العناوين الرئيسيةحرف و لون

“من غير حلول” .. د.فاطمة اسبر

لوحة: عمر الفيومي

|| Midline-news || – الوسط
.

كنت جميلةً في مرآتي، لم تخذلني مرةً وأنا أنظر فيها كي أطمئن على تفاصيل وجهي وشعري وابتسامتي، ما تبقى كانت تؤكده لي عيناي، وعيون الذين ينظرون إليّ وهم يطيلون النظر وكأن عيونهم بحاجة إلى أيدٍ تشدهاً بعيداً عني وبخاصة عينيه الواسعتين والتي تبدو كل واحدة منها كأنها حضن صنع ليحضنني وحدي من بين فتيات الأرض.
الطاولة التي يجلس عليها في المقهى القريب الذي نستريح فيه بشُربِ فنجان قهوة أو شاي. وربما نستطيع الحصول على “ساندوش” من اللبنة أو الجبنة. كانت في الجانب المقابل تماماً للطاولة التي أجلس عليها مع صديقاتي أو وحدي في أحيان كثيرة، فقد كنت مهتمةً في تسجيل ما أفكر به بعيداً عن زحمة الرفقة، متخذةً موقف فتاة تريد أن تثبت للجميع أن المكان الذي تجلس فيه سيُنظٓرُ إليه كما لو أنه قطعة من السماء مسيجة بما يُبعد النوايا والظنون.
لم يطل الوقت بعد أن كانت عيناه تغمضان على وجودي، فقد اجتمعنا في بيت واحد وصارت عيناه مرآتي وسريري ودقائق الزمن الذي يعبر بابتسامة ولا أحلى..
مرت أيام جميلة، كثيرة، وفي يوم قال لي: ربما أتأخر قليلاً، لست متأكداً ! وفي اليوم التالي تأخر من دون أن يخبرني. صار يخرج من دون أن يخبر عن خروجه أو عودته. وفي غمرة من الحيرة الموجعة قلت: سأشرب فنجان قهوة في المقهى الذي احتضنتني فيه عيناه أول مرة، وأرضي حنيني للمكان الذي كتبت فيه جزءاً عن جموح الصبا.
لم أكترث للمرآة ولا لتفاصيل وجهي، ولم تنظر عيناي جسدي وملابسي لتؤكد لي شيئاً مما تراه.. وذهبت إلى المقهى تمشي إلى جانبي وتمسك بيدي أيام قطعت خيط الوصل بالحاضر واستقرت في الذاكرة. حين دخلت أول ماجذبني مكان جلوسه الذي رأيته فيه أول مرة، ولدهشتي، فقد رأيته يجلس في ذات المكان، وبشعور لا إرادي ذهبت عيناي إلى المكان الذي كنت أجلس فيه، ولم يخطئ قلبي، حين رأيت صبية صغيرة تتجه بين حين وآخر بنظراتها إليه، وعيناه تفرشان لها الأغطية.
تلاشت شهية القهوة والمكان.. فجأة لم أستطع الوقوف وخفت من السقوط ، لكنني خرجت قبل أن يلمحني، ومن حظي أنه كان مشغولاً بتوسيع مساحة عينيه وهو ينظر إليها.
عدتُ، وعاد، لم أسأله شيئا، ولم يخبرني شيئاً، بدا مشغولاً بأفكاره وأنا انشغلت بتخفيف ألم جرح يزداد نزيفه. قبل موعد خروجه في اليوم التالي ذهبت إلى المقهى وكان مكاني المألوف خالياً لم تشغله بعد، جلست فيه، لم يطل الوقت على مجيئه، وجلس في مكانه، لم أنظر إليه ولا إلى جهة جلوسه، لكن لابد أنه بحث عنها في مكاني، ولمحتها تقف في مدخل المقهى وتنظر إليّ، وحين استقرت على مضض في مكان بدا مزعجاً لها؛ طلبتُ فنجان قهوة وحين أنهيته خرجت من المقهى، وقفت قليلاً، ثم قليلاً، وتعددت مفارق الدروب أمامي.
.

*كاتبة وتشكيلية من سورية
*اللوحة للفنان التشكيلي عمر الفيومي- مصر

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى