إضاءاتالعناوين الرئيسية

ما تبقى لكم ـ ما تبقى لنا.. أحمد علي هلال

|| Midline-news || – الوسط …

 

 

الآن هنا …
في الأسفار الفلسطينية الجديدة، صعدت أجيال فلسطين مترعة بتاريخها لتلتقط حجر الشمس وتحمله وعياً في وجدانها ولم تعد ذكرى النكبة سوى ذاكرة استنهاض جديد يعني وطناً يستحق الحياة، ففلسطين تولد كل يوم في عراء الخرائط متجددة بصحو أجيال عادوا فجراً إلى كرومهم ليزرعوا أشجار الزيتون، وهم من جعلوا للعصافير مواعيدها عند كل شروق، لتصبح فلسطين مجازنا الأخضر، من أمس مضى واثقاً بغده ليرتق قميص الروح، فرغم ألف نكبة ونكبة مازال الصوت يعلو بالنداء: يا أمنا انتظري أمام الباب إنا عائدون/ وبمشيئة الملاح تجري الريح/ والتيار يغلبه السفين.

هي الأرض وعد على رمح المقاوم وعد دم شهيد/ شاهد صار معراج ضوء لتصحو البلاد بلا غزاة، فهل نحن أقرب إلى خريطة الصحو وذات صبح فلسطيني مزنر بفضة الأرواح التي لم تنسَ مفاتيح البيوت، فهي المعلقة على النبض،وكيف لا تلتفت حاكورة الدار لظل دحنونها، وكيف لا يومئ نرجسها للعائدين: أن أتموا صلاة النبض كي تحيا الدروب وتستعيد خطاكم.

هي سورة العائد كما قالها شهيد ومضى كان اسمه لامعاً كنجمة الصباح وكزيتون فلسطين، ماجداً هو كل الأسماء التي توزعت على الجرح وردةً وردة، وتوزعت على الصباحات أغنيةً أغنية، نكبة تسائلنا صبح مساء، كيف تنهض الروح من سنين عجاف، وما كنَّ كذلك، فمن أين يأتي الفدائيون، قالت نهارات راكضة الصهيل في أوردة الماء والهواء والسهول والجبال، صارت الخيمة قبض ريح، وصارت الطلقات وعياً يحرس ظل الأنبياء، ويُعلي مقام البرتقال، فكل برتقالة صارت روح الأرض وشرايينها الدافقة بدم البرتقال… وهناك هناك عرفنا أن شقائق النعمان هي أرواح كانت بيد الله، أرواح نبية بما يكفي أن تمتد طريق الجلجلة إلى حيث المآذن والكنائس مازالت تعلو بقرع أجراسها كل حجب الصمت، ومازالت تخضّب الفضاءات بندى العائدين المسكونين بأفعال العشق في الزمن الفلسطيني العتيد.

وقال العائد: فلسطين سجادة النار، سجادة نور لتخفق عليها أرواح عاشقيها، وتتم الأرض دورانها، وهي لن تكف عن الدوران.

وقال حجر الشمس: سأبني وطناً لم يغير أسماءه، وطناً ظل في القلوب وشماً راسخاً كالاسم والعنوان.

وقال المؤرخ: فلسطين هي سماء النص وكيف لا تُكتب النصوص إلا احتفاءً بها لنعود ونبنيها، كذاكرة لا يقوَ الغزاة على محوها… مازال الجرح طرياً كلما هبت نسائم الذكرى عليه، وترابها كل الأجداد، وهواؤها كل قمصان البحر التي ما نسيها على شواطئه مبتلةً إلى حين.

سؤال النكبة هو سؤال العودة من أعالي الجرح حتى أخمص النزيف، ومن دم وردة ظلت على سياج الوقت في الزمن المستحيل، سؤال الشهيد والأسير والمطارد والمقاوم، سؤال أجداد وآباء كانت الصورة الأخيرة قبل أن يغمضوا عيونهم فلسطين، وتلك الأمانة الأمانة التي تعني في صيرورة التاريخ ميلاد جيل لا ينسَ ولا يغفر، أرأيتم إليه وهو يقف خط دفاع أول عن ذاكرته ومقدساته، وكيف كان الدرس الأول للتلاميذ أن ارسموا أحلامكم، فرسموا فلسطين طازجة على ألواحهم، وتستمر الدروس وفلسطين كلمة السر، بل هي الاسم الحركي لكل قلب صار أرض الحكاية ومبتدأها… كيف نؤرخ لنكبتنا وقد كان التاريخ ومايزال تكتبه طلقات المقاوم، وهي من ترسم خريطة الصحو المبكر، لأجيال مديدة حفظت كل دروسها، وصار الدرس الرسمي في أمسهم الذي مضى هو المشهد الآن حينما رجموا بحجارتهم رأس مشروع تمدد قسراً وزوراً، في أرضهم هناك لكنه لم يجرؤ على وعيهم/ علامتهم الفارقة في الزمان والمكان.

فلسطين يا جرحنا المقاتل ستظلين واسطة العقد لكل عشاقك أنى جاءت بهم الجهات، ليحتشدوا كما النشيد على طريق جلجلتك، المصلوبون على نهاراتهم وأنى لأكاليل الشوك أن تعتمر رؤوساً لا تفرغ من العشق والحلم.
.

*ناقد وكاتب فلسطيني – سورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى