العناوين الرئيسيةحرف و لون

مارد السجن .. إيلا مطر

لوحة : فرانشيسكو غويا

|| Midline-news || – الوسط …
.

غرفة سجن معتمة، جدران نهشتها التعرية، صمت موحش بإستثناء صوت قطرات الماء المرتشحة من السقف تتساقط في إناء حديدي صدئ.. جحر فأر تناثرت حوله فتات خبز عفن، رائحة نتنة متكثفة في المكان، جسدان متباعدان يجلسان في العتمة، سجينان يتقاسمان الأشغال الشاقة والأسر المؤبد، يتنفسان عتمة الأيام و الرطوبة المتفشية في حجرة السجن الضيقة، ضوء ضئيل جداً يتسلل إليهم من شقوق الجدران، برد قارس يفترسهما ويفتت عظامهما، لا عادات يومية يمارسانها غير صمت يثير رغبة الموت وانتظار حارس السجن مرة يومياً ليلقي لهما الطعام ككلاب ضالة.

قرر أحدهما كسر حاجز الصمت والتقدم بالحديث إلى رفيق الشقاء، بعد مضي عام على سجنه وصمته، فهو كان يظن نفسه أكثر منه ثقافة وحكمة، و أاوسع علم و معرفة، لذا كان سبب سجنه تناوله جرعة زائدة من الثقافة والحرية المفرطة!
اقترب منه ثم وضع يده على كتفه من الخلف الذي أوشك أن يتحول إلى عظام دون لحم، وهزّه بقوة، ثم همس له: أريد أن أعلمك كل شيء عن الحياة.
=(التفت فزعاً مستفهماً بملاح حزينة) عن الحياة؟ أي حياة؟!
-الحياة… الحياة التي خارج هذه الموت، حيث الضوء والناس و…
=لماذا؟!
-(يتجول في المكان بخطى واثقة) لتتغلب على ضعفك، لتعرف ذاتك، لتخرج المارد الذي يغفو داخلك، لتشعر أنك تتنفس، كفاك عتمة وموت.
=لا حاجة لي بالمارد في هذا المؤبد اللعين.
-لماذا تمنعه؟ دعه يخرج، يجب أن تحرره لتعيش أنت.
=وأنت ماذا قدم لك ماردك؟
-قدم لي الكثير، إنه معي هنا، إنه الضوء الذي من أجله لازلت على قيد الأمل.
=لا أريد لماردي أن يصحو من غفوته أو موته أياً كان، لا أريده أن يموت مرتين، ما حاجتي للضوء وأنا ضرير. (وضع رأسه بين ركبتيه واخذ بالبكاء)
-لا تستسلم، لا تفعل ذلك، لقد قرأتها… نعم قرأت في أحد الكتب “لابد لليل أن ينجلي… لا بد للقيد أن ينكسر”، صدقني، هناك ضوء سيأتي من آخر النفق، لا تستسلم، إنه المارد… إنه الضوء.
=دعني… دعني أنت و ماردك، لقد تعطلت حواسي، لا حاجة لي بالضوء والصوت والرائحة (يبكي ويصرخ) لا أريد شيئاً دعني و شأني، لقد مات ماردي حين ماتت ابنتي.
-ابنتك؟!(يرمقه بريب وشيء من الحزن الذي تسلل بغتةً) لم تخبرني بذلك، ماذا تخفي عني؟
=(لاذ بأكثر الزوايا ظلمة، ثم جثا على ركبتيه، وضع كفيه على الأرض قابضاً الأتربة و الغبار يُحاول حفر قبر) لقد مضى عشر سنوات على موتي، لقد قتلَها، فعل فعلتَه القذرة ثم قتلها، اغتصب الربيع، سرق ضوء عيوني، استلّ قلبي مني.. لقد قتلتُه، ثم شربتُ دمه نخب موته، نخب انتقامي، كمن يشرب النبيذ مع عشيقته، قبضوا علي وأنا بجانب جسده اللعين أتقيأ دمه، ماردي مات، لا حاجة لي بضوئك، لا حاجة لي بماردك.. ابتعد عني لماذا عدتَ؟ لماذا.. لماذا؟
(يختفي صوته ثم يسقط ميتاً). يعلو أنين الريح في الخارج ويتكوم الفراغ و الحزن بأثقاله في المكان. يقترب منه بقلق ثم يهز جسده المتكوم على الأرض) يصرخ متَ؟ هل مت؟. نعم لقد مت، لماذا؟! لماذا؟ وأنا، لم تفكر بي، ما من مارد يعيش بعدك يا ضوئي، (ثم حضنه بقوة و صرخ بيأس) لااااا…
تعتيم..
.

*كاتبة من الاردن
*اللوحة للفنان التشكيلي فرانشيسكو غويا- اسبانيا  

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى