إضاءاتالعناوين الرئيسية

ماياكوفسكي.. فنان لا نجد له لوحة واحدة! بقلم: عباس ثائر

|| Midline-news || – الوسط …
.

   يُعرف عن فلاديمير ماياكوفسكي أنه شاعر وكاتب وفنان، وصلتنا أعماله الأدبية، بينما لم نحظَ بأعماله الفنية. كتب قصائد جريئة، فكرية، وسريالية، بارعة. وهو شخصية غير عادية، مضيئة، برّاقة “صاخبة”. لم يكن مثل أي شخص آخر من مواطني روسيا؛ فقد كان على دراية تامة بالمعنى الحقيقي لما يعنيه مصطلح “واجب مدني” فتعامل معه بإخلاص وجدية ومسؤولية.

ماياكوفسكي غني عن التعريف، لكنّ ما يثير استغرابنا كقراء عرب، هو أن ما وصلنا منه، شعره ومسرحياته وحسب، بينما لم يصلنا أي شيء من فنه سوى ما قيل عنه: “كان فنانًا”. ولكن أين من كل هذا لوحاته الفنية ورسوماته؟ عمن تحدثت؟ وكيف كان يرسم؟

يكاد يخلو “جوجل”- باللغة العربية؛ من أي صورة للوحة أو  أي من أعمال ماياكوفسكي الفنية. على الرغم من ظهور موهبته في السابعة من عمره بعد أن انتقلت عائلته الى كوتاسكي، ودرس في صالة الألعاب الرياضية.. هناك أخذ بعض الدروس في الفن. وفي خريف عام 1911، أعاد الامتحان للمرة الثانية في مدرسة الرسم، بعد أن فشل في المرة الأولى عام 1910، إلاّ انه لم ينجح مرة أخرى! لم يسعفه الوقت في الاختبارين اللذين اشترطا لاجتيازهما تقديم عمل متكامل أثناء الامتحان، لم ييأس فأقدم على التسجيل في “مدرسة موسكو للرسم والنحت والعمارة”، فهوايته كانت تنتظره داخل تلك الأسوار، مدرسة موسكو، المكان الوحيد الذي استقبله دونما شهادة ثقة.
لم يكن شاعرًا هائلًا فحسب، بل فنانًا برع في فنه، وللأسف أن لوحاته ورسومه لا يعرفها الجميع. عندما وصل شرار الثورة الروسية إلى جورجيا، شارك في المسيرات لأول مرة وهو طفل، لم يبلغ الحلم، ذكرت أخته ليودميلا ماياكوفسكي: “إن نضال الجماهير الثوري قد أثّر بشكل واضح على فولوديا وأوليا أيضًا، فكان القوقاز يشهد ثورة خاصة، لقد شارك الجميع في النضال، وانقسموا إلى الذين شاركوا في الثورة، والذين تعاطفوا معها، وبالتأكيد المعادين لها”.

.

.
مرة أخرى ينتفض الشاب الروسي المتحمس ليكتب قصيدة ثورية مناهضة للنظام، فنشرت بعد ذلك بإحدى الصحف المدرسية ما قاده للسجن، ثم أطلق سراحه بكفالة وسلم لوالدته.
ألقي القبض عليه ثالثة، إثر مشاركته مع ايزدور مورتشادزي – اشتراكية دمقراطية- منظمة هروب النساء السياسيات السجينات من سجن نوفنيسكي، فانتهى به المطاف في سجن بوتريكا، وفي الحبس الانفرادي. مورتشادزي كانت واحدة من أولى أعماله الفنية، رسمها في سن 15 من عمره.
تتحدث “شيخيل” عن ماياكوفسكي في مذكراتها، التقته في مارس 1913، وهي ابنة مهندس معماري معروف، وكان شقيقها يدرس في مدرسة موسكو مع ماياكوفسكي: “منذ تلك الفترة قد حافظت على عدد من الرسوم القيمة للغاية لماياكوفسكي، كان معظمها مخصص للزرافات لسبب ما، رسمها في ألوان الباستيل الملونة، واضعًا اياها في ألبومي”.
ما يعرف بسلسلة الزرافة، أو الزرافات، تنتمي أيضًا الى فترة دراسته في المدرسة، وهي من الأعمال الرسومية التي تعكس التغييرات في صورته ونفسه”.
إذا ما شاهدنا “سلسلة الزرافة” من المؤكد سيقفز لأذهاننا سؤال: لماذا اختار حيوان الزرافة لرسمه بالذات؟ لماذا أصبح مثل هذا الحيوان الغريب موضوعًا لصور الفنان الروسي الشاب؟
تجيب شيختل: إن من أسبابه هو اهتمام الطليعيين للسنوات العشرة من القرن العشرين بالتكعيبية، وتأثره بأفريقيا والفن الأفريقي. يمكن تجزئة رسومات الزرافة الى ثلاث مجموعات: يوضح الأول اهتمامه بأفريقيا، وتضم المجموعة الثانية بطريقة أو بأخرى حقائق حياة ويوميات الفنان (زرافة في موعد مع طبيب الاسنان، زرافة عند الكوافير أو مصفف الشعر) وعن هذا تقول شيختل: إنه شعر ذات يوم بألم في أسنانه فرسم زرافة يصاحبها سن متهشم، أما الرسم الثاني فإن قصيدة: “إنهم لا يفهمون أي شيء، 1913”
يمكن أن تكون بمثابة تفسير لها: سرت للحلاق، همست له بهدوء: مشط أذني وكن لطيفًا معي، ذلك الحلاق الناعم، فجأة صار صنوبريًا، وتمدد وجهه كما لو كان الكمثرى”.

واحتوت المجموعة الثالثة على بعض الرسومات من بينها صورته بطريقة كاريكاتورية، ماياكوفسكي في ملاحقة الزرافة، وماياكوفسكي راكبًا الزرافة.


.

من سلسلة الزرافة يتضح أنه لم يكن نجمًا في سماء الطليعية الروسية فحسب، إنما كان معلمًا. أثناء دراسته رسم الكثير من اللوحات لكن مصيرهم كان غير معروف، على الأقل كان ينبغي عليه تقديمها في الامتحان النهائي. بعد تخرجه من مدرسة موسكو، توقف عن الرسم، واقتصر عمله في مجال الفنون الجميلة على الدعاية الدعائية وملصقات “جروث” الثورية، ومع إعلان اندلاع الحرب العالمية الأولى بدأ في التعاون مع دار النشر لوبوك اليوم، التي نشرت سلسلة من الطباعة الحجرية الملونة تحكي عن أحداث آب/أغسطس-تشرين الأول/أكتوبر 1914، وتحت اسم مستعار، عمل مع ماليفيتش وبعض رفاقهم، فخلقوا الكثير من الطوابع السوفييتية، التي ظل الإعلام السوفييتي صامتًا عن حقيقة أن ماياكوفسكي بدأ في صنع الملصقات الأولى عام 1914، حتى أصبحت موضوعات رسومه وملصقاته وطوابعه “هتافًا وطنيًا” يهدف إلى السخرية من الجيش الألماني والنمساوي المجري.
في الأعوام ما بين 1911 – 1915، ابتكر العديد من الرسومات المضحكة والرسوم المتحركة والصور الاحترافية. خلال سنوات الحروب والثورات رسم الملصقات، وزودها بكتابات شعرية، أولاً لدار النشر “لوبوك اليوم” ثم لـ”ويندوز، نوافذ”. بلغ عدد الرسومات التي رسمها الآلاف.

‎في الأيام الصعبة من الحرب الداخلية والخارجية التي مرت بها روسيا، وعندما تطلب الوقت نفسه أشكالًا دعائية جديدة من الفن التي يمكن أن ترفع روح الجماهير المعنوية للقتال، ولدت الأسطورة “ويندوز، النوافذ”. وكانت الصحافة المصورة هي شكل التواصل مع الناس الذين احتاجهم، بحسب تعبيره: “الشارع هو فرشتنا، والمربع هو لوحتنا”. ربط دور الشاعر والفنان في بناء مجتمع عادل اجتماعيًا بـ”دمقرطة الفن”، مع البحث عن أشكال جديدة جذابة للجماهير، فهو يعتقد: لا  ينبغي أن يتركز الفن في المتاحف، والمعابد، والمعارض الخاصة أو الشخصية، ولكن يجب أن يكون في كل مكان، في  الشوارع، الترام، المصانع، ورش العمل، المناطق

.
استخدم في فنه أساليب الطباعة الشعبية، مما حرره من الطوابع. اعتمد في رسومه بعض التقنيات المختلفة: ألوان مائية، حبر، قلم رصاص، فحم، بينما في الأيام التي لم تكن لديه المواد الكافية للرسم؛ كان يبتكر الوسائل -وسائل مرتجلة- ففي الغالب من لوحاته كان يستخدم أعواد الثقاب المحروقة، وأعقاب السجائر المنقوعة بالحبر. مسار ماياكوفسكي الفنان هو ذاته مسار ماياكوفسكي الشاعر: صراعه مستمر ضد الأكاديمية، الملل والجمال البرجوازي، كان يبحث عن طريقة لإيجاد فن نشط وصادق وضروري، لمنفعة الناس.
الآن، بعد أعوام، لم تيبس قصائده ولم تجف لوحاته، ولم يكفا عن جذب انتباهنا من خلال سطوعهما وأصالتهما وحرفتهما المذهلة، وتلك هي العبقرية. صاحب “غيمة في سروال” تثيره مشاهد الحيوانات حتى رسم: الكلاب والحمير الوحشية والتماسيح، كما أن من هوايته المفضلة في الرسم، “رسوم ودية” لبعض معارفه وأصدقائه، مثل ربيين وتشوكوفسكي وغيرهم..
فنان وشاعر معًا، روحان بجسد واحد، روح رسامة وأخرى شاعرة، وهذا ما جعله يعكس المهام السياسية والاقتصادية والصحية والعسكرية في قصائده ورسومه معًا. ذات مرت كتب مقالًا بعنوان “أطلب الكلمات” كتب بعد عشر سنوات مرت على إنشاء “نوافذ” تذكر في مقاله كيف أن ثلة من الفنانين “خدمت الأمة الخمسين مليون يدويًا، وأن هذا لعمل كبير وضخم، الحملة التي كانت من أجل قطف الفطر؛ لسد الجوع ومحاربة رانجل والقمل والتيفوئيد”.

ومن هذا المنطلق نجد أن عمله في “ويندوز، نوافذ” عملًا سياسيًا وإنسانيًا بذات الوقت؛ لذا استجاب سريعًا وبشكل معلن، للقرارات والمراسيم الأولى التي أصدرتها الحكومة السوفيتية آنذاك.
.

.
فيما يتعلق بالقضايا الصحية، وانطلاقاً من واجب وطني وإنساني، واجب المثقف الذي كان يعتقده ويؤمن به، والمسؤولية التي تقع على عاتقه إذا ما اشتدت مأساة الشعب، وإيمانه القوي بالواجب المدني دفعه للعمل بجدية وتفان، ففي إحدى ملصقاته يُظهر الإجراءات الرئيسية لمكافحة الوباء، وتراها بائنة على الملصق في الثلث السفلي من الشكل، رجل يسكب الماء بسخاء من دلو، فيما يقوم شخصان آخران بغسيل الملابس، وفي الخلف يظهر طبيب واقف ويحمل بعض الأدوية بيديه. فهذا الملصق إشارة للتدابير الاحترازية آنذاك حول إجراءات مكافحة التيفوس 28 كانون الثاني/يناير 1919، كذلك نرى أن اهتماماته بالجوانب الصحية تظهر جلية على ملصقاته في الحملة التي أطلقتها الحكومة لمواجهة الأوبئة، فقد سخّر اهتمامًا كبيرًا لهذا الجانب، يبدو أن اهتمامه متأتية من طفولته، ففي سنة 1906، حيث كان يبلغ من العمر 13 عامًا، أصيب والده في إصبعه بإبرة تدبيس الورق، مما أدى إلى تسمم دمه فوفاته.. كان يخشى البكتيريا؛ مما جعله يحمل الصابون، ويأخذ حوضًا قابلًا للطي، وكولونيا لمسحها، ويراقب النظافة بعناية.. يعتقد أن شعره وملصقاته – بما يخص التثقيف الصحي ودعم الجيش وردم الجوع- يجلبان فوائد حقيقية نافعة للناس.

استمرت وكالة “نوافذ او يندوز” في الاحتفاظ بأهميتها الهائلة، فقد ساهم ورفاقه، من خلالها بمساعدة إحدى المدن الروسية التي اكتسحها الجوع (تقع على نهر الفولغا) وبذلوا لأجلها جهداً جباراً، كما شجعوا مواطني المقاطعات “المنتجة” لمتابعة تعليم الأطفال الجائعين والمرضى في تلك المنطقة.
.

*شاعر وكاتب من العراق

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى