العناوين الرئيسيةدراسات وأبحاث

محمود محمد طه .. الأفكار أعلى من أعواد المشانق .. نجيب البكوشي ..

الجزء الثاني ..

|| Midline-news || – الوسط …

 

في العاشر من كانون الثاني / يناير سنة 1985، قضت محكمة الإستئناف الجنائية في الخرطوم وهي آخر درجات التقاضي في القضاء السودان بتأييد أحكام محكمة الطوارئ وأقرت ما يلي؛

  • أولاً، تأييد الإدانة والعقوبة بالإعدام شنقاً حتى الموت حدّا وتعزيراً على المحكوم عليه “محمود محمد طه”، على ألا يُصلّى عليه ولا يُدفن في مقابر المسلمين. وأنّ أمواله فيءٌ للمسلمين بعد قضاء ما عليه من حقوق.
  • ثانياً، تأييد الإدانة والعقوبة على المحكوم عليهم الأربعة الآخرين بالإعدام شنقاً حتى الموت، على أن يمهلوا مدّة شهر كامل بغرض التوبة والرجوع إلى سيرة الإسلام، اقتداء بما قضى به أمير المؤمنين “عليّ بن أبي طالب” كرّم الله وجهه، ويُنتدب لهم طائفة من علماء المسلمين لمراجعتهم.
  • ثالثاً، اعتبار جماعة “الجمهوريين” فئة كافرة ومرتدّة وتعامل معاملة طوائف الكفر في كافة المعاملات.
  • رابعاً، مصادرة كلّ كتب ومطبوعات “محمود محمد طه” وكتب “الجمهوريين” من جميع المكتبات بغرض إبادتها مع منع تناولها وطبعها في كافة المكتبات والمطابع.
  • خامساً، حظر نشاط وتجمّعات “الجمهوريين” في كافة أنحاء البلاد.
  • سادساً، رفع الأوراق لرئيس الجمهورية للتأييد.

محمود محمد طه لم يحمل سلاحاً ولم يمارس العنف ولم يخطط لانقلاب، فقط كان له قلم وحلم أراد أن يتقاسمه مع السودانيين خصوصاً والعرب والمسلمين عموماً فاساؤوا فهمه، فأعدموه.

فكرة محمود محمد طه في الفصل بين القرآن المكي الكوني المطلق والقرآن المدني المحلي والنسبي، كان يمكن أن تكون قاعدة لبناء تأويل تنويري جديد يخرج النص القرآني من احراجات التشريع المدني الذي أصبح في تناقض صارخ مع قوانين التطور في التاريخ.

فكرة الحرية الفردية المطلقة عند محمود محمد طه، كان يمكن أن تكون نواة لتأسيس وجودية إسلامية تعيد الفرد المسلم للمركز عوض الجماعة المسلمة، ونفس هذه الفكرة نجدها عند الفيلسوف المتصوّف الهندي محمد إقبال، الغريب ان بعض المفكرين الإسلاميين يقبلون هذه الفكرة من محمد إقبال ويرفضونها من محمود محمد طه.

فكرة العدالة الاجتماعية عند محمود محمد طه، كان يمكن أن تكون، كما ذكر المفكّر المصري سمير أمين، لبنة أولى لبناء لاهوت تحرير إسلامي يدافع عن الفقراء و المستضعفين وقيمة العدالة.

للأسف بالتحالف مع العسكر، انتصر فكر الإخوان المسلمون الشمولي بزعامة حسن الترابي ثم عمر البشير على فكر الإخوان الجمهوريين التنويري بزعامة محمود محمد طه، فدخل السودان في نفق مظلم امتد لأكثر من ثلاثين عاما انفصل فيها جنوب السودان عن شماله، وأُرتكبت فيها ابشع الجرائم في حق السودانيين من مختلف الأعراق والاديان وابشعها الإبادة الجماعية التي وقعت في إقليم دارفور.

رحم الله المفكر المستنير محمود محمد طه، فأفكاره كانت أعلى من أعواد المشانق .

 

*نجيب البكوشي – باحث وكاتب تونسي – باريس 
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق