إضاءاتالعناوين الرئيسية

مذكّرة تفاهم .. د.محمد عامر المارديني

|| Midline-news || – الوسط…

.

 كانتِ الساعة الواحدة صباحاً من أحدِ أيّام صيف عام 2007 عندما أعلنت إذاعةُ مطارِ دمشقَ الدوليِّ عن وصول الطائرة التي تُقِلُّ رئيسَ جامعة ماربورغ الألمانية في زيارةٍ إلى جامعة دمشق بهدفِ توقيع مذكّرةِ تفاهمٍ حول تعزيزِ العلاقات العلميّة والثقافيّة بين الجامعتين.

وقد كلّفَني حينَذاك رئيسُ الجامعة باستقبالِ الضّيف في المطار باعتباري نائبَه، وكذلك لأنّي أجيدُ اللغةَ الألمانيّة. وقفتُ عند بوّابةِ الخروجِ أستطلع القادمين، يرافقُني مديرُ العلاقات العامّة في الجامعة الذي حملَ لوحةً كرتونيّة تعريفيّة باسم الزائرِ الضّيفِ، وما هي إلا دقائقُ حتّى أقبلَ باتّجاهِنا مبتسِماً يعرِّفنا بنفسِه، سلّمتُ عليه بحرارةٍ مرحِّباً به وعرّفته أيضاً بنفسي. لقد كان القلقُ الذي يعتريه واضحاً، كونه يسافرُ لأوّلِ مرّةٍ في حياتِه إلى بلد عربيٍّ كما ذكر لنا لاحقاً، فقد كان يسيرُ بحذرٍ، متلفِّتاً يمنةً ويسرةً كأنّه يخشى أحداً يلاحقُه، كما أنّه رفضَ أن نحملَ له حقيبتَه، قابِضاً عليها بشدّة وكأنّها تحتوي عملةً مزوَّرة.

أنهينا جميعَ الأمور المتعلِّقة بمغادرتِنا المطارَ وركبنا معاً في السيّارة المخصّصةِ لمراسمِ الجامعة، وانطلقنا ننشدُ فندقَ الشيراتون المتّكئَ على ساحة الأمويّين . وفي طريق المطار كان المنظرُ مذهِلاً، إذ افترشَ المئاتُ من العائلات وسطَ وجانبَي الطريقِ الطويلِ من المطار إلى المدينة بعد ما أخذَ منهم حرُّ الصيف كلَّ مأخذ، فازداد صاحبُنا توجُّساً وخيفةً لدى رؤيتِه مشهدَ الجالسين تحت ضوء النجوم يأكلون ويشربون، أو يدخّنون النرجيلة، والأطفالَ يتراكضون أو يلعبون بالريشة الطائرةِ أو بالكرة التي كانت تسقطُ أحياناً في عرض الشارع، فيسرع هؤلاءِ لالتقاطِها بين السياراتِ التي كانت تتحرّكُ ببطءٍ بالغ نظراً للازدحام الشّديد. سألَني الضيفُ مندهشاً : لمَ كلُّ هذا الازدحامِ وقد أوشكَ الفجرُ أن يبزغَ؟ فكّرتُ للحظات بماذا أبرِّر له ، ثم قلتُ له مناوراً : إنها بيكنيك (أي نزهة). قال: أوَ لهذا الوقت يطول أمدُ النزُهاتِ العائليّة مع الصغار؟ ألا يُفترض أن يكون الأطفالُ في أسرَّتهم نائمين منذ ساعاتٍ!؟ قلت له: معك كلُّ الحق، لكن اعذرهم إنّهم الآن في العطلة الصيفيّة. همهَم الضيف وقد بدا عليه التعجّبُ وعدمُ الاقتناع بما قلت. وصلنا أخيراً إلى منطقة باب الجابية المكتظّة أساساً بمُريدي الأسواقِ ومحالِّ الأطعمة لتقفَ السياراتُ هناك عشراتِ المرّات، يعيقُ سيرَها جموعُ المشاة الذين يعبرون الشارعَ من اليمين إلى اليسار وبالعكس، وإذ بالضيف الألمانيّ يرتجف ويشدّ حزامَ الأمان الذي ربطه مذ صعد إلى السيّارةِ بكلتا يديه.
قلت له : كأنّكَ خائفٌ سيادةَ الرّئيس؟ لمَ كلُّ هذا التشنّجِ؟؟ قال: لا أصدّقُ كيف تملأ هذه الفوضى شوارعَكم، و بالرّغم من ذلك فإنّي لا أرى حوادثَ سير تُذكر. لكن ما إن مَرَّت ثوانٍ إذا به يشير إليَّ بطرفِ عينِه أن انظر ماذا يوجد خارجَ السيارة، نظرت فإذا بولدٍ صغير يركب دراجة هوائيةً ممسكاً بطرف سيارة نقلٍ سوزوكي، رافعاً كلتا قدمَيه عن الدوّاستين، واضعاً إيّاهما على المقود، تاركاً السيارةَ تجرُّهُ وهو في قمّةِ السّعادة. قلت للضيف وأنا أضحك: عادي،لعلّه في تحدٍّ بهلوانيٍّ مع أصدقائه، ويراهنُ أنّه قادر أن يفعلَ مثلَ هذا التمرين. تمتمَ الضيفُ بكلمات غيرِ مفهومةٍ، ثم أغمضَ عينيه مرتعداً من الهلع. وصلنا أخيراً إلى فندق شيراتون دمشق فجلسنا نحتسي القهوةَ منتظرين انتهاءَ إجراءاتِ حجز الغرفة، ثمّ غادَرنا بعد وعدٍ على اللقاء في الصّباح التالي، كي نذهبَ إلى الجامعة حيث الاجتماعُ المقرَّرُ برئيسِها. عدتُ إليه صباحاً لأصطحبَه بسيارتي، وبدأت أسأله عن ليلته الأولى في الفندق.
قال لي: كان كلّ شيء على ما يرام، حتّى أغمضتُ عينيّ مستسلِماً للنوم بعد سفري المنهكِ، ليوقظَني عند الفجر صياحٌ غيرُ شجيِّ عبر الميكروفون دام بضعَ دقائقَ، وخطفَ النومَ من جفوني وبثَّ الذعرَ في نفسي! ضحكت في سِرِّي، وأدركتُ أنه أذانُ الفجر من المسجدِ الملاصق للفندق. قلت له: لا عليك، إنه نداءٌ إلى الصلاة. وشرحت له أنّه تقليد قديمٌ يمارَس في جميع البلاد الإسلاميّة، وليس في دمشقَ فحسب، ليقوم المسلمون لأداءِ الصّلاة إمّا في المسجد أو في منازلهم. قال لي: ولمَ لا تدخل التكنولوجيا إلى هذه التقاليد، إنَّ العالمَ يتغيّرُ، ولا بدّ من التحديثِ والتطوير في هذا المنحى. قلت له: وكيف يمكن ذلك برأيك؟ قال: كم هو عدد المصلّين الذين يرتادون المسجد كلّ صباح؟؟ قلت له: لا أعرف بالضبط، لكنني لا أتوقّعُ أن يكون العددُ كبيراً، ربما هم خمسةُ أو ستّةُ أشخاص على الأكثر، لأنّ المنطقةَ هنا ليس فيها أبنيةٌ سكنية متاخِمةٌ للمسجد، ولا يجاورُه سوى هذا الفندق الذي يستضيفُك الآن . قال: طيب، ما دام الأمرُ كذلك لمَ لا يأخذُ المؤذن أرقامَ هواتف هؤلاء المصلّين ويتّصلُ بهم بدلاً من دعوتِهم على الميكروفون؟؟
ضحكتُ من اقتراحِه حتى دمعَت عيناي وقلت له: من المؤكّد أن المؤذنَ لا يملكُ ثمن هاتف محمول، وكذلك معظمُ المصلّين. وقلت في نفسي : لعلَّ المؤذّنَ كله غيرُ موجودٍ، وأنّ صوته حاضرٌ عبرَ جهازِ التسجيل ومكبّراتِ الصوتِ فقط؟!؟ عاد الضيف ليضحكَ معي مجاملاً ثم قال: طيب ، إن أراد أحدٌ أن يؤذّن فليكن صوتُه شجيّاً على الأقلّ! لا كهذا الذي أرعبَني بصوته النشاز ! قلت له ممازحاً : لا عليك، سندوّنُ اقتراحَك هذا في مذكّرةِ التفاهم التي ستوقّعونَها اليوم مع رئيس جامعتِنا. أمّا الآن فلنذهبْ …!!!
.

*أديب وكاتب.. وزير التعليم العالي السابق- سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى