العناوين الرئيسيةحرف و لون

من اعترافات دانتي.. محمد الترهوني

لوحة: شفاء سالم

|| Midline-news || – الوسط …
.

أحب ضوء الشموع في لوحات “جورج دي لاتور”، الشمعة التي تضيء وجه مريم المجدلية، أو تلك التي يذوب معها جسد السجين وزوجته تنظر إليه، الليل في لوحات “دي لا تور” لا يمثل الشر، بل يمثل الرؤى الشفافة والتأمل، الليل هو وقت الحزن، في الليل نجمة تتحدث إلى نجمة، يتلألأ الطريق الضيق إلى الذات، بعيداً عند تورم رأس النهار بسبب ضجيج سطوع الشمس، بعيداً عن إغراء الوضوح يجلس “دي لاتور” ليرسم الوجود الحي للأحلام، كل الاحتمالات التعبيرية للإضاءة الليلية نجدها في لوحات “دي لاتور” ،يتحدث عن الحياة اليومية في الليل، القراءة،الحفلات الموسيقية، الوحدة، الانتظار، الألم، مصدر الضوء دائما شمعة.
اللغة تسير في اتجاه الليل،الخيال الفني يسير في اتجاه الليل، الشعراء، الكتاب، الفنانون أكثر اهتماما بالليل من النهار. نحن نتحدث عن اليوم كأنه النهارفقط، الليل ليس له استقلالية ودائماً ما يتم نسيانه. عندما نتحدث عن اليوم، يبدأ اليوم مع شروق الشمس وينتهي مع غروبها، الإنسان يوقر تجارب النهار، أما تجارب الليل فهي بلا معنى بالنسبة له، الرسم، الكتابة، التأمل، الحب، التفكير في الحبيب. هذه التجارب الليلية بلا حركة، سكون الليل يرفض الحركة، في الليل هناك توق للخروج من الفوضى، الضوء يعيق مسار الأفكار، الليل يجعل الفنان يتصرف في العالم بهدوء، ضوء الشمعة تهزه نبضات قلب العاشق، تهزه تموجات الحلم القريب من اللهب. يقال إنّ أول أثر لشمعة وجد في أفينون في فرنسا، يعود تاريخ هذا الأثر إلى القرن الأول الميلادي، الرومان استخدموا شمع الفتيل.
“بليني” وصف الشمعة القديمة كمزيج من الأعشاب أو القصب والشحم المذاب، وفي بعض الأماكن زيت الزيتون يستخدم بدلا من الشحم. الإنسان أراد التعامل مع الليل، أراد أن يكون الليل جولة تأملية، الشمعة تضيء المنزل أو المعبد، الشمعة تضيء وجه مريم المجدلية، حزينة مثل الحياة جميلة مثل الموت، مريم ذات الشعر الفضفاض تجري خلف كلمات المسيح، بملابسها القرمزية تجلس على الأرض قرب قدميه،عندما دخلت المجدلية إلى بيت الفريسي الذي طلب من المسيح أن يأكل عنده، كان هناك فتيل وزيت يضيء وجه المسيح، أحضرت وعاء من الألم ووضعت فيه قدميه، غسلتها بدموعها وجففتها بشعر رأسها، عند قدميه يسقط النور حيث لا وجود للألم. في ضوء لهب الفتيل كان اللقاء الأول بين المجدلية والمسيح.
الفنان في لوحات “جورج دي لاتور” يعمل ضد الضوء، في النقطة التي لا يتمكن الضوء من الوصول إليها نجد تمجيد الضوء الخافت، عندما يكون الضوء قويا في اللوحة و من مصدر مركز تصبح الظلال أقل كثافة، الشمعة تحب الظلال وحركتها، في الظلال تستيقظ الروح وتجد كثافتها، جمال المجدلية ينبع من الظلام، اللهب يضع حولها هالة حمراء، ظلال طيات ثوبها تزيد من قوة جمال المشهد، رأسها منحنٍ إلى الأسفل لكن الظلال هي ما يُظهر الخضوع التام، الألوان تضعنا في النظام الليلي للصورة، الأدب أيضا يحب الليل، للكلمات المكتوبة نفس خيال الرسامين. بعض الذكريات لا تكتب، بل نستعيدها في شكل بصري للنظر إليها مرة أخرى، نعزل هذه الذكرى أو تلك ونضعها في إطار أمام نظرتنا المطلقة، لن تكون الإضاءة في هذه الذكريات ساطعة، شمعة واحدة تكفي لتذكر انتظار الغفران، فرحة المصالحة، لمعان الدمعة على خد الندم.

 

*مقتطف من رواية “اعترافات دانتي” للكاتب والناقد الليبي محمد الترهوني. صدرت بالأمس عن دار البيان للنشر والتوزيع والإعلان.
*(لوحة الغلاف للفنانة التشكيلية- شفاء سالم- ليبيا)

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق