إضاءاتالعناوين الرئيسية

محلل “دوت كوم” .. د.محمد عامر المارديني

|| Midline-news || – الوسط …

.

في أحد الأيام انضممت إلى مجموعة مؤلفة من نحو خمسة عشر شخصاً في السفر جوّاً من العاصمة إلى مدينة أخرى تقع في الشمال لقضاء أمر خاص هناك.

وصلت والمسافرون الآخرون؛ المطار في ساعة مبكرة من الصباح، وبينما نحن عند منصة تسليم الحقائب لمحت بين المسافرين شخصاً معروفاً لدى العديد من متابعي القنوات الفضائية كمحلل إخباري. والحقيقة أنني تشاءمت كثيراً لدى رؤيته معنا في المجموعة المسافرة، فقد كانت لا تطاق لي رؤيته حتى لدقيقة واحدة على شاشة التلفزيون، فكيف لي أن أتشارك معه أعالي السماء؟
كنت أعرف تاريخ ذلك المحلل المتلطخ بالحماقات والسفاهات، والمشوب أيضاً بقلة الأدب، وقد كنت كثيراً ما أستغرب تلك الآلية التي تختار، وتلّمع، وتعظّم مثل هؤلاء، فتجعلهم دائمي الظهور التلفزيوني، يصولون ويجولون من محطة تلفزيونية إلى أخرى، وفوق كل ذلك فهو سمج، ثقيل الظل، له وجه بشكل المربع، وجبهة بارزة تغور تحتها عيناه السوداوان الصغيرتان المصابتان بحول شديد. أما فكاه فثخينان، مملوءان بعشرات الأسنان والأضراس الصناعية التي تجعل فمه كفم الحصان، مع احترامي الشديد للحصان. وأما شعره المصبوغ بالأسود الفاحم فغالباً ما يخيم على سحنته السمراء فيظهر على الشاشة وكأنه “نيجاتيف” الصورة. ولعل الملفت في هذا المحلل الجهبذ صراخه المزعج، والصخب الذي يحدثه أثناء مقابلاته التلفزيونية ما يؤثر على شريانه الوداجي، الذي غالباً ما كان ينتفخ بفعل الحماسة حتى يصبح بثخن النربيش.

المهم، وبعد انتهاء إجراءات التفتيش الروتينية خرجنا إلى حرم المطار لنصعد الحافلة التي ستنقلنا إلى الطائرة.
وهكذا، وصلت الحافلة إلى مكان وقوف الطائرة، وكم أدهشنا شكلها الفريد وحجمها الصغير، فقد بدت لنا وكأنها مصنوعة من ورق، وكذلك ظهر لي من وجوه معظم الركاب أن طيرانهم بهذه الطائرة العجيبة ربما كان الرحلة الأولى لهم، ما خيّم على الأجواء نوع من الغرابة، وبعض من القلق. ولعله قد ساورني الشك للحظة، وربما ساور الجميع، أن هذه الطائرة لن يمكنها حملنا في الهواء، وبخاصة أن معظمنا كان وزنه من فئة الثقيل إلى ما فوق الثقيل، بالرغم من أننا على علم تام بأن من صنع مثل هذه الطائرات هو الأعرف بالتأكيد بأن مثل هذه الأوزان يمكن حملها من دون مشكلات أو أي صعوبات، لكن الشك بالرغم من كل ذلك كان مبرراً بالنظر إلى العمر الافتراضي للطائرة، الذي وعلى ما يبدو أنه قد أصبح مستهلكاً، آخذين بالحسبان مدى ومقدار الصيانة والخدمة المخصّصة لها!

على كلٍ، رأينا في استقبالنا عند الباب “الكابتن”، وإلى جانبه شخص آخر له زيّ مشابه لزيّ “الكابتن”، ربما كان أحد مساعديه، أو هو مهندس الطيران، إلى جانب مضيفتين حسناوتين قصيرتي القامة، لكن بكامل أناقتهما. صعدنا سلم الطائرة الصغير ذا الخمس درجات، ثم دخلنا البهو لنجلس على مقاعد لم يتجاوز عددها العشرين، والتي كانت مصممة بترتيب غريب الشكل، حيث توسطت باحة الطائرة طاولة دائرية، لم يسبق لمعظمنا أن شاهد مثلها في الطائرات الكبيرة. رحّب بنا الركب الطائر أشد ترحيب، ثم قام بدعوتنا جميعاً، قبل أن يؤذن له ببدء الإقلاع، إلى احتساء فنجان من القهوة كفائض من الترحيب.

غادرت الطائرة بعدها أرض المطار، وما هي إلا بضع دقائق مرت على الإقلاع والارتفاع في السماء حتى سمح قبطانها للمسافرين بفك أحزمة المقاعد فجلسوا متقاربين متحلّقين حول طاولة المنتصف يتناولون أطراف الحديث، عندها حاول ذلك المحلل الإخباري استقطاب الجالسين بحديثه، معيداً إنتاج غلاظته التلفزيونية واستعراض عضلاته في تفسير المفسر وشرح ما لا يحتاج إلى الشرح، متحدثاً عن النزاهة ومحاربة الفساد، وعن ضرورة ممارسة الصدق والإخلاص في التعامل بين الناس، والمشكلة فيه أنه كان لا يملك الإحساس بأن جميع الموجودين منزعجون من حديثه ويشعرون ببعده عن كل ما تحدث به، لكن ذلك لم يكن ليوقفه أبداً عن متابعة الكلام.

انقضت بعد ذلك نحو ساعة من الطيران بدأت الطائرة حينها الهبوط التدريجي متوجهة إلى مدرج المطار في المدينة المقصودة. وبينما كان المنادي ينادي من قمرة الطائرة لإعادة ربط الأحزمة تمهيداً للهبوط، إذ بالقبطان يخرج فجأة من قمرته مصطنعاً الابتسام، ثم اقترب من الجالسين يربت على أكتاف البعض، ويصافح بعضهم الآخر، مهنئاً الجميع بقرب الوصول بالسلامة، وكأنه يهدف من كل ذلك بعث نوع من الاطمئنان في نفوس الموجودين. وبالرغم من أن قدوم “الكابتن” إلينا أثناء الهبوط كان محبباً جداً نظراً لدماثته ولطفه البالغين، إلا أن توقيت قدومه كان غريباً نوعاً ما، فقد شعرنا ببعض القلق، نظراً لأن ابتعاده عن القمرة وقت الهبوط ربما يعد من قبيل الاستهتار، إن صح التعبير. وبالرغم من قناعتنا أن تخصصه كقائد للطائرة يعطيه كل الحق في عمل ما يمليه عليه علمه وخبرته إلا أن ذلك كان بالنسبة لنا -نحن الركاب- غير مبرر، بخاصة أن تلك الطائرة العصفورة أخذت ترتجف رجفات غير حميدة، جعلت من وجوه معظمنا بلون العصفر، كما أن بعضاً من علائم الغثيان بدت على بعضنا. أما ذلك المحلل الإخباري فقد نصب نفسه زعيماً، فأخذ يتحدث مع الكابتن بلساننا، مقاطعاً هذا ومسكتاً ذاك، محاولاً قدر الإمكان أن يظهر للجميع شيئاً من رباطة جأشه، لكن ذلك لم يصرف عن عيوننا صورة وجهه المذعور من رجفان الطائرة المتزايد، حتى كادت أنفاسه تتقطع، وقلبه يقف.

في هذه الأثناء بدأت علامات الاضطراب تظهر شيئاً فشيئاً على وجه “الكابتن” لتغدو بعد ذلك أكثر وضوحاً، ومن دون أن يعرف أحد سبباً لذلك، فقد كان يذهب تارة إلى القمرة، ثم يعود إلينا تارة أخرى، أو يتكلم مع مساعده بالهمس، ثم يرجع إلى القمرة ليدعونا إلى تفقد شدّ الأحزمة. أما المحلل الإخباري المرتاع من ارتجاف الطائرة فقد حاول أن يلج نفسه في غرفة القيادة لمعرفة ما يحدث، مظهراً نفسه قائداً شجاعاً في الأوقات الحرجة، لتعود إحدى المضيفتين لإرجاعه إلى مقعده وليربط حزامه. وأما بقية الركاب فركنوا إلى مقاعدهم واجمين، فاغري الأفواه، رابطي الأحزمة بشدة، كأن على رؤوسهم الطير.

عاد “الكابتن” ليقف عند طاولة المنتصف غير مبال بحالة القلق والوجوم المسيطرة على الجميع منادياً أحد مساعديه قائلاً: أحمد.. يا أحمد، الله يرضى عليك، هات المفتاح الإنكليزي وتعال إليّ. نظرنا، نحن ركاب الطائرة، إلى بعضنا مستغربين طلب كهذا ، حيث لم نفهم شيئاً عن سبب إحضار ذلك المفتاح. جاء أحمد يحمل بيده المفتاح المطلوب، يتبعه رجل آخر طويل، عريض المنكبين، له رقبة لا تكاد تبدو بين رأسه وكتفيه. قال “الكابتن” لأحمد بصوت خافت: أريد منك على السريع، أن تبعد قطعة “الموكيت” من تحت الطاولة في المنتصف، ثم ترفع غطاء الفتحة التي في أرض الطائرة لنصحح معاً مسألة طارئة قد حصلت. لقد قضينا زمناً طويلاً في السماء، وأصبح لزاماً علينا أن نهبط تحسباً لنفاذ الوقود. وقبل أن نبلع ريقنا رعباً مما قاله “الكابتن” قام أبو حميد بكشط نحو متر مربع من “الموكيت”، بعد أن طلب من الركاب المتحلّقين حول الطاولة الابتعاد بسرعة عن مكان العمليات. ثم كشف بعد ذلك عن قطعة من “الصاج” مثبتة على أرض الطائرة بأربعة براغي. فكَّ أبو حميد تلك البراغي بمفك طويل ثخين كان مدكوكاً في جيب خارجي على بنطاله كحلي اللون، وما إن رفع قطعة الصاج حتى انبعث من الفتحة غبار كثيف، وكأن الطائرة في مركز عاصفة رملية، فتعفَّرت ثيابنا ووجوهنا بغبار أسود نفذ إلى حلاقيمنا، فأحسسنا لأول مرة بالطعم اللذيذ للطائرات النفاثة. صرخنا جميعاً عالياً كمن يستنجد عند حدوث حريق أو انفجار، فاعتذر “الكابتن” منا على الفور أشد اعتذار قائلاً لنا: سامحونا يا شباب، لكن الله الوكيل هذه أول مرة أعرف أن تلك الفتحة ممتلئة بهذا الغبار الكثيف. ثم تابع حديثه قائلاً: أرجو ألا تشغلوا بالكم كثيراً، فمثل هذه القصص تحدث بين حين وآخر. صرخنا على الفور قائلين: وما هي هذه القصص التي تحصل معكم من حين لآخر؟ قال: أحياناً تعلق”دواليب” الطائرة، وتأبى أن تنزل، لكن المشكلة أن موعد هبوطنا قد حان، ولقد حاولت الضغط على زر تنزيل “الدواليب” مراراً، لكن على ما يظهر إنه لا يعمل.

نزل كلام “الكابتن” علينا نزول الصاعقة، إلا أن جناب المحلل الإخباري استدرك الكلام وكأنه قد اكتشف مؤامرة ما، قائلاً وهو يضحك بكل سماجة، ضحكة مصطنعة متقطعة: ها.. ها.. ها، لقد عرفتك يا رامز، أنت أيها “الكابتن” من برنامج المقالب “رامز في الجو”، أهنئك لأننا أكلنا المقلب، وأعصابنا قد انهارت، كفانا أرجوك. قال “الكابتن” ببرودة أعصاب يحسد عليها، غير مكترث بما تفوه به ذلك المحلل: إنني أحكي الجد، كل الجد، “الدواليب” لا تريد أن تنزل. ثم نادى بعد ذلك أحد أضخم الركاب بيننا، قائلاً له: “الله يخلّيك” نريد مساعدتك. جاء الرجل الضخم إليه وقد تكدّس على جفونه وشاربيه كثير من الغبار، قائلاً له وكأنه يتأتئ: خيراً، ماذا تتتريد، كابتتتن؟ قال له: هناك سيخ حديدي طويل ثقيل تحت المقعد الأخير، هل لك أن تحضره لي؟ أسرع الرجل بإحضار”السيخ” المطلوب خلال ثوان، ثم وقف ينتظر أوامر جديدة. قال له “الكابتن” وهو يشير إلى شيء ما في تلك الفتحة الأرضية: أنا وأنت وأحمد، يجب علينا أن ندفع معاً وبكل قوتنا ذلك المزلاج الذي يربط “الدواليب” من فوق، وعندما أقول واحد اثنين ثلاثة سنقوم معاً بالدفع كيدٍ واحدة. وبالفعل بدأ الثلاثة عملية الدفع، فدفعوا أول مرة، ثم ثاني مرة، ثم ثالث مرة، لكن “الدواليب” لم تكن لتنزل.

عادت الطائرة في هذه الأثناء لترتجف حتى ظننا أنها ستهوي لا محالة، لكن “الكابتن” كان يعطينا بعضاً من الأمل بأنها ستبقى طائرة من خلال نظراته غير الآبهة بحركاتها، وكأنه يعرف أن مثل هذه الحركات ليست بذات أهمية، أو إنها جزء لا يتجزأ من عملية الطيران نفسها.
عاد “الكابتن” إلى قمرة القيادة لكن؛ دون أن ينبس ببنت شفة ليتركنا في حالة هلع رهيب بسبب توقع اقترابنا من كارثة، آتية لا محالة. وفي هذه الأثناء هوى المحلل الإخباري من على كرسيه بعدما ضاق تنفسه، وأخذ يشهق بصوت يشبه الشخير، ثم أمال رقبته على كتفه الأيسر مغمضاً عينيه، ومدلّياً شفته السفلى إلى منتصف ذقنه ليخرج من بين أسنانه كثير من الزبد، ثم غطّ في سبات عميق، وكأنه قد فارق الحياة. وعلى الفور سارعت المضيفتان بكل مهارة تسعفانه، فاحتضنت إحداهما رأسه تمسح جبينه بالكحول، أما الأخرى فخلعت حذاءه من قدميه ووضعت تحتهما وسادة قطنية، ثم أخذت تدلك بطّتي ساقيه.

وبالرغم من الأجواء العصيبة التي كانت تخيّم علينا إلا أنني لاحظت غيرة بعض المسافرين، وأنا منهم، من ذلك الغليظ المغمى عليه، وهو في وضع العناية الفائقة المقدمة من المضيفتين الحسناوتين، حتى إن أغلبنا أخذ يشعر بحاجته لإسعاف سريع مشابه، فحلَّ إما ربطة عنقه، أو فكَّ أزرار قميصه، أو أخذ يهوّي على وجهه بالمنشور الكرتوني الموضوع في جيب المقعد المتضمن قواعد الهبوط الاضطراري، أو إنه صار يمسح وجهه بالمنديل المعطر الذي يقدّم عادة مع وجبة الطعام. ولا أعرف كيف انتابني إحساس بأن ذلك المحلل الإخباري الفظ كان يمثّل وقوعه في الغيبوبة، حيث لاحظت أنه كان مرتاحاً جداً لعملية احتضان إحدى المضيفتين له، وتدليك الأخرى لبطتي قدميه، وكأنه نسي كل ما نحن فيه.

وهكذا، بعد أن تحسنت حالة ذلك المحلل الإخباري نادت إحدى المضيفتين “الكابتن” قائلة: “كابتن.. كابتن”، أنا أستطيع أن أمدد نفسي داخل الفتحة، وأقوم بفك المزلاج، فجسمي صغير بقدر كاف ليمر عبر الفتحة، كما أنني أعرف مكان المزلاج تماماً، حيث سبق لي أن رأيت مكانه أثناء تدريبنا على الحالات الطارئة. قال لها “الكابتن”: هل أنت متأكدة أنك تستطيعين؟ قالت له: طبعاً، لا تخف، لكن أريد أن يمسكني من قدميّ أحد ما قوي العضلات عندما أنزل في تلك الفتحة، ثم يعود ليسحبني إلى الخارج، لأنني إذا سقطت في الفتحة فإن المشكلة ستتعقد أكثر، لكن حذارِ أن يلمس ذلك الأحد شيئاً آخر غير قدميّ وأنا أنفذّ المهمة.
نحو عشرة من مجموع الركاب شمّروا عن سواعدهم معلنين استعدادهم لتنفيذ المطلوب، حتى ذلك المحلل الإخباري، فقد أفاق من غيبوبته عند سماع الحوار معلناً إمكانية مساهمته في القبض على قدميّ المضيفة وتحرير المزلاج. تردد “الكابتن” كثيراً قبل أن يقبل باقتراح المضيفة قائلاً لها: إنها مخاطرة كبيرة على حياتك، فقد تسقطين من دون أن تستطيعي فك المزلاج، وبذلك نخسرك، ونخسر معك إمكانية فك المزلاج نهائياً وتسقط الطائرة. عاودت المضيفة طلبها بأن يسمح لها “الكابتن” فعل ما اقترحته، قائلة له: وهل من حل آخر؟ أذعن “الكابتن” أخيراً لاقتراحها بعد أن رجوناه جميعنا السماح للمضيفة المقدامة تجنيبنا الكارثة المحتمة إن لم يفتح المزلاق.

نظرت المضيفة إلينا فرداً فرداً ثم انتقت أصغرنا قامة قائلة له: أرجو أن تخلع بنطالك، ابتسم ذلك القصير مستغرباً طلبها خلع بنطاله في مثل هذا الوقت الحرج!!، ثم قال لها: عفواً، وما حاجتك لبنطالي؟ قالت له: وكيف سينزل نصفي الأعلى في هذه الفتحة وأنا ألبس التنورة ؟ أريد بنطالك لألبسه.
صدمت المضيفة بفكرتها استعارة البنطال معظم الفدائيين الذين أبدوا رغبة في القبض على قدميها. لكن ذلك لم يمنعنا جميعاً في ترك ذلك القصير يفكر أكثر، فهجم عليه ثلاثة منا يخلعون عنه بنطاله، حتى من دون استئذانه.

انتهت عملية خلع بنطال ذلك القصير القامة ليظهر لنا سرواله الداخلي القطني الأبيض كاشفاً عن فخذين رقيقين مترهلين أسمري اللون وساقين كساقي الطائر “أبو سعد”. لم تمنعنا المصيبة المحتملة من الضحك من منظر ساقي الرجل الطائر “أبو سعد”، ثم أخذنا نضحك أكثر فأكثر عندما رأينا المضيفة تلبس ذلك البنطال الواسع على خصرها، والطويل على ساقيها، بعد أن استبدلت تنورتها به في دورة المياه.
وعلى الفور انبطحت المضيفة أرضاً ليمسك بقدميها اثنان منا، فقامت على الفور بإدخال رأسها في الفتحة أولاً، ثم نصفها الأعلى، واضعة في فمها مصباحاً صغيراً اسطواني الشكل أخذته من صندوق خدمات الطائرة.
وما هي إلا لحظات حتى رأينا “الكابتن” يعود من قمرة القيادة يرفع إشارة النصر، معلناً فك مزلاج الدواليب، وانتهاء تلك المشكلة العويصة التي حاقت بالطائرة. وفي الوقت نفسه، مع إشارة النصر، سمعنا المضيفة تصرخ بصوت عميق اسحبوني، اسحبوني!! قام الرجلان المكلفان بالقبض على قدمي المضيفة على الفور بسحب المضيفة بكثير من الحذر، لتظهر لنا بعد أن خرجت من الفتحة على هيئة دمية سوداء فاحمة، مغمضة العينين، بأسنان ناصعة البياض.

كانت لحظة بهيجة، صفقنا فيها جميعاً بحرارة بالغة لتلك المضيفة المقدامة، ثم قام ذلك المحلل الإخباري على الفور بضمها إلى صدره ضمة قوية، غير مبال باتساخ قميصه “بالشحار” المكدس على وجهها، وصار يقبّلها بشغف بالغ وهي تدفعه عنها، ثم أخذ يبكي فرحاً بالنجاة، قائلاً لها: لا تؤاخذيني، فأنا قبلتك من فرحي بنجاتنا على يديكِ، كما أنك مثل أختي، مع أن الجميع قد لاحظ أن قبلاته كانت ساخنة نوعاً ما، وليس كما تقبّل الأخت.

وأخيراً، انتهت المحنة العصيبة التي عشناها لأكثر من ساعة، ووصلنا أرض المطار بالسلامة.
وعند دخولنا باحة الاستقبال فوجئنا بعشرات من مراسلي القنوات التلفزيونية والصحف والإذاعات ومواقع الانترنت يقفون بانتظارنا، فلقد عرفوا ما حصل من الحركة الأرضية للمطار، ثم ما لبث أن استفرد كل واحد منهم بأحد منا يسأله بإلحاح عن تفاصيل اللحظات العسيرة والشاقة التي مرت أثناء الرحلة، وكيف كان شعوره، وكيف تصرف الركب الطائر أثناء الرحلة، وكيف حُلّت المشكلة التي حدثت، وغيرها العشرات من الأسئلة التي جعلت كل واحد من ركاب الطائرة نجماً شعبياً لامعاً، يقصّ على الناس عظيم بطولته، ورباطة جأشه عند البأس، وكيف ساهمت أفكاره الخلاقة في إنقاذ الركاب من كارثة واقعة لا محالة، وكيف، وكيف، وكيف؟

وفي اليوم التالي استضافت إحدى القنوات الفضائية ذلك المحلل الإخباري الذي شهد نجاة الطائرة من كارثة حقيقية، فأخذ يتحدث إلى المشاهدين محللاً ومستنتجاً ومستقرئاً وموضحاً رأيه السياسي بتلك الأسباب التي كادت أن تتسبب بكارثة جوية فقال: لقد استطعت بسرعة كبيرة أن أجمع معلومات عن وثائق وتقارير الطائرة، ووثائق طاقمها، كما أمكنني مراقبة الحركة الجوية، وأنظمة إدارة البيانات، وأنظمة الاتصالات في الطائرة، وقد تبين لي أن كل الأمور كانت على ما يرام، لذلك فإنني أرجح نظرية المؤامرة، وأن تكون هذه الحادثة قد حدثت بفعل فاعل، فعلى الأغلب أن العدو المخادع قد استطاع الدخول بطريقة ما إلى كواليس الطائرة، ثم قام بإحكام الوثاق على مزلاج “الدواليب” بهدف إيقاع الكارثة. تسأله المحاورة: وكيف يمكن للعدو الدخول إلى حجرة الإطارات وشد وثاق المزلاج، وأنت تعرف تماماً أن الخروج إلى حرم المطار والدخول في كواليس الطائرة يحتاج إلى عشرات الموافقات والتصاريح؟ قال لها: أنت لا تعرفين هذا العدو مثلي، لقد درسته بعناية فائقة، إنه عدو غدار كالذئب، مكار كالثعلب، يستطيع عبر أذنابه فعل أي شيء لإجهاض مشروعنا الوطني في الانتقال السلس من حياة اللاوعي إلى دنيا الواقع. ولا بد لي في هذا المجال من التحليل الفلسفي لجميع القوى المعادية المسؤولة عن هيجان المجتمعات وتوضيح العلاقة بين الاقتصاد الاجتماعي والاقتصاد الرأسمالي الذي يعتبر الحاضنة الرئيسية للأحداث السياسية، وتأثير هذه الأحداث على الوضع الاستهلاكي للمواطن والعكس بالعكس، وكذلك تأثير البنى الاجتماعية على السياسات الاقتصادية وأهمها ظاهرة التفكك الاجتماعي واختلال المجتمعات وغياب التكافؤات المالية. قاطعته المحاورة، وهي تهز برأسها وكأنها استوعبت ما قال، لتسأله من جديد: لكن ما حدث في الطائرة لا يمكن أن يبرر إلا بضعف إمكانيات الصيانة نظراً للحصار الجائر الذي يمنعنا من شراء قطع التبديل أو إعادة تعمير أسطولنا الجوي؟، لكن المحلل الإخباري عاد ليقاطعها ضاحكاً فبانت أسنانه الحصانية وهو يقول: لا أبداً، إنها مؤامرة، مؤامرة واضحة لتصفية نوابغنا المعرفية. وفي الواقع تحاول ديماغوجيا الإرهاب أن تكرس ظواهر الطرح والاستبعاد والإزاحة، ومنع الناس من التمتع بالخزانات الفكرية المحلية مستخدمين أسلوب تصفية القامات الوطنية. قالت له: تصفية مثل من؟ قال لها وهو يصطنع الخجل: لعلك لا تتذكرين حينما استضفتني منذ سنة وقلت لك فيها كيف تم استهدافي جهاراً نهاراً عندما صدم سيارتي كلب شارد عند مفرق المتحلق الشمالي وكاد ذلك الحادث يقتلني، أم أنك نسيتِ عندما شرحت للمشاهدين كيف هوى على رأسي صحن لاقط في منطقة حوش بلاس مع أنه لم تكن هناك أي عاصفة على الإطلاق، وقبل شهرين تقريباً افتعل أحد المغرضين ماساً كهربائياً عند الحلاق كاد يطيح بي وأن أصفف شعري، أما آخرها فكان اتهامي بالتحرش الجنسي بهدف إزاحتي عن عملي التدريسي، وأنا الباحث المعروف والمشهود له على المستويين المحلي واللاتيني، فهل تعتقدين بعد كل ذلك أن تلك الحوادث كانت بمحض الصدفة؟، أم أن أحداً ما لم يرق له ما أقول وأحلل على منبر شاشتكم العظيمة، ففعل بي ما فعل؟، قولي لي بالله عليك!!

أما أنا فقد عدت إلى المنزل منهك العقل والجسم بعد هذه الرحلة الصعبة، وقبل أن أخلد إلى النوم، وباعتباري أستاذاً صيدلانياً حاذقاً، رحت أقصّ على زوجتي كيف استطعت إنقاذ طاقم الطائرة، “الكابتن”، والمضيفتين، وحتى مهندس الطيران من حالات الإغماء التي أصابتهم أثناء تلك الرحلة المروعة، مستخدماً في ذلك جلّ معارفي العلمية، ومهاراتي التراكمية في الإسعافات الأولية، فليحمدوا الله !! أنه لولا وجودي في الطائرة لكانت الكارثة محتملة.

 

*أديب وكاتب.. وزير التعليم العالي السابق- سورية

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق