رأي

متى نحاسب؟! .. ياسر حمزة

يدفعك الفضول أحياناً للتوقف أمام منشأة للقطاع الخاص قيد البناء ومراقبة العمل المنظم والسريع فيها، أشهر معدودة قد لا يتجاوز عددها أصابع اليد الواحدة، وإذ بهذه المنشأة قد تم بناؤها وباشرت الإنتاج.

سوق هذه المقدمة ليس انتقاصاً من القطاع العام ومشاريعه، ولكن لأدلل على البطء والروتين القاتل لبعض المشاريع العامة رغم رصد كل الإمكانيات لها.

أحجار أساس توضع لمئات المشاريع في كل عام وفي جميع المناسبات، لا أحد يعرف هل أبصرت هذه المشاريع النور أم لا نتيجة عدم المتابعة؟.

مشاريع تأخذ سنوات وسنوات وتصرف عليها مئات الملايين مرات ومرات مع أنها لا تحتاج إلا لأشهر معدودة وبتكلفة أقل من ذلك بكثير من دون حسيب أو رقيب، والأدلة على ما نقول أكثر من أن تحصى.

أحد الحلول التي طرحت منذ أكثر من ثلاثين عاماً لحل مشكلة تسويق الحمضيات هو إنشاء معمل للعصائر مع أن إنشاءه لا يحتاج إلا لعدة أشهر وقد درست الجدوى الاقتصادية له واستملكت الأرض التي سيتم الإنشاء عليها، ليأتي الجواب من رئاسة مجلس الوزراء بعد ثلاثين عاماً أن هذا المشروع غير مجدٍ اقتصادياً لأن أغلب إنتاج الساحل من الحمضيات هو للمائدة وليس للعصر، والسؤال الذي يفرض نفسه: هل نحتاج الى ثلاثين عاماً حتى نعطي جواباً لمشروع استراتيجي كهذا؟! ومن نصدق الجهات الدارسة أم الجهات المنفذة أم الجهات الزارعة، أن المشروع لا جدوى منه ؟!.

تم حفر بئر ماء لبلدة في ريف دمشق بتكلفة وصلت في حينه الى ما يقارب المئتي مليون واحتفل أهالي البلدة بهذا الإنجاز الذي انتظروه طويلاً ولكن هذا البئر لم يوضع بالخدمة لأن مياه البئر كانت كبريتية أي غير صالحة للشرب.

حفر بئر فيه عشرات علامات الاستفهام، ولا أعتقد أن أحداً من المعنيين بالأمر أجاب عنها، ابتداء من حفره وتكلفته العالية وعدم صلاحية مياهه للشرب وانتهاء بإعداد دراسة للاستفادة من مائه، أي تكلفة أخرى بدون جدوى، هذا بئر ماء وليس بئراً نفطياً.

بناء مدرسة مؤلفة من عدة غرف صفية في قرية نائية يكلف مئات الملايين ويستغرق سنوات وسنوات رغم الحاجة التعليمية الماسة لأبناء القرية لها.

هذه العينة يمكن أن تنسحب على الكثير من مشاريعنا التي يهدر عليها الملايين من دون أن تنجز، وإذا أنجزت فليست هناك جدوى اقتصادية منها.

وعلى الرغم من وجود مفتشي الأجهزة الرقابية الدائم في المؤسسات العامة للوقوف على آلية صرف الأموال ومطابقتها على أرض الواقع، إلا أن أغلب التقارير التي تصدرها تلك الجهات الرقابية غالباً ما تقتصر على بعض الملاحظات والتوصيات السطحية التي لا تسمن ولا تغني من جوع…. أي لا تردع من تسوّل له نفسه سرقة الأموال العامة.

القطاع الخاص له دوره في عملية البناء من دون شك، ولكن يبقى القطاع العام هو الضامن الحقيقي والوحيد، والدليل السنوات العجاف التي نعيشها.

لذلك يجب أن يتم ابتكار وسائل ناجعة لمتابعة مشاريع الدولة وإنجازها حسب البرنامج الزمني المحدد لها وضمن الكشوف المالية المدروسة وتعتبر جولات رئيس مجلس الوزراء والوزراء على المحافظات لمتابعة ما تم إنجازه من مشاريع وبيان أماكن الخلل والتقصير لمعالجته في مهده إحدى أنجع هذه الوسائل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى