداءات أخيها غير الشقيق جورج، ووسم وقتها بالرعب والنفور من الرجال.
تشوش عقلي و كآبة باتا لغو وبربرة. وجنون تفاقم. وتنويعات من الحسد والعشق المثلي/مع فانيسيا وفيتا ساكفيل!مع أن اﻷمر ﻻيبدو بتلك السهولة دائماً.. فكثيراً ما أمسكت بالصفاء الموجب لاستمرارها كأديبة مجددة ومناضلة لحقوق المرأة.
تنتقل كاميرا الفيلم في البدء خلف الظلال الغافية على شحيرات نهر أوز بخفة من يخاف ان يوقظها.. وولف/نيكول كيدمان/تدخل الماء بثوبها البيتي المثقل بالحجارة على وقع صوتها المنساب برسالتها اﻷخيرة لزوجها/ليونارد/ستيفن ديلاني/…متأسفة ومكتفية بما أفسدته من حياته “أنا على يقين بأنني أفقد صوابي من جديد، إنني غير قادرة على مواجهة إحدى هذه اﻷزمات الرهيبة مرة أخرى، وهده المرة لن أتعافى.. أقوم بما يبدو اﻷفضل”.
فهل تخلى عنها ليونارد أم تعب من اللحاق بها كعادته كل مرة لتصبح اﻵن جزءا من الطبيعة التي تاقت إليها.
يستعرض الفيلم حياة ثلاث نسوة. مصائر تجتهد للإمساك بوجودها المضطرب ومحاولة خلق حال أفضل مما هن عليه، ورغم أنتقالاته الزمنية المتعددة /1941–1951–2001/حافظ الفيلم على مساره المتناغم وتواصله الجميل مع اﻷحداث ليبدو الزمن الثلاثي يكمل أحده اﻻخر.. وإن تباينت وجوهه ببعض التفاصيل المختلفة وفق مقتضيات العصر أو السرد الفني، فكل شيء طوع لكي نبقى ضمن مدارات حياة وولف وأبعادها المثيرة.
في الجزء المتعلق بها عند زيارة أختها فانيسيا /ميراندا ريتشارسون/تحتفي الكاميرا بأدق التفاصيل:
انغماس القلم في المحبرة—مسار حروفها على الورقة—أنفاس وولف —أرتعاشها الدائم —دهشه العينين—محيط وجهها المؤطر بالهشاشة—أوراقها المبعثرة على اﻷرض كأحلامها.
وبينما تتوق وولف لبعض الخلوة بأختها.. لربما قليلا من الحنو أو قبلة مسروقة يمنحانها فيضا من التوازن.. إلا أن فانيسيا تجدها اكثر اضطرابا.. (تستلقي وولف جنب عصفور ميت “انا احسدك فانيسيا …هل استطيع الفرار يوما)؟ الفرار الفاشل مرة اخرى حيث يجدها زوجها ليونارد على مصطبة الانتظار في محطة رتشموند، متهمة الآخرين بسرقة حياتها. رافضة اية وصاية “انا احتضر هنا .. اتمنى ان اكون هادئة من اجلك ليونارد….لكني اختار الموت على رتشموند”.

آه ايتها الحبيبة لو تتذكرين ماذا فعلت بك لندن.. لقد حطمتك جاعلة من وقتك متواليات من الحجر الطبي.. ولذا صارت رتشموند هي الحل. وأمام توسلات المحب ليونارد ووعوده بالعودة إلى لندن  (لاتصدقه) تعود وولف لبيتها بخسارة أخرى.

الوحدة أيضاً وعول شرسة تقود عربة /كلاريسا فوجان/ أو السيدة دالاواي/ميريل ستريب/ والتي تستعد لإقامة حفلة حبيبها الشاعر والروائي ريتشارد/أد هاريس/ الرابظ في فيء السخط والآيدز وحبها الذي لايهدأ.
وعلى قصر دوره في الفيلم كان هاريس مثل سكين حادة تقطع قالب شوكولاته طازج.. تزوره كلاريسا لتأكيد الموعد فتجده قد تهيأ للرحيل.. يجلس في النافذة ويسرد لها طفولته المخبأة تحت سعار أمه. شبابهما.. عشقهما “لم يكن احد يشبهنا ياكلاريسا وكنا قادرين على فعل مانريد” -وكأنه الآن يتمكن من آخر قصائده- “ولقد بقيت حيا من أجلك فقط دعيني ارحل.. الأصوات دائماً هنا وأخشى أن لا استطيع حضور حفلتك”.
وبتوتر تقص كلاريسا يومها عليه وترجوه الحضور فمعه فقط تتلمس وجودها كامرأة… وولف تخبر ليوناردو سيموت الشاعرصاحب الرؤيا.
ترتعش الكلمات على شفتي ريتشارد ويتمتم باسم كلاريسا: أحبك. لينزلق من النافذة مثل طير فقد القدرة على التحليق.. يلجم الحنق كلاريسا ويبكيها الصمت.. أتمنى لو أستطيع الاختفاء. بينما تأمل لورا/جوليان مور/ان تحقق امنيتها الدائمة في الفرار من عائلتها فطفل آخر سيأتي في الطريق وزوج لايعي ماحوله ..ولا تجد اكسيرا يهون على ماهي عليه إلا القراءة والتماهي مع عوالم السيدة دالاواي وكاتبتها الفذة فرجينيا وولف..فذلك فقط هو المطر الذي يزهر العافية في أرضها …تعتني لورا جيداً بابنها الذي يراقب مايدور حوله وكأنه يعلم ما تؤول اليه الأمور…سيصنع ويحطم بغضب موكيت من لعب الميكانو يمثل ما ستقدم امه عليه في الفندق ….وطفل لورا هو الشاعر المنتحر ريتشارد حبيب كلاريسا..
تقوم كيتي/ توني كوليت/بزيارة لورا طلبا للصحبة ..فمشاركة الآخرين مما نخافه يزيد من قدرتنا على مواجهته.وتلك لحظة مناسبة لاظهار مشاعر لورا..تاخذ كيتي ببن ذراعيها مواسية ..تمسح دمعها وتفاجاها بقبلة فم تجعل كيتي تغادر فرحة شاكرة لطفها. لتعود لورا الى تغذية وقتها في الاستسلام لفكرة الانتحار في غرفة فندق خارج المدينة …تغفو لدقائق ..تسبح في ثقبها الاسود وعبير عوالم / السيدة دالاواي/يغمر الماء سريرها ..فتفزع من كابوسها …. وتسرع عائدة للبيت..و في ذات اللحظة تنتفض وولف كهارب أيقن الضوء أخيراً …معقبة ../.لقد كدت ان اقتل بطلة قصتي/ ..يتحقق حلم لورا بأنتحار ولدها الشاعر ريتشارد….وهذه ثنائية/الأنتحار…..المثلية/ يكررها الفيلم لأنها من صميم شخصية وولف الاصلية.
تعتذر لورا من طفلها وقبل ان تعده بالسعادة؛ يتسرب الكذب الى وقتها وتهرب بالباص المتجه للشمال.

و يخضع ليوناردو لتاريخ وحدته..فالسيدة وولف لن تهدأ حتى تقرر مصير بطلتها دالاواي أي كلاريسا فوجان/ميريل ستريب/ بانتحارحبيبها الشاعر ريتشارد وفقدها الرغبة بأنتظار شخص آخر وهذا مالا تجيزه الحياة حين تفرض صحبة البعض..فها هو الذهول يطرق بابها ..لتدخل لورا والدة حبيبها ريتشارد وخطؤها النائم منذ ثلاثة عقود ..حين تركت بيتها..وماذا بنفعها الاعتراف وقد ملأتها الوحشة وصدأت فيها المغفرة ورحل الجميع //لقد اخترت حياتي…تركت عائلتي بعد طفلين..لن يغفر لي أحد……ريتشارد جعلني أموت في روايته//
تكمل ترنيمة لورا دائرة الوحشة وتغلق كلاريسا النوافذ.
يهدأ كل شيء، سوى صوت وولف وهي تجتاز ضفة نهر أوزن:
“ليوناردو، انظر للحياة بوجهها مباشرة. اعرفها على حقيقتها.. وأحبها على ماهي عليه”.

 

*شاعر وناقد سينمائي من العراق

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق