العناوين الرئيسيةالوسط الثقافي

محمد القاضي: أنا أصوليٌّ في فن الخط.. وبتكريمي شعرت أن كل الفنانين مكرّمين معي

للأسف هناك خطاطون فازوا بمسابقات وهم لا يعرفون كتابة حرف واحد!

Midline-News | الوسط…
حوار: روعة يونس
.

من أين تنهل أولاً إن كنت أمام نبع؟!
من سأحاور وأنا أمام قامة باسقة، بل عملاق ثقافي فني هو الكبير محمد القاضي، متنوع الإبداعات متعدد العطاءات، تمّ تكريمه قبل يومين من قِبل “وزارة الثقافة السورية” في حفل افتتاح “أيام الثقافة السورية”.
مارس الرسم بأنواعه، والنحت والخط العربي، وكتب القصة القصيرة والشعر والأبحاث، وعمل بل أسس في الصحافة والإخراج الفني والكاركاتير وفنون أخرى. ولعل كل ما ناله من الإعجاب والتقدير والجوائز سواء الشعبي أو الرسمي، لم يفه حقه. لأنه عميد الخطاطين العرب، الذي قدّم للثقافة العربية أكثر من مجرد معارض ولوحات.. لقد قدم تاريخاً متنه العلم الأكاديمي والإبداع الفني والخبرة المعتّقة.
سأجيب بنفسي على سؤالي أعلاه: سأنهل من نبع “فن الخط” الذي شَغُف به شيخ وعميد الخطاطين الأستاذ محمد القاضي. ولن أقتبس في هذه المقدمة من حوار “الوسط” معه أي عبارة.. سأترك لكم المتعة خالصة، تقطفونها كاملة.
.
.

.

“تكريم الكريم”
حظيت مؤخراً بتكريم وزارة الثقافة السورية خلال مهرجان “أيام الثقافة السورية”. وقبلها تمّ  منحك شهادة دكتوراه فخرية من مركز ثقافي ألماني.. وشهادات تقدير وجوائز محلية وخارجية. نود أن تضعنا وجهاً لوجه أمام مشاعرك وأنت مكرّم في بلدك؟

  • تكريم أي قامة فكرية أو ثقافية أو موسيقية يثلج الصدر ومبعث فخر وسرور، لأنه يثبت أن هذا البلد مستمر بالاهتمام بإرثه الحضاري رغم الظروف السيئة والحصار وما زالت هذه المؤسسات تقوم بواجبها وإن لم يكن بالشكل الأمثل بسبب الظروف المحيطة، وأشعر عندما أكرّم في بلدي أن كل الفنانين مكرّمين أيضاً معي وهذا شيء جميل وأحياناً لا يريد الإنسان لكل جهوده التي يبذلها سوى كلمة شكر، والتكريم هو كلمة شكر.

قبل أن أسترسل في الحوار معك أستاذ القاضي، أجد أنه استلزمك الكثير من الوقت والجهد في عالم الخط بين تعلّمه وممارسة فنونه. أعتقد أن حياة كاملة قضيتها معه و(بعيداً عن الجوائز) هل ترى أن الأمر كان يستحق؟

  • منذ أن بدأت ميولي في بداية مراهقتي للمعرفة لم يكن في بالي يوماً من الأيام أي أجر مادي أو معنوي، فكانت كل غايتي في كل وقت هو اكتساب المعرفة والوصول إلى العمق الحضاري في المعرفة العظيمة التي من خلالها تتألق الروح والنفس، ولم أبحث في يوم من الأيام عن الشهرة، ولو أنه يحزنني أنه في بلدي والبلدان العربية لا يبحث أحد عن المبدع! بل على المبدع أن يبحث عن الدولة لتكرمه وهذا أمر محزن، وعندما قدم اسمي للتكريم قدم من قبل زميل وصديق قديم يعرف عني أموراً كثيرة وهو الذي عرّف بي وهو القامة الفكرية والثقافية حسن م يوسف، فمن المؤسف أنه وبعد كل هذا الإنتاج والعمر الطويل استلزم أن يعرّف بي صديق. وفيما يخص إن كان هذا الفن يستحق كل العمر فإنه يستحق جداً، أحد عمالقة الخطاطين له مقولة جميلة جداً، يقول “يجب أن يكون عمر الخطاط 500 عام، 250 يتعلم و 250 يكتب” وهذا يعني كم لهذا الفن العظيم من عمق وفروع وأسرار، نعم إنه يستحق أقول ذلك ولا يعنيني أبداً أن يكون لي أجراً، وقد وصلت إلى مرحلة متقدمة من الزهد.
    الجوائز عندي ليست مهمة أبداً وإن كنت أستحقها بجدارة، ومانحوها لم يكونوا يهتموا بأي مبدع، هذه طبيعة بلداننا، هذا الفن العظيم، وأتحدث عن الخط مع أنني رسام ونحّات وكاتب، لكن صوتي للخط الذي وبكل تواضع أنا من أعمدته، بالتالي يستحق الفن وتستحق الحضارة ويستحق الإرث الحضاري أن تعطيه حياتك وجهدك وفكرك.


.
“شغف دائم”
لقد خضتَ في عالم الكتابة والصحافة والإخراج الفني والرسم والكاريكاتير وتصاميم الشعارات والطوابع…. أتمنى أن تخبرنا عن تلك الاهتمامات والفنون التي مارستها؟ فالبعض من قرائنا لم يتابع تجربتك بحكم صغر سنه!

  • نعم أنا متعدد ولكن في تفسير هذه الظاهرة فقد مر في التاريخ الكثير من المتعددين، في داخل كل إنسان مساحة خاصة به، وعندما يصل نفسه بها، يملك الهيولى التي في داخله امتلاكاً كاملاً ويشكلها كما يشاء، وأحياناً عندما يدخل الإنسان في المخاض التعبيري لا يحدد شكله، بل هو الذي يحدد أن تكون كلمة أو لون أو خط أو شيء آخر، ومن أعظم الهبات الربانية أن يمنحك قدرة التحكم بهيولتك الداخلية لتشكلها كما تشاء، لذا لا أجد أي صعوبة في تحديد الأثر الذي أمارسه للتعبير عن حضاريتي فهو الذي يحدد الأمر وأنا منسجم معه في ذلك، قد أكون رساماً جيداً وأكتب الشعر وغيره، لكن في الخط أمتلك جناحين وأحلق عالياً بين أفضل الخطاطين الذين مروا بكل تواضع، لذا حتى هذه اللحظة أخطّ بشكل يومي بكل شغف، حين أنام أريد أن ينتهي الليل لأستيقظ وأخط، ولم يفتر هذا الشغف ولا لحظة، وأرجو من الله أن يستمر معي حتى آخر لحظة في حياتي وأن يعطيني الله العزم والهمة لتنفيذ كل رؤاي الفنية.

حسناً.. من يتابع تجربتك الثرية، يلاحظ أن الخط، ليس فقط (فن جميل) بل هو علم واسع متشعب.. أيمكننا اعتباره علم بالمعنى الأكاديمي؟

  •  الخط علم كالعلوم الأخرى، علم محاط بقوانين شديدة الوضوح والصلابة والمتانة والشمولية، لا يستطيع أي خطاط (الخطاط الفنان وليس المهني)، أن يكون كذلك ما لم يعبر هذا النصف العلمي، لأن الخط نصفين نصف علم ونصف فن، هذا النصف العلمي لا يستطيع الخطاط من التحليق الفني وتحقيق الرؤيا الفنية ما لم يتمكن في البداية من نصف الخط العلمي. عندما نكتب الحرف نُسقّطه بالنقط ونحيطه بالقواعد وكل جزء من أجزاء الحرف له اشتقاق علمي وإطار وشكل يجب أن لا يخرج عنه، وإن قال أحدهم هذا جمود، نقول إن أدخلنا التطورات والانفلاتات على هذا الفن وكتبنا مثلاً حرف الجيم اليوم بهذا الشكل وبعد أيام بشكل آخر، ستضيع اللغة لأن الخط قام بالأصل للتعبير عن المعنى، أما الجزء الفني فهو كما أن الحروف 28 حرفاً ومنذ أن بدأت اللغة تعبر عن أحاسيسك عبرها حتى ينتهي العمر، فأنت تستطيع بهذه الأحرف الـ 28 حرف التعبير بشكل فني عن هذه الرؤى بطريقة واسعة وصحيحة، وكما الطبيب لا يُسمح له بممارسة مهنته حتى ينهي دراسته كاملة، كذلك الخطاط يجب أن يمتلك القدرة العلمية الصحيحة للخط وبعد ذلك هو حر في تشكيل وفعل ما يشاء من صور جميلة وأخاذة.
    .


.

“الخط والحاسوب”
هل درست في كلية الفنون الجميلة بدمشق، مدفوعاً بحبك للفن عموماً، أم هو الشغف بالخط وعالمه؟

  • درست الفنون الجميلة حباً بالفن، وبدأت في مراهقتي وسنيني الأولى كرسام وليس خطاطاً، لذا درست في الكلية للبحث عن المعرفة في الرسم، أساساً في كلية الفنون الجميلة كان لا يوجد سوى درس واحد للخط وكان تكميلياً ولم يكن موضع اهتمام.

لا تزال من القلائل الذين يتمسكون بأصول هذا الفن، فكيف تنظر إلى دخول التقنيات الحديثة التي جعلت الكثيرين قادرين على إنجاز لوحة حروفية، دون معرفة كيف توّشى بالقصبات؟

  • أنا أصوليٌّ في فن الخط، ويهمني جداً أن يؤدّى الحرف بشكله القائم السليم مئة بالمئة ولا يهمني أبداً التشكيل والحروفية في الخط وإن كان لها تجارب جميلة جداً وهناك أسماء وفنانين حروفيين بلغوا شأناً عالياً وحققوا الكثير من الإدهاش والإبهار في أعمالهم، ولكنني أصوليٌّ في كل انجازاتي الخطية، أما ماذا فعل الكمبيوتر؟ الله أكبر، إنه شيء عجيب، إن تطور قدرات الكمبيوتر أصبحت مخيفة، بالطبع هي من ناحية التقدم العلمي شيء عظيم، لكن من جانب آخر فإنه سيقضي على فن الخط، ليس على وجود الخط، بل على وجود الخطاط، فاليوم يستطيع الكمبيوتر أن يأخذ أي فنان مر بالتاريخ ويستنطقه في كتابته ويحوله إلى برنامج حين تلقنه نصاً يستطيع كتابته بسلوكية وحروف ذلك الخطاط مثل: سامي ومصطفى عزت ونظيف وحامد ومصطفى الراقم، وباقي الأئمة الكبار الذين ملؤونا دهشة وحباً بالخط، هؤلاء يستطيع الحاسوب من خلال البرمجة أن يدرس طريقتهم فيصبح أي إنسان قادر على الكتابة بطريقة هؤلاء الأئمة، والآن مع الأسف هناك خطاطون فازوا بجوائز كثيرة وهم لا يعرفون كتابة حرف واحد! وإنما فازوا عبر الطريقة التي تحدثت عنها، ومع الأسف تطاولوا وتراكمت عليهم الجوائز وأصبحوا مشهورين، والمؤسسات القائمة على الاهتمام بهذا الفن، أصبحوا يستقدمونهم كمحكمين يتحكمون بمنح الجوائز وهذا أمر مخجل ومضحك وسخيف ومحزن، اليوم اللوحات موجودة بمئات الآلاف، ولكن الخطاطون بالعشرات.


.

“ابتكار المعلّى”
اعذرني، لكن هل ثمة “خط” ما، ابتكرته أو حاولت تشكيله، كإضافة إلى قائمة الخطوط التقليدية؟

  • كان لي تجربة في ابتكار خط سميته (المعلّى) منذ حوالي 20 عاماً، وكتبت به ومنها لوحة لأحد الأصدقاء في إيران، وبعد سنين وجدت هذا الخط مطوراً ومستعملاً في إيران، وهو ليس ابتكاراً تماماً بالمعنى الصحيح، وإنما نأخذ من تشكيلة أنواع الخطوط العربية، ونحاول صياغة خط جديد، ولكن أهم شيء في ابتداع الخط والخط نفسه، هو الكتابة بالقصبة برأسها المبسط وليس المدور، أما الكتابة بأداة مدورة فهي غير موجودة إلا في شمال أفريقيا.

تقام بين فينة وأخرى معارض “الخط”. وكذلك مسابقات ومحكّمين ونقّاد.. كيف تنظر إلى هذه الفعاليات؟ وما الذي ينقصها؟

  • لاشك أن قيام المسابقات ساعد على تشجيع الخطاطين على الوصول إلى درجات أعلى ومستويات أعلى، ولكن من ناحية أخرى دفعهم إلى التزوير والشف والتقليد الاقتناص للحصول على الجوائز، أقول بكل صراحة إن أغلب المسابقات والاهتمام العربي بالمسابقات يأتي لتحقيق جانب ديني وليس فنياُ، ومع الأسف فإن تشكيل الهيئات التحكيمية ما يزال مزاجياً، ويوكل أحياناً إلى قليلي خبرة فيمنحون الجوائز بطريقة غير مستحقة!

.
“عائلة الإبداع”
لايعقل أن تكون لديك كل هذه الإبداعات المتنعددة المجالات، ولم يرث الأبناء والأحفاد شيئاً منها؟ هل في عائلتك من تأثر بميولك الأدبية وممارستك الفنون؟  

  • الأبناء ورثوا الجانب الحضاري فيّ، وزوجتي كتبت الشعر ولها أساس عالي في الأدب واللغات وتعرف أكثر من لغة، وابني فراس أديب وصحفي وموسيقي، وابني الأصغر أمجد دكتور في علم الآثار الذي فيه الكثير من الرسم والفن، وزوجة فراس رسامة ومصممة أزياء، أما أحفادي فحتى الآن ما يزالون صغاراً ولم يعلنوا عن نوع انتماءهم الحضاري ولن يكونوا إن شاء الله خارج هذه البوتقة الفنية.

الحديث مع شخصية متسعة الاهتمامات والعطاءات، يستلزم حوارات وليس حواراً واحداً. فما الذي تودّ أن تخبر به  قراء “الوسط” دون أن أسألك؟

  • ما يمكن أن أقوله عن هذا الفن لا حدود له، ولا تستطيع مجلدات التعبير عنه وكُتبت حوله كتب كثيرة ولم تكن كافية للإحاطة بعمقه وعظمته، بيكاسو الذي كان رجل القرن العشرين الفني، قال “إن أقصى نقطة أردتُ الوصول إليها في فن التصوير وجدت الخط العربي قد سبقني إليها منذ أمد بعيد”. وللتعرف على مدى الشغف بهذا الفن، حامد الآمدي آخر عمالقة الخطاطين الأتراك، رأى تلميذه مصطفى حليم (الذي توفي في حياة حامد) في المنام وكان يكتب بسرعة، فسأله كيف تكتب بسرعة؟ فأجابه: في الجنة علمونا نكتب بسرعة، فاستيقظ حامد سعيداً جداً وقال: ما دام في الجنة حبر وقصب وورق، فما عدت أخاف الموت. ما يقال في تعلم الخط وعطائه وأسراره شيء لا يحاط به، ومهما أوتي الإنسان من سعة الفكر فلن يستطيع إيفاءه حقه، لذا أتمنى أن يكون هذا الفن في عناية الناس الذين يتعلمونه وألا يتعلمونه من الكمبيوتر بل كما فعلنا قديماً حين كنا نجلس حول أساتذتنا وكأننا نجلس حول أنصاف آلهة، وكل ما يصدر منا هو استفسارات فقط، واليوم مع الأسف يريد الكثير من المتعلمين تعلم الخط على طريقة حبة الدواء التي تعطي مفعولها بعد نصف ساعة، وأقول للمتعلمين: والله لو تعلمتوه على اصوله الحقيقية لكانت سعادتكم لا توصف، لأن سعادة الفنان الممتلك لناصية الحرف والكلمة لا توصف وشغفه لا يفتر وأتمنى أن تعطونه الكثير من جهدكم وحياتكم وصبركم وأعماركم ليعطيكم الفن نفسه وتؤدون به أجمل رؤاكم الفنية.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى