إضاءاتالعناوين الرئيسية

“ميد ان سيريا” .. د.محمد عامر المارديني

|| Midline-news || – الوسط …

 

 

جبتُ أنحاء العالم شرقاً وغرباً، ورأيت من الأحداث والغرائب ما يكفي لتكوين ثقافة العارف، لكنني لم أرَ في أي دولة من دول العالم، ولعلي لن أرى، حتى لو وصلت المريخ، فيما لو تمكنت من زيارته يوماً ما، بعضاً من طرائف شرطة السير كالذي يمكن أن تراه في بلادنا.

فمثلاً لا يمكن لأي شخص في هذه الدنيا- مهما اتسع خياله- أن يتوقع مشاهدة شرطي سير يحرك بيد عصاه لتوجيه السيارات المتدفقة في منطقة “الحريقة”، الأشد ازدحاماً في دمشق، وفي يده الأخرى بزراً “يفصفصه” بكل استمتاع.

من المستحيل أن يلمح أحد في شارع ما في هذه الدنيا شرطيين يمتطيان دراجة نارية واحدة، أحدهما “يعبط” الآخر، وكأنهما عاشقان متيّمان، إلا في “أوتوستراد” المتحلق الجنوبي.

هل يصدق مثلاً رؤية شرطي سير يستند إلى سارية إشارة المرور، رافعاً قبعته إلى نصف رأسه، يمضغ “العلكة” بهدوء، وعلى فكّ واحد فقط، وحاملاً “موبايلاً”  من الطرز الحديثة، يتمتم فيه، وكأنه يغازل امرأته في زمن عزّ فيه مغازلة الزوجات.

لعله من عجائب الدنيا الألف أن يبصر شرطياً يفترش “حشيش” منصف الشارع، بجانب مشفى معروف جداً بدمشق، يأكل “صندويشة فلافل”، ويشرب شاياً من ضيافة صاحب بوفيه متنقلة على دراجة هوائية، مقابل أن يساعده ذلك الشرطي أوقات الذروة في تقديم الشاي و”الميلو” للأهالي الذين ينتظرون بلهفة عيادة أطفالهم، طبعاً لا أقصد هنا أبداً مشفى الأطفال.

أتحدى أن يرى أحد في العالم شرطي سير وقت البرد القارس يلف رأسه “بلحشة”، تبرز من ثناياها نظاراته الشمسية، ويعتمر قبعته فوق “اللحشة”، ليظهر وكأنه شخصية فضائية من وحي “سبيس تون”.

أهون ألف مرة أن لا يصنع السويسريون “شوكولاته”، من أن يشاهد شرطي سير في اليابان يدخن سيجارة من النوع “الديلوكس” أثناء قيامه بواجبه، أقصد بوظيفته!!

وهكذا، عشرات من هذه الأفلام الكرتونية المتحركة التي يمكن رصدها يومياً في شوارعنا، والتي كانت من الممكن أن تكون مادة دسمة للدكتور البجيرمي –رحمه الله- في برنامجه “طرائف من العالم”.

على مرّ التاريخ، كان شرطي السير مثالاً يُحتذى في الأداء، لا بل في الأناقة. ولن ينسى أحد السؤال التقليدي الذي كان يطرح علينا أثناء زمن كنا فيه أطفالاً في المدرسة الابتدائية، ماذا تريد أن تصبح في المستقبل؟، وكان الرد في معظم الأحيان أريد أن أصبح شرطياً.

ربما كانت مثل هذه الإجابة من أجل ركوب الدراجة النارية، إلا أن هذا لا يعني أن مهنة شرطي السير لم تكن جزءاً من الطموحات، والباقي من عندكم.

*أديب وكاتب.. وزير التعليم العالي السابق- سورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق