إضاءاتالعناوين الرئيسية

ماسحة الأحذية .. أحمد علي هلال

|| Midline-news || – الوسط …

 

* مجرد صورة في الفضاء الافتراضي، صورة فحسب كشأن صورة تمرّ كشريط طويل، مما قد نصطلح على تسميتها بمرايا الواقع، خلافاً لما حاول الغرب وحاكاه العرب من تسمية ملتبسة بحق «تلفزيون الواقع»!

تلك الصورة لفتاة تجلس بصمت أمام «صندوق البويا» منتظرة أحد ما، يمّر…. لتقوم بعملها، سعيدة -ربما- بحفنة من النقود، تسكت بها جشع صاحب منزل مسـتأجر، أو ديّان غليظ القلب، سليط اللسّان، وربّما وربّما… هناكَ رأيتها، لثوانٍ فيها امتزج الخيال بالواقع، دونما انفكاكٍ، فتأملت يداها الصافيتان دون لوثة «البويا» ولم أسمع سوى نداء خافت خجول كوردة الصباح!

كان صندوقها الصغير، يشبه لعبة الصغار، أكثر براءة وصمتاً رغم وقعِ أقدام لم يُعنها إن اتسخت أحذيتها، أم لا بد من «تلميعها» قبل «تلميع» الوجوده، أو الكلمات، ومع ذلك ظلّ صمتها حارساً لوقتها البطيء في إيقاعه، لا لون له، فهل للوقت لون؟.. وثمة أصوات الباعة تلّون الفضاء الآخر غير مكترثة هي الأخرى، بجدال بعض النسوة حول جنون الأسعار، وترف «الموز» وكأننا به يحيا الإنسان، همس بائع فاكهاني ظريف: ربما سيكثر الطلب يوماً إلينا بأن نسّهل التقاط صورة للذكرى مع «الموز» وقد يصبح ثمرة محرّمة، وللقردة وحدهم أن يصعدوا شجرة الموز بلا ندم، ويرمون بلا حياء قشوره، وقشوره تنفع يا سيدي للتزحلق القسري!

ماسحة الأحذية، لم تفتها غريزة الصّياد، لكنها ظلّت واجمة أمام الكاميرا، ترفع أصابعها، ولسان حالها يقول: أنتم في المكان الخطأ!!.

وغير آبهةٍ بنظرات الفضول المتواترة من كل حدب وصوب، غيرُ مألوف هذا، مهلاً ليست –الفتاة- «كومبارس» في لقطة تلفازية عابرة، أو شخصية فرّت من خيال –مؤلف- خاتله الخيال، ففرّ من أوراقه وليصبح كائنه من لحم ودمْ.. أو صورة لرسام ماهر في زمن «الأسود والأبيض» كأن بالزمن توقف برهة، ذهلت ألوانه وتبدّدت، رجعت إلى الوراء خلف الذاكرة، لم تكن فيه أنثى الحرب قد وضعت فراخها، وتكاثرت….

رجعت إلى الصورة –إياها- لأجدَ رابطاً ما فيما بينهما، تلك فراشة يبهرها الضوء، وهذه المعلّقة كأيقونة، ثمة فرق لكن الاثنتان أسيرتا متخيّل هو متخيّلنا، الذي لا ينجو من التأويل، لكأننا سنحتاج كل فائض هذا الخيال، والمفارقة أن الواقع بذاته قد أصبح فائض خيال، كثيف… والمسكينة… من زمن –الحرب- من لم تتقن لغتها ونارية مفرداتها، هي من ارتضت على «خشبة الحياة» دوراً بسيطاً، تماماً مثل من دفعت عربة وجابت بها دروباً خلفية، تبيع شيئاً من «الترمس» دون التفاتة أو تردّد، ولن تصبح تلك التي قادت حافة، لتصل الناس بيوتها، في زمن بعيد، حتى ألِفَ الناس أن امرأة تعمل سائقة تنافس الرجال، دون أن يأخذهم خوف بأنها ربما تتسبب بحادث مروري، وفي غير مكان لا تستطيع امرأة أن تقود حتى سيارتها الخاصة، خشية الفتنة والعياذ بالله…

* وفي زمن لا يشبه هذا الزمن كان صاحب «الغربة واليتيم» عبد الله العروي يشتق لغربائه صيغاً تعبيرية، يواسي فيها قلق زمنه وناسه، مؤثثا فضاءه السردي بمجاز اليُتم، الصريح يتواطئ قلمٌ مع نزف مخيّلة، وتجّف واقع لتخصّبه مرويات شائقة.

*من ينسى قول ديستويفسكي، الأكثر عمقاً في فهم النفس البشرية –باجماع نقاده حينما جهر برأيه: «إن كل كاتب أو فنان، أو كل مثقف بوجه عام، ينظر إلى شعبه نظرة إزدراء، أو مجّرد ترفع، لهو إنسان جاهل، وما يخبئه هذا الشعب تحت أي مظهر من مظاهر تخلفه فيه، من إمكانات نهوض حضارية قادرة على البناء، هذا إلى جانب جهله أيضاً بنقاط الضعف في هذا الشعب التي تسبّب تأخره».

* زمن مسح الحذاء سيصبح أمثولة، فيما ينفتح على غير أزمنة يجري فيها ذلك الإبدال المفارِق: مسحُ الوجوه!

 

*كاتب وناقد فلسطيني- سورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق