العناوين الرئيسيةخاص الوسط

ما بين أمواج الرصاص وأمواج الحصار, دكان قريتنا اغلق بابه أمس.. مالك معتوق

|| Midline-news || – الوسط …

 

ما بين أمواج الرصاص وأمواج الحصار, دكان قريتنا اغلق بابه أمس.. مالك معتوق.

الزمان: السادس والعشرون من تشرين الثاني  2019

المكان: الشمال السوري _ شرقي نهر الفرات _ “تل أبيض .. رأس العين”

الحدث: دكان قريتنا اغلق بابه أمس

هُناكَ في الشمال السوري وعلى خط ممتد من عين العرب الى تل أبيض فـ رأس العين سجون يسمونها مدنا، الوجوه فيها كالحة يسيطر عليها الوجوم، والعيون تملأُها دمعات تأبى النُزول، هناكَ في الشمال السوري سوريون مسكونون بالوجع، تتقاذفهم أمواج الرصاص العثماني وأمواج الحصار الذي تفرضه عليهم ميليشيا قسد.

في الثالث عشر من تشرين الأول 2019 سقطت “تل أبيض” وأخواتها في قبضة “نبع السلام” التركية, بينما يبقى السلام هو العنصر المفقود الأبرز في سلسلة الأحداث الجارية شرق الفرات.

عملية ككل مثيلاتها، إضافة إلى أهدافها ومراحلها المعلنة، يحتل المدنيون صدارة صورها القاتمة، حيث لا يمتلكون قرار الحرب أو خيار النجاة.

400 ألف سوري في تل أبيض ورأس العين بينهم أطفال وشيوخ،  امتلأَت قلوبهم بالرعب من مرتزق تقول هويته أنه سوري طلع عليهم من الجزمة العسكرية التركية وامتلأت حناجرهم بالعتاب والخيبة مِن حكومتهم في دمشق التي وقفت تتفرج على دمار بيوتهم وعلى جوعهم؟ فما الذي يحدث في تل أبيض ورأس العين، على مرأى من سوريتنا المذهولة؟ وعيون أهل المدينتين المفتوحة، الناظرة إلى دمشق سائلة لماذا؟

الحياةُ تحت الاحتلال التركي قاسيه، والجوع والقهر هُما الوجبة اليومية للذين مورس الإرهاب بحقهم بأبشع صوره.. تعيش المنطقة أوضاعاً إنسانية صعبة مثل انقطاع المياه، وخروج محطات تغذية الكهرباء عن الخدمة بسبب القصف التركي، بالإضافة الى الاعتداءات وأعمال النهب من قبل الفصائل المسلحة المدعومة من جيش الاحتلال التركي، التي تتمتع بقدرة هائلة على إحالة المناطق التي تحتلها إلى عصور تعود إلى بدائية الكائن البشري، بالاعتماد على الترويع والتخويف بالأذى البدني أو الجوع، في حال لم تمارس القتل الصريح.

تدهورت الاحتياجات الإنسانية الأساسية في المدينتين طوال الأيام الماضية بعد أن أطلقت قسد شبح الجوع من قمقمه على المنطقتين, فأغلقت كل الطرق المؤدية إلى تل أبيض ورأس العين للوقوف في وجه عمليات تهريب الطعام والدواء في عملية تجويع للسوريين إلى حدودٍ تركيعية حرفياً, وعقاب للسكان هناك وهو ما يشكل تهديدا جديا لحياتهم “يعيش سكان تل أبيض تحت الاحتلال التركي والحصار القسدي منذ 13 تشرين الاول 2019”.

الاحتلال والحصار أثقلا كاهل سكان تل أبيض ورأس العين بما يتجاوز حدود التعب, ولا أحد يبالي ولا أحد يتحدث عنهم، المنطقة محاصرة والمواد الغذائية نفذت من الاسواق، واصبح السكر والمعلبات كماليات ورفاهية.. والكثير من المحال التجارية نفذت كل بضاعتها بشكل كامل, هذا الوضع المأساوي يزيده الشتاء القارس تعقيداً.

تقول إحدى النساء السوريات في تل أبيض للوسط: “نحن نفترش التراب وننام في العراء الأطفال بلا أحذية بلا لباس, هم جياع, ماذا نقول أصبحنا في العراء ولا أحد ينظر إلينا أو يتذكرنا.. لم يعد هناك كلام”.

تتحدث أخرى عن الأوضاع في تل أبيض بالقول: “في البدء كانت داعش تلتها قسد والآن أردوغان, إلى متى سنبقى تحت الظلم.. ما هذا الظلم الذي يقع علينا, إن الموت أفضل من الأوضاع التي نعيشها”.

منذ بداية الاحتلال التركي لتل أبيض ورأس العين حظي الجوع بمراسم استعراض كرنفالية، في فترات التعب التي يسكن فيها اهالي تل أبيض، كانت قوات النظام التركي، تجول ومعها صورةٌ أحفورية لوحش الجوع الهمجي، كامنة وراء ابتسامة أردوغان في صورته المرفوعة أعلى وأعلى فوق الرؤوس المحنية، كإجراء ردعي احترازي، وتدريبي في الوقت ذاته، شبيه بقفز الحواجز، حواجز الجوع.

اصطف السوريون بطوابير طويلة أمام قافلة المساعدات التركية, التي ارسلت منذ ايام وتم توزيعها عشوائيا، والتوزيع العشوائي له دلالاته, فبهذه الطريقة يضغط المحتل التركي على الفئات الاجتماعية التي يريد اخضاعها.

أي عار وألم تحسه، وأنت تتفرج على طابور من مئات السوريين والسوريات، يقفون، ساعاتٍ طويلة، في برد الشتاء القارس، أو في الهواء والغبار، متجاهلين أنين أطفالهم وبكائهم، من أجل الحصول على زجاجة زيت أو كيس حليب أو أرز؟ في تل أبيض ورأس العين، يمكنك أن ترى هذا المنظر، ويغوص قلبك داخل ضلوعك خزياً وألماً، وأنت تتساءل أية ذاكرة ستتشكل للأطفال، وهم ينتظرون مع أهلهم ساعات للحصول على لقمة تسد جوع الذل؟

كتب أحد النشطاء على فيس بوك “كرتونة مساعداتكم مردودة عليكم.. المنطقة بحاجة مواد غذائية وأهلها قادرون على شراء ما يحتاجون”.

أهل المنطقة هم ابناء سورية, ومن كل المكونات, وليس مفهوماً سكوت الحكومة في دمشق عن حصار قسد لتل ابيض وراس العين ومنع المساعدات الغذائية عن السوريين فيهما وتجويعهم, يستغرب الصحفي خليل هملو ذلك ويقول: “لم نسمع بيانا من حكومة خميس ولا من بوتين ولا من غوتيرش”.

فلماذا لا تتوفر “نتفة” من ضمير، لأرسال الغذاء للشعب السوري في المدينتين المحاصرتين، هل المطلوب بعد مرحلة التجويع، أو قرار التجويع، أن يُتخذ قرار بأن يفقد المواطن السوري عقله، لأنه لم يعد لديه القدرة على تحمل مزيد من إجرام العالم؟

ليمُت آلاف السوريين في تل أبيض ورأس العين وغيرهما من المدن من نقص الدواء أو الغذاء فمن يبالي؟ بل، على الأغلب، هنالك من يبالي، لأن السوري تحول إلى أداة للتفاوض من تحت الطاولات، وربما المطلوب، في هذه المرحلة، تجويعه جوع الذل، لأن الجوع الحقيقي ليس جوع المعدة فقط، بل جوع الذل.. والله اعلم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق