رأي

محرقة الإعلام ودخانه الأسود .. بشار جرار – واشنطن ..

|| Midline-news || – الوسط …

 

ليس سرا النجاح الذي حققته إذاعات ذات انتشار أو مصداقية في صنع الوعي العام للجماهير ما وراء القفار والبحار. صوت العرب، هيئة الإذاعة البريطانية، مونت كارلو وصوت أميركا من أكثر الأمثلة دلالة لكني سأتوقف لاحقا عند محطتي صوت العرب وصوت أميركا.

وليس خفيا الدور الذي لعبته الفضائيات وخاصة الجزيرة وبخاصة الاتجاه المعاكس في تحطيم التابوهات وكسر حاجز الخجل بعد تحطيمها حاجز الخوف أمام أطراف المعادلة الإعلامية كلها من مالك ومنتج ومشغل ومرسل ومتلقي ومعلن.

ما هي إلا بضع سنين ودخلنا في مرحلة حرق المراحل لا قطع أشواطها. دخلنا رويدا رويدا إلى عصر الفضائيات الأجنبية الناطقة بالعربية وهكذا وفي غفلة من الجميع اقتحم اللاعبون المحترفون والهواة أيضا عالمنا جميعا عبر بوابات ونوافذ منصات التواصل الاجتماعي.

ما عاد الخبر كما كان صنعة، وصار كل من هب ودب يدلي بدلوه. تارة الإثارة وتارة أخرى الاحترافية في الاختراق والإنتاج والتسويق، باتت هي مصدر الأخبار الأول، الأكثر سخاء والأقل كلفة عوضا عن وكالات أنباء مازال المتربعون على عروشها مهووسين بعدسات النظارات المحدبة والمقعرة وصرعة الباي فوكال أو ثنائية العدسات لذوي طوال النظر وقصاره في آن واحد!

ولعل أكثر ما ثبت مجانبته للصواب منذ ظهور نظرية المسؤولية الاجتماعية في الإعلام هي ادعاء البعض امتلاك منصب القاضي الأعلى أو الحاكم الأعلى باسم قيم الحرية والعدالة والخير والوطنية فينصّب من نفسه “سلطة رابعة” لا يعمل بمبدأ فصل السلطات السابقة تاريخية وهي التنفيذية والتشريعية والقضائية بل يرى نفسه فوق الجميع فيحيل السلطة إلى تسلط والاتصال والتواصل إلى تسلط بلغ في حالات كثيرة ما هو أبعد من التنمر حيث وصل إلى التسفيه والتخوين والتكفير.

قد لا يتفق كثيرون مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب لأسباب كثيرة لكنه أصاب كبد الحقيقة عندما كشف زيف ما يعرف بالصبغة الطاغية على الإعلام في بلاده “مين ستريم ميديا” هو تيار ليس رئيسيا لكنه جارفا لا يرحم من يسبح ضده وإن كان من أكثر الأسماك جودة، أسماك السامون ذات اللحوم البرتقالية الفاقعة!

انظر فيما شهدته وسائل الأعلام العربية والناطقة بها منذ التحضير للربيع العربي المزعوم المذموم. ليس طبيعيا هذا التفريخ والتشظي والتداخل في المحطات والمطبوعات ووكالات الأنباء (المحلية) عبر التعاقد مع ما يعرف بالنشطاء الصحافيين، وتلك بدعة يعلم الله حجم خطورتها ليس فقط على المهنة بشقيها الصحافة والسياسة وإنما على احترام الإنسان لذاته حتى لا يتحول إلى قلم مأجور وهاتف نقال مأجور شأنه شأن المرتزقة الذين ينقّلون الآن من سوريا إلى ليبيا والله أعلم ماذا بعد إن كانت بعيدا صوب القرن الإفريقي أو الإيغور أو الروهينغا؟!

صدق من قال إن الإعلام محرقة لا يدوم إلا بتلقيم أتونه الحطب الكبير سريع الاشتعال بطيء الاحتراق، لكن دخانه ليس كما الفاتيكان ينتهي دائما بدخانٍ أبيض للدلالة على اختيار البابا الجديد. فالمتابع لما ابتلينا به كإعلاميين ومشاهدين في الوسط الإخباري وحتى البرامجي بما فيه الدرامي والترفيهي، يدرك أن ما ينفث في وجوهنا دخانُ أسودُ وسخام!

*كاتب ومحلل سياسي – مدرب مع برنامج الدبلوماسية العامة في الخارجية الأميركية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق