إضاءات

مكانة العجائبي في الإسلام .. فادي سهو ..

|| Midline-news || – الوسط …

 

لا تخلو ثقافات الشعوب من قصص أو حكايا ذات طابع أسطوري قائمة على الخيال الواسع غير الحقيقي، تجنح بعقولهم إلى عوالم خارقة للطبيعة وللعقل، وتضفي جمالًا على جوهر تلك القصص أو الحكايا، وخير مثال على هذا، قصّة ألف ليلة وليلة، مجهولة المؤلّف. وحكايات ألف ليلة وليلة رُميت في دائرة العقائد الخرافيّة، والأدب الشعبي، أيّ في مستوى متدنٍ من الفاعلية الثقافية الخاصّة بالأطفال والجدّات والعجائز والشعوب غير الواعية، وكذلك حكايات شارل بيرو “1628-1703” مصير ألف ليلة وليلة.

إنّ موقف رجال الدين المسلمين أو بعبارة أخرى العقل الديني التقليديّ أو ما يصفه محمّد أركون بالعقل اللاهوتي، يتّخذ موقفه من هذه الحكايا الشعبيّة لأنّ الفكر الإسلامي يفضّل التحدّث عن الأمور الإلهيّة أو نظام الله “الأمر” بواقعية أنطولوجيّة لا تنقض، والتي تتمثّل في عفو الله ورؤياه، وحكمته وقوّته، والوحي والمعجزات، والبعث والنشور والملائكة. فهذه الأمور تتجاوز حواسّ الإنسان وقدرته على استيعابها على الرغم من أنّها أمور حقيقيّة وصحيحة ودقيقة أكثر من الأشياء الماديّة والمعطيات الطبيعية التي يعيشها الإنسان.

يرى محمّد أركون أنّ العالِم القزويني (682-1283) تناول العجيبَ المدهش في كتابه عجائب المخلوقات، وقد أعطى التعريفات التالية :

قالوا العجيب حيرة تعرض للإنسان لقصوره عن معرفة سبب الشيء أو معرفة كيفيّة تأثيره فيه، مثاله أنّ الإنسان إذا رأى خليّة النحل ولم يكن شاهده قبل تعتريه حيرة لعدم معرفة فاعله. فلو عرف أنّه عمل النحل لتحيّر أيضًا من حيث أنّ ذلك الحيوان الضعيف كيف أحدث هذه المسدّسات متساوية الأضلاع، إنّما سقط في دائرة التعجّب منها الآن، بسبب كثرة المشاهدة.

أمّا الغريب، فكلّ أمر عجيب قليل الوقوع مخالف للعادات المعهودة والمشاهدات المألوفة. من ذلك معجزات الأنبياء، كانشقاق القمر، وانفلاق البحر، وانقلاب العصا ثعبانًا، وكون النار بردًا وسلامًا، وخروج الناقة من الصخرة الصمّاء، وإبراء الأكمه والأبرص، وإحياء الموتى بإذن الله.

نستنتج من كلام القزويني أنّ العقل البشري محدود لأنّ العقل كلّما ألحّ في التفكير لفهم الوجود أو العالم وظواهره ازدادت حيرته وشكّه، لكن هذه المحدوديّة تغني فكر المؤمن وتغذّي خياله ليستمتع ويلتذّ بتأمل الحكمة اللانهائية التي تسيّر النظام العجيب المدهش للكون والخلق. لكن هذا الاستنتاج يظلّ ضيّقًا ومحدودًا، كذلك لأنّه ينطبق على القرآن ولا ينطبق على العجيب المدهش في الأدب، أو استخلاصه من الكتابة الإبداعيّة، شعرًا ونثرًا.

فالقبض على العجيب المدهش هنا، أي في الأدب صعب المنال لأنّ الهدف الحقيقي للرحلة العجائبيّة هو الاستكشاف الأكثر  كلّيّة للحقيقة الكونيّة. وهذا ما حدّده “تزفيتان تودوروف” مع أنّ ترجمة كتاب تودوروف إلى العربية تأخر عشرين سنة، إذ كان ظهوره سنة 1994 إلّا أنّ الباحثين والنقّاد العرب استطاعوا أن يطّلعوا عليه بلغته الأصليّة، ولم يحتاجوا إلى ترجمة، وهذا ما خلق فوضى في استعمال المصطلح العربيّ الملائم، فكان بعض النقّاد العرب فيمن لا يتقنون لغة غير العربية الاكتفاء بما لديهم من دراسات عربيّة، لذلك نجد سبعة عشر  نظيرًا عربيًّا للدلالة على العجائبي “fantastic” وهي على التوالي، وبحسب نسبة شيوعها: العجائبي – الفانطاستيك – العجيب – الخارق – الوهمي – الاستيهامي – الخوارقي- الخيالي – الغرابة – الفانتازيا –الخرافة –الغريب – الغريب والمدهش – كتابة العجيب والغريب – اللا معقول.

يرى تودوروف أنّ العجائبي هو التردّد الذي يحسّه كائن لا يعرف غير القوانين الطبيعية فيما يواجه حدثًا فوق طبيعي حسب الظاهر.

ويضع تودوروف ثلاثة أركان لتحقق العجائبي:

  • أوّله أن تكون شخصيات النصّ أو اعتبار شخصيّات النص شخصيات حيّة، والتردّد بين تفسير طبيعي وتفسير فوق طبيعي للأحداث،
  • الثاني أنّه قد يكون التردّد محسوسًا من قبل شخصية داخل النص، كما هو محسوس من قبل المتلقّي.
  • والأخير هو إلحاح تودوروف على ضرورة استبعاد القراءة الرمزية أو الشعرية للنصّ العجائبي.

إذًا يؤكّد تودوروف على أنّ التفسير الرمزي لنصّ الفانتاستك مرفوض قطعًا شأنه في ذلك شأن التفسير الشعري فلا القراءة الرمزية ولا القراءة الشعرية تحققان الفانتاستك، فإذا كان ما نقرؤه يصف واقعة فوق طبيعية، وكان يتعيّن علينا مع ذلك ألّا نفهم الكلمات بالمعنى الحرفي، ولكن بمعنى آخر لا يحيل إلى أي شيء فوق طبيعي، فإنّه لم يعد يوجد مكان للعجائبي الفانتاستك، هذا ينطبق على الأدب ولكن ما دور العجائبي في الأدب؟ لماذا العجائبي في القرآن؟ وهل هناك عجائبي في القرآن؟!

يسلّم محمد أركون أن لمقولتي العجيب المدهش والخارق للطبيعة بعدًا أنثروبولوجي أي أناسيّا كونيًّا لا تخلو منه أي ثقافة تماما كالبعد العقلاني والواقعي الطبيعي. لذلك فإنّ لذينك المقولتين وظائف معرفية ونفسانية-اجتماعية، متغيّرة بتغيّر الظروف التاريخيّة والبيئات الثقافية.

يقول أركون: إنّ القرآن لغة دينية شفهية عبادية تلاوية، ويقصد باللغة الدينية مجمل التجلّيات المعبّرة عن الروح الدينية من حركات يدوية، وكلمات، وشعائر. ثمّ لاحقًا النصوص المكتوبة التي تعبّر بواسطتها عن علاقتها المطلقة بالمطلق الأعظم التي تعيشه وتخون هذه العلاقة أيضا.

لا يغفل محمد أركون أنّ النبي محمد عليه السلام قد أمر بتدوين بعض الآيات كتابة في حياته وأنّه بعد بضع سنوات من موته، راح الخليفة الثالث عثمان بن عفان يشكّل نسخة رسمية للوحي “المصحف” لكن هذا المصحف ما انفكّ يمارس دوره بصورة كاملة وكلّيّة لا تتجزّأ، أي كنصّ مكتوب.

يقول أركون: نلاحظ أنّ قارئ النص يعوّض عن ضياع المعنى الناتج من الانتقال من مرحلة الشفاهية إلى مرحلة الكتابية بواسطة خضوعه للعبارات الشعائرية وغيرها.

رفض المسلمون معاملة القرآن كمجرّد وثيقة تاريخية وأدبية لأنّهم يعبّرون يوميًّا عبر التعبّد به وتلاوته عن القيمة العليا المقدّسة.

*روائي وأكاديمي سوري.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى