العناوين الرئيسيةمقالات

ماذا عن الغضب؟ .. د.فاطمة اسبر

|| Midline-news || – الوسط …

.

جاء في الحديث الشريف: “ليس الشديد بالصرعة، وإنما الشديد من يملك نفسه عند الغضب”.
وفي الشعر، كتب شعراء كثيرون عن الغضب، حتى نازك الملائكة الأنثى كتبت قصيدة في الغضب “اغضب، أحبك غاضباً متمرداً”.. والقصيدة طويله فيها آفاق مختلفة للغضب، لكن الغضب الذي يحكم معظم الذين كتبوا عنه هو نوع من التثوير والرفض، بحيث يجعلك الشاعر أو الكاتب أنك تتخيل أعداداً هائلة تمشي وهي ترفع الأيدي وتلوّح وتصرخ بصوت عالٍ وهدف هذا الصراخ هو أن “حلّوا مشاكلنا”.

في البيت، الأب يغضب، والأم تغضب، والولد يغضب، وكل واحد يريد الحل ممن سبب له الغضب، وكثيراً ما نخسر الوقت والراحة ويختل نظام الوعي فينا، فما فائدة الغضب وما معناه إن لم يُحدث تغييراً؟

سأكتفي بمثالين: يغضب المسلمون والعرب بعد أن اختصروا القضية الفلسطينية والأرض والبشر والتراب والوجع والقهر والتشريد وهدم البيوت أمام ساكنيها وإخراجهم منها وتسكين مستوطنين. اختصروا كل ذلك واكتفوا بأن يصلوا في الأقصى! فإذا اعتدى الصهاينة على المصلين في الأقصى يصرخون، ويرفعون الصوت لمدة وجيزة..
فماذا فعلوا بغضبهم؟هل فكروا بتحويله إلى سياسة ثقافية تزرع في نفوس البشر بشاعة الاعتداء كما فعل الصهاينة في توصيف كل من ينكر “الهولوكست”  لا سامياً ومعتدياً على اليهود ويحاكم بهذه التهم؟!

والمثال الثاني: سأتوسع بالحديث عنه قليلاً، فلا أحد يشك بأن وزارة الثقافة ووزارة التربية -وهذا ينطبق على الوطن العربي برمته- لديهما دراسات عن تدني الثقافة والتعليم بشكل عام! وإصابتهما بمرض يشد بهما إلى الوراء مع مراوحة في المكان. والمؤسسات التي من المفروض أن تكون مهتمة تقف وكأنها محايدة لا علاقة لها! أما التعليم ووصوله إلى الحالة التي تستدعي المدرس الخاص لكل مادة، ليس في المدرسة، وإنما للأسف داخل البيت. انتشار الدروس الخصوصية وأسبابه يحتاج إلى تقصّ من أشخاص يضعون العلم الهدف الأول فلا يخضعون إلا لضمائرهم والعلم ومصلحة الوطن.

لا أخفيكم، رأيت مرة في الحلم أن وزارة التربية قررت أن تأخذ معلميها من الطلبة الذين حصلوا على أعلى العلامات واختارتهم من أجمل الكائنات وأكثرهم أناقة وجمال حضور، ووضعت لها أعلى الدخول لمعيشتهم، ووحدت المدارس الخاصة مع مدارس الدولة وقضت على الدروس الخاصة وأخذت بدل الاكتفاء بالاعتراف بتراجع الواقع التعليمي تبني هذا الواقع.

ورأيت في حلمي أيضاً.. أن العدوى أصابت وزارة الثقافة، كذلك غضبت وزارة الري، وبدأت بتنفيذ خطة لحماية المياه المهدورة من ينابيع وثلوج، وأن الغضب امتد إلى وزارة الزراعة فبدأت تزرع مع الفلاح وتؤمن له مايحتاج، ورأيت الخضرة تنتشر وتغطي.
شكراً لك أيها الغضب، لقد جعلتني أحلم.. نحن فعلا بحاجة إلى الغضب، لكن نحتاج ذلك الغضب الذي يحوّل سببه إلى فعل ينفيه.
.

*كاتبة وفنانة تشكيلية- سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى