إضاءاتالعناوين الرئيسية

مقطع فيديو.. د.محمد عامر المارديني

|| Midline-news || – الوسط …

 

في أحدِ أيّام الصيفِ الفائتِ، تلقّيتُ وسطَ ما يصلُني كلَّ يومٍ على هاتفي المحمولِ من فيديوهاتٍ مقطعاً استرعى انتباهي يصوّرُ سائقَ سيّارةٍ يقودُ بمحاذاةِ غابةٍ كثيفةِ الأشجارِ ممتدّةٍ على طولِ طريقٍ فرعيّةٍ تبدو أنّها في بلدٍ أوروبيّ. يُظهرُ الفيديو السيّارة وهي تتوقّفُ على اليمين ليترجّلَ منها شخصُ بجانب السّائقِ، ويرميَ بعضَ القمامةِ على قارعةِ الطريق غيرَ عابئٍ بطهرِ وجمالِ تلك الغابةِ الغنّاء.ما هيَ إلّا ثوانٍ معدودةٌ وإذ بسائقِ سيّارةٍ أخرى تعبر خلفَ تلك المذكورة، ينزلُ ويجمعُ القاذوراتِ وهو يصرخ ويستشيطُ غضباً ويقذفُ بها في وجهِ ذلك الرجلِ الذي رماها، وأخرجَ مسرعاً محمولَه، وصوّرَ لوحةَ السيّارة بغيةَ تقديمِ شكوىً – على ما يبدو- إلى الجهاتِ المختصّةِ.
تركَ ذاكَ المشهدُ أثراً بالغاً في نفسي، وحزنتُ على الحال التي آلت إليها شامُنا الحبيبةُ جرّاءَ عدمِ احترامِ الأعمِّ الأغلبِ من سكّانها لمعاييرِ النظافةِ في شوارعها وحدائقِها ومؤسساتها الرسميّة. وساءلت نفسي : إلى متى سنظلُّ هكذا غيرَ مبالينَ بمظهرِ بلدنا الحضاريِّ ؟ ومتى سنشهدُ زمناً يتحمّلُ فيه كلُّ فردٍ منّا مسؤوليّتَه ويتحلّى بحسِّهِ الوطنيِّ ويحاسبُ نفسَه بضميرٍ رادعٍ قبلَ أن يُحاسَبَ؟ وكيفَ لنا أن نُلقيَ باللومِ و جميعِ الأعباء على عاتقِ الدّولةِ ؟ لاشكَّ أنَّ الحفاظَ على النظافةِ العامّةِ ثقافةٌ يجبُ أن يتعلّمَها الإنسانُ ويكتسبَها من محيطِه منذُ نعومةِ أظفارهِ ضمنَ مجموعةِ القيمِ والفضائلِ التي لا يختلفُ اثنان على أولويّتها في كلِّ المجتمعاتِ كالغذاءِ والدواء والتعليم تماماً، وذلكَ من أجلِ خلقِ أجيالٍ تعي مالَها وما عليها في آنٍ معاً، وتدرك أنَّ مدينتا الأعرقَ في التاريخُ جديرةٌ بأن نحافظَ عليها ونرتقيَ بها. أيامٌ مضت، وبينما كنت أقود سيّارتي في حيِّ “أبو رمّانة” الراقي، في الشّارعِ الممتدِّ من قصرِ الضيافةِ وصولاً إلى ساحة المالكي، توقفتُ على الإشارة الضوئيّةِ الحمراءِ ومعي بضعُ سيّاراتٍ أخرى في رتلٍ طويلٍ ، ورحتُ أتأمّلُ ما يدور حولي مديراً المذياعَ على بعضِ الموسيقا ريثما يضيءُ الضوءُ الأخضرُ، وإذ بي أرى أصابعَ أنثويّةً تزيّنُها الخواتمُ تخرجُ من نافذةِ السيارة التي بجانبي وتُلقي بعلبةٍ كرتونيّةٍ هي أشبهُ بعلبِ الوجبات الجاهزة، لتتبعثرَ معها أكياسٌ صغيرة ومناديلُ ورقيةٌ هنا وهناك، على أرضِ ذلك الشارع المفترضُ أنه من أجملِ وأبهى شوارع دمشقَ ! تنامت إلى ذهني مشاهدُ ذلك الفيديو آنفِ الذكرِ ، وقلتُ في نفسي : ماذا لو نبّهتُ تلك السيّدةَ بأسلوبٍ دمثٍ إلى فداحةِ ما قامت به، علّها تتفادى تكرارَهُ ؟ واللهِ إنّ هذا منّي لأضعفُ الإيمان. نزلتُ من سيّارتي بلحظةٍ، ودنوتُ من نافذةِ تلك المركبةِ لأجدَ سيّدةً كهلةً تبدو في العقدِ السابعِ من العمرِ، وأشرتُ إليها بيدي إلى القمامةِ المرمِيّةِ على الطريقِ بشكلٍ مقزِّزٍ، وانحنيتُ لأرفعَ تلك النفاياتِ وأضعَها في الحاويةِ المخصَّصةِ لتلك الأغراض والمركونةِ قريباً من حيثُ كنتُ. ابتسمتِ السيّدةُ في وجهي قائلةً:”الله يعطيك العافية ياعين خالتك، ثم التفتت إلى الشابٍّ الذي يقود سيارتها بالقول:”تقبرني ياروح ستك عطيني علبتك الفاضية خلّي هالزلمة يكبْها”. قال الشاب :”لا والله يا تيتة لسّا ما خلصت”. التفتت إليَّ قائلةً:” روح يا ابني.. الله يعطيك العافية، ما في شي للكبْ، تسلمْ إيديك”. عدتُ إلى سيّارتي أغالبُ بصعوبةٍ الضحكَ عالياً على هذا المشهد الكوميديِّ المضحك المبكي، وهمستُ في سرّي: “عوجة ! فالج لا تعالج!”

 

*أديب وكاتب.. وزير التعليم العالي السابق- سورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق