إضاءاتالعناوين الرئيسية

معطف نجيب محفوظ .. أحمد علي هلال

|| Midline-news || – الوسط …

 

تتداول أوساط ثقافية اليوم –محاولة استعادة نجيب محفوظ- قصة ذلك المعطف الذي كادت أن تأكله الحشرات، ذلك المعطف الذي ارتاح على كتف نجيب الرواية العربية نجيب محفوظ، واُستدرك الأمر في حينه وفي سياقه، ولنذهب أبعد من ذلك قليلاً متكئين على فكرة المعطف، وسيذهب أحدنا إلى استدعاء معطف غوغول، لكن معطف غوغول لم يكن إلا مجازاً فحسب، ليشي بأجيال إبداعية تواترت ثقافتها على نحو أو آخر، أي أنها أشبه بمن خرج من معطف متأثراً أو محاكياً، أما معطف غوغول العمل الأدبي الناجز فله شأن آخر، ما يحيلنا في هذا السياق، أي باستدعاء كلا المعطفين لتأويل الإبداع وحساسية أجياله، سواء ما كان منها إعادة إنتاج لحساسية قديمة، أم من ذهب منها إلى ما يمكن تسميته اصطلاحاً بالحساسية الجديدة، التي كُتبت عبر النوعية والإبداع عبر النوعية لطالما كان هاجس الأدبي والروائي الراحل إدوارد الخراط صاحب غير علامة إبداعية حفرت في الأنساق الكتابية ومضمراتها، وأحالت إلى استلهام الأساطير روائياً وإبداعياً.

ما المعنى هنا في أن تخرج من معطف أو آخر؟، ولعلنا في إثر ذلك المعنى المرصود وصولاً إلى النص المرصود كحقيقة إبداعية غير مكتفية، هي أن لا تُقلّد عبر المحاكاة كي لا تذهب إلى فكر النمط وتهافته في الوعي الثقافي والمجتمعي، إنما يحدث أن تُكسر الأنماط بتمرد محسوب من أجل قيم التجاوز والمغايرة، تلك التي تشي بحقيقة الإبداع، إذ لا حقيقة كاملة هنا وإنما مشروع ينفتح بقدر محسوب من التجربة، ذلك أن كتابة التجربة هي المدخل لتجربة الكتابة، وهذا المدخل سيتضح في استقراء ما تواضعنا عليه بالقول بالحساسيات الجديدة التي لا تشبه إلا ذاتها، وبالتالي من التبسيط بمكان أن يُقال مواربة جيل بلا آباء، أو انتهاء الذائقة عند اسم بعينه أنجز واكتفى، فالمعول عليه إذن هنا هو معيار الخصوصية التي تُشتق من تجربة أجيال الكتابة الجديدة، والتي تنفتح على المعاصرة بحركية رؤيتها، على ألا تكون هذه الرؤية انقطاعاً أو انغلاقاً، بل امتداداً يجذر الأصول ليدفع بالشجرة الممكنة إلى فضاءاتها الواسعة ولو طاولت الغيوم، لكن الفيصل والشاهد هنا هو تعليل الثقافة الناظمة لمجمل الأداءات الإبداعية على اختلافها اجناسياً وبمديات تأثيرها في الوعي والذائقة، بمعنى أدق لا نص بلا ثقافة، إذ النص هو تشكيل لهذه الثقافة يجهر بها قيمة ورؤية وإنجازاً على نحو يجعلنا نذهب إلى الفارق في النتاجات والآثار الأدبية التي تهجس بالتراسل والتحاور في سياقاتها اللغوية والبنيوية والفنية، وصولاً إلى موضوعاتها/ ثيماتها بقدر من الاختلاف أو التماثل.

كيف لنا أن نفهم التأثر والمحاكاة ونحن نفحص صوت الشاعر والأصوات السابقة عليه؟ صحيح أن النقد الحديث تحدث عن ذلك وعلى لسان ديفيد هيوم، أي قلق التأثير وحين صك الفيلسوف الاسكتلندي هذا المصطلح كان ذلك استبطاناً للأصوات العابرة في الأصوات، أو معاناة المبدع كيف يتخلص من الصوت السابق على صوته، لكن ذلك سيعني تالياً فضاءً آخر للمبدع من أن يحاور ذلك الصوت ليتخطاه ولا يعيد إنتاجه بالضرورة لأن ذلك الصوت كان ذو سياق تاريخي بعينه، حتمته ضرورات معرفية، ولنُذكّر هنا فقط بناقد دعا كتاباً لتأليف قصيدة ليرى تأثير الشعراء السابقين عليهم، أما العلامة فلم تُمنح إلا لمن استطاع تجاوز هذا الصوت بقدرته على الاستشراف والتجاوز دون الوقوع في وهم النص الصافي، لأن النص الصافي هو نص إشكالي بامتياز، ولنا أن نتساءل في دلالة الحساسية وبنيتها الفكرية، هل ستولد حساسيات أخرى دون أن تنغلق على ذاتها، ليصبح المبدع بما يكتب مؤسساً للمبادئ جديدة يقوم عليها النقد والفكر النقدي بآن معاً.

 

*كاتب وناقد فلسطيني- سورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق