إضاءاتالعناوين الرئيسية

موت المكتبة .. أحمد علي هلال

…صحيفة الوسط – midline-news
.

 

ما يشبه الرثاء لأزمنة الكتاب/ الحلم، وفي تواتر يواسي حزناً دفيناً، ثمة من ذهب إلى إعلان موت مكتبة بعينها شكلت على الدوام ذاكرة ثقافية ومرجعاً خصباً لمثقفين على اختلاف اهتماماتهم، وعليه اُشتقت أسئلة كثيرة حفرت في الراهن الثقافي عميقاً، تُرى هل ولى زمن الكتاب بالضربة (الميديوية) القاضية؟!، كما زمن القراءة للكتاب الورقي ليحل الاستبدال الفادح، وبوجهين ماكرين: الاستهلاك والاستلاب!.

إذن ماذا يعني أن تغلق مكتبة نوبل الأشهر في دمشق أبوابها، وتودع قرائها في زمن مختلف يرى البعض فيه، أن الكتاب الورقي قد أصبح عبئاً وبالمعنى المادي، ربما كان ذلك صحيحاً ولكن من يعيد هيبة الكتاب إذا كان اغلاق مكتبة نوبل ليس الوحيد وليس الأخير، فقد سبقتها دار اليقظة العربية وميسلون وغيرها وغيرها..

قبل وقت بعيد، وفي سياق التندر قد يأتي من يقول بموت القارئ أيضاً، لكن بمعنى مختلف أي تغير عادات القراءة وأنماطها وأساليبها بفعل طغيان فضاءات السوشال ميديا، التي أزاحت الكتاب من الواجهة لتحل قراءات عابرة وسريعة في الفضاء الأزرق، وربما يحق  للبعض أن يتندر في هذا السياق (بشهيد المكتبة) الجاحظ حينما سقطت كتبه عليه وهو لم يغادر مكتبته حتى وفاته فهو الذي كان يتنفس حروفه ويتعاشق معها، ولكل بوحه المتاح في رحيل المكتبة تلك الذاكرة العميقة مع مثقفي دمشق وفنانيها ليكتبوا في إثر رحيلها ما يستبطن رحيل القراءة في أكثر من مجاز وغير مقام…

الكتاب هذا الكائن الحي المضارع لأزمنة النسيان، والذي شهد تبدلات الأزمنة كلها كما الأمكنة واحتداماتها تُواجه ذاكرته كل ذلك بأسى خفي لا يجهر به اصفرار الأوراق وصمت الكلام على مقصلة بائعي الكتب في الأسواق الخلفية، لكنها الأفكار لا ترحل البتة، بل تظل مؤسِسِة لأزمنة أخرى لا تعني سوى بناة الأرواح.
.


*كاتب وناقد فلسطيني – سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى