إضاءاتالعناوين الرئيسية

متحف للحقائب أم للأحياء؟! .. أحمد علي هلال

|| Midline-news || – الوسط …

 

ثمة صورة قد تبدو عابرة بعض الشيء لولا أن فضولك يدفعك لأن تطيل النظر بها: يقول الخبر عُثر على حقائب لغرقى مهاجرين، غرقوا في البحر وجُمعت حقائبهم لتُعرض في متحف إيطالي، وبعنوان إضافي لكل حقيبة حكاية.
قد تحيلنا هذه الحقائب –كما هو مفترض- إلى حكايات أولئك الغرقى وحيواتهم المفقودة بحثاً عن الفردوس المفقود، أو بحثاً عن ما يشبه الوطن، ولعل متخيل الحكاية سيأخذنا إلى حيواتهم الطازجة بما يكفي صيرورات أحلام فتية، سيذهب في إثرها المبدعون والمؤرخون وسواهم كي يصطفوا ما يعينهم على أن يعيدوا تأثيثها من جديد في الوعي الجمعي الذي تشظى إلى لاوعي خفي مازال يحمل (نوتة) الفوضى الطليقة، فهل إذن نحن أمام مجمع للحكايات، وكيف تتناغم الأحلام البائدة والتي ابتلعها البحر وذوب حبرها، وأطفأ توهج مغامرات الأرواح… متحف سيظل للذكرى لكن الذاكرة سوف تتطير منه لتتشكل من جديد كلما اُستدعيت صورهم وكلماتهم ووثائقهم وأحلامهم التي جفت على شطآن لا نهائية.
ما شأن تلك الحكايات حينما تجف الحقائب فارغة إلا من الملح، الذي ينكأ الجراح الخفية والظاهرة، لكنها ليست المطفأة، حقائب ملونة بما يتسع لأحلام الغرقى، ولا يتسع لغيابهم الذي يحضروه بكامل هشاشة أرواحهم، لابأس إذا نسقت يد تلك الحقائب ووزعتها في تشكيل باذخ يشي بالصور المنسية، ويتوسل ترميمها، والإصغاء لأصوات أصحابها، تلك الأصوات المتداخلة بالصرخات وبنداءات الاستغاثة وبالبكاء والدعاء وضجيج الصمت، وارتباك القلوب وارتجاف الأصابع… مهلاً ليست لوحة سريالية، بل أكثر من ذلك، وليست سردية ملحمية فاضت عن مخيلة المؤلفين، بل أكثر من ذلك هي (مانفيستو) القرن الجديد لمن ذهبوا إلى اللاشيء وأصبحوا محض أرقام تتواتر عداً ونبضاً.

لكل حقيبة حكاية
ثم ماذا فهل تبلغ الألف عداً أم تتجاوز.. ألف من الأحلام والرؤى المضرجة باختناقات الصباح، وما تبقى لبحارتهم المجهولو النسب سعياً لأرض جديدة ذاكرة القراصنة الجدد، الذين استنبتوا نبتاً شيطانياً، إذن عليك أن تنظر إلى الحقيبة بوصفها بذرة لسلالة الأحلام المغيبة، لتنتخب حكايتك الشهية –أيها المؤرخ- وعليك ألا تفيض بالشرح فالحقيبة كثافتهم الأخيرة، التي رموها مثل نرد على سطح أملس، فهل يخرج الغرقى من بابا البحر ، وكم للبحر من أبواب، يخرجون مثنى وفرادة ورباع، وهم يستأنفون غيابهم/ حضورهم الآخر، تذكرة للأحياء الذين يتسع بهم متحف الحياة، فلا شمع يزينهم أو يشكل عجينتهم، تركض حكاياتهم أمامهم ويسعون لترتيب وقائعها المتواترة بمثنويات النور والظل، الكلمات والصمت، وتحت جلد الكلام حرائق من أسئلة تقطّر محنهم الرجيمة.
متحف للأحياء وللمجانين حصتهم في الأمكنة الشاغرة، وحدهم من يذكرون العالم بأن الجنون الآن هو عقل اللحظة، يصبح المتحف قابلاً لزوار آخرين ربما يأتون من عوالم أخرى لا نعرفها، وعلى ألسنتهم يدور غير سؤال كم لبثتم في كهوف ألفيتكم، أنتم من نحتتكم الريح على رؤوس الجبال وفي مفترقات المطر، وأنتم من شويتم بغير نار، يا له من متحف –يقول التاريخ- سنصمت كثيراً قبل أن نذهب في تأويل حكاياتكم ويلتفت لعنقاء الرماد عليك أن تنهضي الآن، فقد نهضوا هم لتحملي أسفارهم فوق سبع سمات طباق، سبع من الفراديس المفقودة… لنعيد براءة الضوء وفطرته السارية صهيلاً يجدد قيامة الأحياء.

*كاتب وناقد فلسطيني- سورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق