العناوين الرئيسيةمقالات

“من أين تسللت تلك القوانين إلينا”؟! … بقلم: بسام العطري

|| Midline-news || – الوسط …

.

غاص في مقعده المقابل لطاولة مكتبي وقد أُسقط من يده تماماً، وعاودته حالة اليأس والغضب الأولى التي دخل بها عليّ، وسألني ثائراً: “أستاذ… حباً بالله أجبني من أين تأتون بهذه القوانين التي تتنافى مع العقل والمنطق والعلم؟! كيف للحمل أن يستمر سنة كاملة في رحم المرأة الحامل؟ ألم ينص قانون الأحوال الشخصية في المادة 128/ 3 على أنه: “أقل مدة الحمل مئة وثمانون يوماً وأكثرها ثلاثمئة وخمسة وستون يوماً” كما أخبروني في المحكمة، في حين أن العلم والطب ينفيان إمكانية استمرار الحمل لأكثر من نهاية الشهر التاسع ودخول الحامل في شهرها العاشر؟!

تنهدتُ تنهيدة أسى وحزن على حاله وحال أناس آخرين في حالات مشابهة وقعوا فريسة نصوص قانونية غريبة وشاذة تسللت إلى حياتنا في غفلة من عيون العلم والعلماء، وأنشبت براثنها في رقاب أمثاله من الضحايا، وأجبته: الحقيقة إن تلك قصة طويلة، سأروي فضولك للمعرفة فأرويها لك بالتفصيل…
أولاً يا عزيزي لا بد من أن أشير إلى أن هذا كله مستمد من بعض الفقه الإسلامي الذي رأى أن أقل مدة الحمل ستة أشهر استناداً لقوله تعالى في سورة الأحقاف: “وحمله وفصاله ثلاثون شهراً” ، وقوله تعالى في سورة البقرة: “والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة” ، فاستدلوا إلى أن الحمل والرضاع يمكن أن يكون ثلاثين شهراً (سنتين ونصف) فإذا كان الرضاع حولين (سنتين) كانت مدة الحمل في أقلها ستة أشهر.

والحقيقة أن رأي الطب في تحديد أقل فترة الحمل لا يبتعد عن رأي الفقه في ذلك، إلا أن الطب يؤكد أنه من النادر أن يعيش المولود لستة أشهر دون الاستعانة بالحواضن الطبية، وهو مولودٌ يسمى “خديجاً ” وهو قابل للحياة، لكنه يحتاج عناية طبية خاصة. لكن الخلاف الكبير وقع فيما بين الفقهاء أنفسهم من جهة وبين الأطباء من جهة أخرى وذلك في موضوع تحديد أكثر مدة الحمل، إذ أنه لم يرد نص يحددها في القرآن الكريم ولا في السنّة الصحيحة المتفق عليها، ولهذا تعددت آراء المجتهدين.

الإمام مالك حددها بأربع سنين، وأبو حنيفة حددها بسنتين، والظاهرية حددوها بتسعة أشهر. ويبقى الحديث عن المصادر التي استند إليها أولئك الفقهاء في تكوين آرائهم تلك –سواء اتفقنا معها أو اختلفنا- هو أمر شديد التعقيد! ولكني سأكتفي بالإشارة إلى رأي ابن حزم الأندلسي الذي قال: “لا يجوز أن تكون مدة الحمل أكثر من تسعة أشهر”… وانتقد الآراء المخالفة لذلك، وأبطل الأحاديث المروية التي يستند إليها أصحاب الرأي المخالف لرأيه لضعف تلك الأحاديث، وقال: “إن كل هذه الأخبار مكذوبة راجعة إلى من لا يصدق، ولا يُعرف من هو، ولا يجوز الحكم في دين الله بمثل هذا”.  وذكر حديثاً عن عمر بن الخطاب لا يرى الحمل أكثر من تسعة أشهر…

وبذلك فقد اختلف الفقهاء اختلافاً شديداً وكبيراً حول أطول فترة الحمل، إلا أننا نجد من قال منهم بأن أقصاها هو تسعة أشهر، وهو قول يتفق مع ما يقوله ويقرره العلم.  وكذلك الفقهاء المعاصرون مثل عبد الوهاب خلاّف ومصطفى الزرقا قالوا بما يقول الأطباء بأن أطول مدة الحمل تسعة أشهر واستدلوا بأن الأصل في هذه المسألة هي للعادة والتجربة… غير أن المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي في مؤتمره الرابع سنة 2012 المنعقد في مدينة جدة، رأى أن أكثر مدة الحمل هي سنة من تاريخ الفرقة بين الزوجين، وذلك لاستيعاب احتمال ما يقع من الخطأ في حساب الحمل، فإذا مات شخص عن معتدته الحامل ورث الحمل من أبيه إذا وُلد في مدة 365 يوماً على الأكثر من تاريخ الطلاق أو الوفاة، وكذلك يثبت نسبه من أبيه… وبهذا الرأي أخذ قانون الأحوال الشخصية السوري، وسار على هذا النهج الغريب مخالفاً بذلك رأي العلم والطب والعادة والتجربة والمعقول من قول الفقهاء والأئمة، وذلك منذ صدوره سنة 1953، مروراً بكل التعديلات التي طرأت عليه عبر كل تلك السنوات، وصولاً إلى التعديل الأخير سنة 2019، حيث تم تجاهل هذا النص الغريب تجاهلاً تاماً، ولم تمتد يد التعديل له كما كان ينبغي أن يحدث! ليبقى على ما هو عليه من غرائبية وعجائبية بانتظار تضافر جهود الغيورين من رجال القانون والطب والفعاليات المجتمعية، الذي يجب أن تتنادى لتعديل هذا النص وغيره من النصوص غير الملائمة.
.

*محام ومستشار قانوني- سوريا 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى