إضاءاتالعناوين الرئيسية

“مقتل حمار في ظروف غامضة”.. د.محمد عامر المارديني

|| Midline-news || – الوسط …

.

يحكى أن قريةً نائيةً بعيدةً عن صخبِ المدينة وازدحامِ الطُّرقاتِ، ذاعَ صيتُها بوجودِ سلالةِ حميرٍ من نوعٍ نادر على أرضها، وقد امتازَتِ السلالةُ بأنّها جميلةُ المنظر، متعدّدةُ الألوانِ ، ذاتُ رؤوسٍ كبيرة وعيونٍ واسعة، لها حوافرُ صغيرة وآذانٌ صغيرة وأذيالٌ طويلة تنتهي بخصلاتِ شعر سوداء.   استطاعت هذه الحميرُ الجميلةُ أن تجذبَ الناسَ ليأتوا من كلِّ حدب وصوبٍ  ويركبوها أو يلتقطوا معها الصورَ التذكاريةَ وربّما في بعض الأحايينِ ليشتروا صغارَ الجحاش. ولقد أثرى أصحابُ هذه الحمير كثيراً ،حيث لم يبقَ بيتٌ في تلك القرية إلا ومارسَ هذه التجارةَ السياحيّةَ، وكسبَ المال كسباً جمّاً  أثمانَ صورٍ تُلتقَط مع الحميرِ خاصّتِه أو حتى لمجرّد الوقوف قبالتها ومشاهدتِها وإطعامِها الشعيرَ ،أما الجحاشُ فكانت تُباعُ بمبالغَ طائلةٍ . لكن واحداً فقط من أهل القرية لم يوفَّق باقتناءِ حمار، لا من هذه السلالةِ النادرة ولا من غيرها، فبقي فقيراً عاجزاً عن تأمين قوتِ يومه ما جعله بائساً يتحسّرُ وهو يشاهدُ مئاتِ الزّوارِ يتدفّقون كلّ يوم لمشاهدة الحمير كما يتدفَّق السيَّاحُ إلى المعالمِ السياحيّة المشهورة في أرجاءِ الأرض.
قال الفقير في نفسه: ماذا عليَّ أن أفعل؟؟ لابدَّ لي من تأمين حمارٍ وإلا نالَ مني الفقرُ والعَوزُ وقد أموتُ جوعاً. وحاول المسكينُ أن يستعطفَ جيرانَه فرداً فرداً كي يستعيرَ منهم حماراً من حميرهم أو جحشاً من جحاشِهم، أو حتّى أن يستدينَ منهم بعضَ المالِ ليشتريَ حماراً جميلاً لكنّ محاولاتِه باءت بالفشلِ الذّريعِ. وذاتَ مساءٍ وفي طريقِ عودته خائباً مكسورَ الخاطرِ، وقبل أن يستسلمَ لمصيرِه ، توقّفَ عند أحد الجيران من مَلّاكِي تلك الحميرِ الجميلة وأخذ يبكي ويستعطفُه أن يعيرَه حماراً من حميره. نظر إليه الجارُ وقد رقَّ قلبه ورأفَ بحالهِ قائلاً: حسناً لدي حمارٌ مريض، قد استفحلَ به الجرَبُ واستباحَ جسدَه، فأصبح قميءَ الوجه وجسمُهُ صار مرتعاً للحشراتِ على مختلِفِ صنوفِها ، كما أنّه لا يفيدُني بشيءٍ بل يأكلُ من الشّعيرِ الذي آتيهِ به على نفَقتي وقد عزلتُه عن باقي الحمير. يمكنك أخذُه إن شئتَ فقد كنتُ عازماً على قتله برصاصة في الرّأس للتخلّص من مصروفه. قال صاحبُنا المسكينُ : حسناً سأتوكل على الله وآخذه. وسحبه من رسنِه متوجّهاً به إلى بيته. وفي الطّريقِ توقّف يرتاحُ إلى جانبِ شجرةٍ كبيرةٍ ، و راحَ يلومُ نفسَه بالقول : ماذا فعلتُ بنفسي؟ كيف آخذُ حماراً هرماً مريضاً بشعاً؟ من سينظر إليه؟ ومن سيدفعُ لي مقابلَ التمعُّن في جمالِ طلعتِه!!؟ من أين لي أن أحضرَ له طعاماً؟ فأنا بالكادِ أجلبُ الطعامَ لنفسي. ثم نظر إلى الحمار وصار يكلّمُه : لقد جنيتُ على نفسي باقتنائك، ولعلّه لا حلَّ أبداً لهذه المعضلة إلّا قتلُك أيُّها الحمارُ. وما إن أنهى جملتَه الأخيرةَ حتى نهقَ الحمارُ نهقةً عاليةً لينخرطَ على إثرها بالبكاءِ مريراً ، وشرَعَت عيناه تذرفانِ الدّموعَ  مدراراً. دُهشَ الفقيرُ لبكاء الحمار، وقال في نفسه: أمعقولٌ أن يكونَ قد سمعني؟ لا لا   لا أعتقد لكن ؛  فلأجرّبْ مرّةً أخرى وأرَ إن كان سيفهمُ ما أقول. نظر إلى الحمار وقال له: ههههه، هل صدَّقتَ يا مجنون ؟ كنت أمزحُ معك ، هل جُنِنتُ لأقتلَك؟ سنصبحُ صديقَين ،  وسأداويك من الجرَب. وما إن أنهى كلامَه حتّى انفرجَت أساريرُ الحمارِ وأخذَ ينهق ضاحكاً فرِحاً بما سمع.  تعجَّب الرّجلُ أيّما تعجُّبٍ من ردّ فعلِ الحمار، وأدركَ أنَّ سراً ما يختبيءُ وراءه، فقرّرَ ألّا يبوحَ بالأمرِ لأحدٍ، وعقدَ العزمَ على معاملة الحمار معاملة إنسانيةً وكأنّه فردٌ من عائلته،ومداواتِه من كلِّ عِللهِ حتّى يبرأَ تماماً. وبعد أيامٍ عادَ الحمارُ سليماً معافىً مكتنزَ العضلاتِ ،   لن يعرفَه حتى صاحبه الذي فرَّط فيه. ولاحظَ صاحبهُ الجديدُ أنّ ذكاءَه كان استثنائياً وخارقاً ،فقد كان يهزّ برأسِه من أعلى إلى أسفل عندما يريدُ الإجابةَ بنعم عن سؤال يُسألهُ ، ويهزّ برأسه إلى اليمينِ ثم إلى الشمالِ إذا كان جوابه نفياً ، وكان يستطيع الحسابَ بطريقة عجيبةٍ، كما أنّه يبكي عند سماعِه القصصَ المحزنةَ ، ويضحكُ فرحاً بالقصصِ المبهِجةِ .
بعد مرور قرابةِ شهرٍ على تعافي الحمارِ قادهُ صاحبهُ إلى السّوقِ، ولكن لم يبادرْ أيٌّ من الزّوَّار إلى الدّنوِّ منه،أو إبداءِ الرَّغبةِ في التقاطِ صورةٍ معه أو رَكوبِه و إطعامِه ، فصحيحٌ أنَّ صحتَّه رُدَّت إليه إلا أنه لم يكن بالحمارِ جذّابِ الطّلعةِ كسائرِ أقرانهِ في القرية. وبالصدفةِ مرّ أحدُ الصِبيَةِ الذين أتَوا برفقةِ ذَويهم بالقربِ من الحمار ، فتوقّف لبرهةٍ بعد أن استرعاه منظرُ عينيه الوادعتين فخاطبه ممازحاً : كأنّكَ جائعٌ أيّها الحمار ؟ لم يصدّقِ الولدُ ما رأى بأمِّ العينِ، فقد هزَّ الحمارُ رأسَه بالنّفي،   فعاد يسألُه: هل أطعمُكَ مما لديَّ من الحلوى؟ فهزّ الحمار رأسَه بالإيجاب. لم يتمالكِ الصبيُّ نفسه من الضّحكِ سروراً بتصرُّفِ الحمار، فأخذ من جيبِ معطفه قطعةَ حلوى وقرَّبها من فمِ الحمار فتلقَّفَها فوراً بلسانه. جنَّ جنونُ الولد، فتوارى بعيداً من أبويه ليناديَ أصدقاءه. تجمّع الفِتيةُ قربَ الحمار وبدؤوا يتحدّثون إليه. قال صاحب الحمار : لن أسمحَ لكم من الآن فصاعداً بالحديث مع حماري إلا إذا نقدتُموني أجرةَ المشاهدة نفسِها التي تدفعونها لالتقاطِ الصور مع الحمير الجميلة. وبالفعل صار الأولاد يأخذون النقودَ من أهليهم ويأتون بها إلى صاحب الحمار لقاءَ الحديث معه. قال أحدُهم يسأل الحمار: طيب أيها الحمار الذكي، ما مجموع ثلاثة زائد ثلاثة؟ هزّ الحمارُ رأسه ستَّ مرّاتٍ . ذُهل الأولاد ممّا رأَوا ، حمارٌ يستطيعُ الحساب؟ إنها حقاً لمعجزةٌ!  سألَ ولدٌ آخرُ:   طيب ثلاثة ضرب واحد كم؟  فكّرَ الحمارُ لبرهةٍ ثم أخذ يهزُّ ذيله ثلاثَ مرّات. تقدّمَ أحدُ الأولاد من الحمارِ وسأله: يا حماري العزيز أين ذيلُك؟ هشّ الحمارُ بذيلِه على الفور ، قال له: أين أذنُك؟ فحرَّك إحدى أذنيه. هلّا حرّكتَ الآنَ لنا أذنيك معاً؟ فهزَّ الاثنتَين. دُهشَ الجميعُ من ذكاء هذا الحمار وما لبثَ أن صار حديثَ القُرى، والشغلَ الشاغلَ للكبيرِ والصغيرِ في جميعِ الأمصار، وأغدِقتِ الأموالُ على صاحبه كالسّيل، وتركَ جميع زوار القرية الحميرَ الجميلةَ ، وراحوا يتهافتونَ على المجيءِ إلى القريةِ بالألوفِ ،محدِثين صخباً وضوضاءَ لكثرةِ المركباتِ والحافلاتِ الآتيةِ يوميّاً ،وكلُّ ذلك بغيةَ مشاهدةِ ذلك الحمارِ الذكيِّ ومعرفةِ تنبُّؤاتِه في كلّ ما يخطر في بالهم سواءٌ في التحليلاتِ السياسيّة أو الاقتصاديّة أو معرفةِ أحوالِ المجتمع ، وغيرها الكثير. لم يرُق أهلَ القرية هذا الوضعُ الجديدُ ،فقد ضاقت ذاتُ يدِهم و حاروا في أمر ذلك الحمارِ ،ولم يعرفوا كيف يتعاملون مع هذا الواقعِ المستجدّ، فقصَدوا المختارَ للمشورة وطلب النُّصحِ. وبعد اجتماعهم لساعاتٍ قرَّروا أنّه يجبُ التخلّصُ من الحمارِ كي يعيشوا بأمان، وتعودَ قريتُهم تنعمُ بالرّخاءِ والرّضا مع حميرِهم الجميلة. وبسرعة البرق تطوَّع أصحابُ الحمير للتخطيطِ لقتلِ الحمار الفهيم،وبالفعل اشترَوا كيساً من الشعير ووضعوا فيه عشراتٍ من العقاربِ السّوداء شديدةِ السُّمِّيَّة وجاؤوا بها ليلاً خفيةً إلى الحظيرةِ و ربطوا كيسَ الشّعيرِ برأس الحمارِ فلدَغَتهُ العقاربُ وماتَ على الفور، مع أن صاحبَه حاول أن ينقذَه بعد أن سمع نهيقَه وبكاءه من شدّةٍ الألم فلدغته العقاربُ هو أيضاً فخرَّ صريعاً. وفي اليومِ التالي ،صدرَت طبعاتُ الصّحفِ المحليّة كلِّها يتصدَّرُها عنوانٌ رئيسٌ عريضٌ : “مقتلُ حمارٍ في ظروفٍ غامضة”.

.

*أديب وكاتب.. وزير التعليم  العالي السابق- سورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق