إضاءاتالعناوين الرئيسية

ماذا في الصندوق الأسود؟ .. أحمد علي هلال

|| Midline-news || – الوسط …

.

بعيداً عن التقاليد المهنية والتي عُرفت بها برامج ذات طبيعة حوارية ماتعة، كحال البرنامج الأشهر (شو القصة) للإعلامية رابعة الزيات، والذي يأخذ متلقيه إلى أبعد من فكرة الصندوق الأسود للشخصية المُحاوَرة إن جاز التعبير.
لكن اللافت في سياق الأسئلة الذكية والتي تقتنص لحظتها من سياقات محكمة تحدثت بها الفنانة نادين خوري، هو السؤال عن عزلة الفنان أو كيف يعيش وحدته، لتأتي الإجابة قاطعة: أعيش مع شخصياتي، وهذا ما سيأخذنا بطبيعة الحال إلى أن نُطيّف الفكرة إلى عوالم الأدب والإبداع كما الفنون ذاتها، لنشتق سؤالاً جديداً هنا وهو: كيف يعيش الكاتب مع شخصياته؟ وشخصياته هي ذاته المتعددة، إذ ليس الأمر هنا أيضاً محض شخصيات من ورق، بل هي من لحم ودم شأن كاتبها أو من يمثلها ويحولها إلى حقيقة باهرة، لتتنفس وتتدفق في شرايينها الدماء وتغذ خطاها على أرض واسعة، وتتحرك بحريتها الكاملة.
وعليه إن فن العيش مع الشخصية المُبْدَعة سيمنح ذات الكاتب أو الفنان آفاق من حيوات ملونة بامتياز، بل الأدل في هذا السياق، أي سياق التعدد جدلية الخير والشر، والقداسة والهشاشة، والجمال والقبح، تلك مثنوية تجعل الإنسان –هذا الكائن المركب- أكثر الهاماً للفن والإبداع والفنون جميعها.
وذات يوم سُئل الأديب الراحل حنا مينة عن شخصياته فأشار إلى أنه لا يستطيع تعدادها، فهي تمثل دورة حياة كاملة، بل تعيش حيواتها بمطلق حريتها وما هي إلا أنموذج لصيرورات المبدع وتوقه وشغفه ومناددات روحه الراهجة بالجمال، الجمال الذي لا يُستنفد أبداً ولو قدر لنا أن نسأل غابرييل ماركيز عن شخصياته كيف كانت تعيش معه وتقتسم أحلامه ومكابداته، لفاض الكلام كثيراً وهكذا تبدأ متوالية لا تنته أبداً من استدعاء الشخصية ومحاكاتها، شأن العمل الدرامي الباهر (الانتظار) بشخصياته الحية التي تكاد تكون واقعاً بذاته، بل مقاطع من حياة يعيشها الناس تماماً، فأبطال الأعمال المتعددون باتوا أكثر قوة للمثال عن الروح وهي تتجدد بمقامات عديدة وبهيئات جديدة، لكن خيطها السري يظل أبداً مشدوداً إلى ذوات مبدعيها، لتقوم بينهم صداقات وقرابات على درجة من الحميمية، إذ تتبدد العزلة هنا وتتلاشى الوحدة ولتصبح العزلة بذاتها -إن وجدت- عزلة مضيئة بما يكفي أن يعيش الفنان حيوات شخصياته كما الكاتب أيضاً.
وفي هذه المأثرة تتجلى عظمة تلك الفنون وخلودها، وعلى الأرجح باتت عشبة جلجامش على الطريق، شأن المعاني لكن من يستطيع التقاطها والقبض عليها، ليكتب كلمة في سطر كثيف اسمه الخلود أو رسوخ الأثر، ذلك الأثر الذي يجعلنا أصدقاء دائمين لتلك الشخصيات ونمتلك القدرة أكثر على حوارهم واستدعائهم لمخيلتنا وذاكرتنا، التي تقوم بهم وتنهض على محكياتهم وفرادات تكوينهم بالمعنى الإبداعي والتاريخي… أنا أحيا تقول شخصية عابرة للشخصيات وعلى الكتابة أن تكون ذلك النسغ الأخضر في شجرة الحياة.
.


*كاتب وناقد فلسطيني- سورية

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى