العناوين الرئيسيةدراسات وأبحاث

مابين الاندفاع التركي و الحذر الروسي و التنكر الأمريكي..هل يصبح نزاع القوقاز حرباً إقليمية؟

|| Midline-news || – الوسط …

يعيش أقل من 13 مليون نسمة في جمهوريتي أرمينيا وأذربيجان السوفياتيتين السابقتين، ومع ذلك، يرى متابعون للشأن القوقازي أن الحرب التي اندلعت بين البلدين على إقليم متنازع عليه قد يدفع إلى حرب عالمية كارثية.

فمنذ اندلاع القتال قبل أسبوع، قُتل مئات الأشخاص، بمن فيهم المدنيون الأبرياء، وتتشدد المواقف على كلا الجانبين، حيث طبق البلدان الأحكام العرفية الكاملة أو الجزئية، بينما يحشدان سكانهما من أجل صراع يأخذ طابعاً شبه وجودي.

ومع احتدام المعارك، يمكن أن تؤدي الاشتباكات إلى إقحام القوى الإقليمية مثل تركيا وروسيا وغيرهما إلى عمق الصراع آكثر فأكثر.

ووفقاً لصحيفة ”واشنطن بوست“ الأمريكية، تقع منطقة “ناغورنو قره باغ” المتنازع عليها منذ فترة طويلة في قلب الأزمة، ورغم أنها جغرافياً تقع داخل حدود أذربيجان، لكن أغلبية سكانها هم من الأرمن، كما تسيطر عليها فصائل لها علاقات وثيقة مع العاصمة “يريفان”، فضلاً عن مجموعة من الأراضي الأخرى التي أُفرغت في المنطقة الآن من مجتمعاتها غير الأرمنية“.

وبموجب القانون الدولي، يعد إقليم “ناغورنو قره باغ” جزءاً من أذربيجان، لكن الأرمن -الذين يشكلون الأغلبية العظمى من سكانه- يرفضون حكم باكو.

ويدير الإقليم شؤونه الخاصة بدعم من أرمينيا منذ انشقاقه عن أذربيجان خلال صراع نشب لدى انهيار الاتحاد السوفياتي في العام 1991.

topshot-azerbaijan-armenia-karabakh-conflict

ومنذ العشرينات في القرن الماضي تندلع مناوشات دورية حول الأراضي المتنازع عليها، وكان آخرها في تموز/ يوليو الفائت، لكن القتال الحالي يمثل أسوأ جولة تدور من أعمال العنف منذ أوائل التسعينيات، و تحديداً أواخر شتاء 1992، ولم تتمكن المنظمات الدولية من احتواء الصراع.

وفي ربيع 1993 استولت القوات الأرمنية على مناطق خارج الوصيدة بما يعادل 9 في المائة من الأراضي الأذربيجانية،و لقي ما يصل إلى 30 ألف شخص مصرعهم وشُرد آلاف آخرون، إلى حين وضعت روسيا حلاً لوقف الصراع تم التوقيع عليه في مايو / أيار 1994، بواسطة مؤتمر الأسس الأمنية والتعاونية الأوروبية (مجموعة مينسك)، والذي أدى إلى سلام هش في القوقاز.

ودائماً ما يلقي المسؤولون الأذربيجانيون والأرمنيون باللائمة على بعضهم البعض في إثارة التوترات واستهداف المدنيين.

وذكرت السلطات في أذربيجان، الأحد، أن ضربات الصواريخ الأرمنية أصابت مناطق مكتظة بالسكان في جانجا، ثاني أكبر مدينة في البلاد؛ الأمر الذي أسفر عن مصرع مدني واحد على الأقل وإصابة 4 آخرين بجروح.

وفي هذا السياق، صرح ” أرايك هاروتيونيان”، وهو زعيم أرمني في ناغورنو قره باغ، أن قواته أطلقت صواريخ ”لتحييد أهداف عسكرية“ في المدينة، وهو وصف رفضه المسؤولون الأذربيجانيون.

بدورهم، صرح مسؤولون أرمنيون إن خانكندي، المدينة الرئيسية في ناغورنو قره باغ، تتعرض لقصف عنيف من القوات الأذربيجانية، فيما نقل صحفيون يغطون الأحداث الساخنة في المنطقة، بأن العديد من المدنيين كانوا يختبئون في ملاجئ بينما كانت المدينة تتعرض لهجوم مستمر.

 وقال “إيلين سليمانوف” سفير أذربيجان إلى واشنطن لصحيفة ”وورلد فيو“، إن قوات بلاده لا تستهدف المدنيين، واتهم الجانب الأرمني بقصف أجزاء من بلاده بشكل عشوائي.

وبحسب مراقبين ، يبدو أن العداوات متجذرة بعمق، وأن القادة من كلا الجانبين يرفضون الدعوات إلى إجراء محادثات.

 إذ أعلن رئيس الوزراء الأرميني “نيكول باشينيان” في خطاب له السبت الفائت: ”إننا نواجه اللحظة الأكثر حسماً في تاريخنا الذي يبلغ آلاف السنين، ويجب علينا جميعا أن نكرس أنفسنا لهدف واحد: النصر“.

وفي مقابلة مع فضائية عربية، دعا الرئيس الأذربيجاني “إلهام علييف” إلى انسحاب القوات الأرمينية من الأراضي المجاورة لناغورنو قره باغ، واتهم حكومة “باشينيان” بتقويض عملية السلام المضطربة أصلاً بين البلدين.

وقال علييف إن الحكومة الأرمينية ”بالغت في تقدير أهميتها المزعومة على الساحة العالمية، وبالغت في الدعم الدولي المحتمل لها، وارتكبت أخطاءً خطيرة للغاية تستفزنا وهاجمتنا، وهم الآن يعانون من هزيمة شديدة للغاية“.

2020-10-azerbaijan

إزاء كل هذه التعقيدات على الأرض، أدى دعم تركيا القوي لأذربيجان في الصراع إلى تفاقم التوترات، وقال رئيس النظام التركي “رجب طيب أردوغان”، يوم الجمعة: ”تقف تركيا بكل قدراتها وكل قلبها إلى جانب صديقتها وشقيقتها أذربيجان، وسنواصل الوقوف إلى جانبها، وإن شاء الله سيستمر هذا النضال إلى أن تتحرر ناغورنو قره باغ من الغزو“.

لكن لأوروبا رأي آخر إزاء التدخلات الإقليمية في هذه الصراع، فقد اتهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حكومة أردوغان بتجاوز ”الخط الأحمر“ من خلال إرسال ما أسماهم بــ”جماعات جهادية“ إلى القتال، في إشارة إلى تقارير عن ظهور مجموعات من المرتزقة السوريين التابعين لتركيا على خطوط المواجهة ضد القوات الأرمنية.

وبيَّن ماكرون أنه تواصل مع مجموعة مينسك -التي تضم الولايات المتحدة، روسيا وفرنسا- على مستوى وزراء الخارجية، كما تواصل مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين والأمريكي دونالد ترامب لبحث حل لهذه الأزمة.

ولم يفوت ماكرون فرصة انتقاد تصريحات تركيا، وقال إننا نعتبرها تصريحات خطيرة، ونحن قلقون من الخطاب الحربي الذي تبنته تركيا خلال الأيام الماضية، خصوصاً بشأن دعوتها أذربيجان إلى تحرير إقليم ناغورنو قره باغ، ونحن لا نقبل هذا الخطاب.

وفي حين ينفي السفير “سليمانوف” وغيره من المسؤولين الأذربيجانيين والأتراك هذه المزاعم، مصرين على أن دعم تركيا معظمه سياسي، يستشهد المسؤولون في باكو بأدلة واضحة على انضمام الانفصاليين الأكراد ومجموعات لبنانية الأصل إلى القتال مع الجانب الأرمني، وهي مزاعم يرفضها المسؤولون في “يريفان” أيضاً.

ويعلق السفير “سليمانوف” على الوضع العسكري بقوله: ”أذربيجان لديها قوة مقاتلة منظمة ومتطورة“، مشيراً إلى التطور النسبي للجيش الأذربيجاني مقارنة بنظيره الأرمني الذي يفتقر إلى الموارد الاقتصادية والعتاد العسكري، بما في ذلك الطائرات المسيَّرة الإسرائيلية الصنع، والتي حصلت عليها باكو بفضل ثروتها الكبيرة من البترول والغاز الطبيعي.

2020-10-https___cdn.cnn_.com_cnnnext_dam_assets_201004100654-01-azerbaijan-armenia-conflict-1004

وأضاف سليمانوف: ”لسنا بحاجة إلى مقاتلين إضافيين غير منظمين“، ولا يستطيعون حتى التواصل مع الأذربيجانيين.

وعندما سُئل عن دعم تركيا الواضح لقضية باكو، قال سليمانوف إن هناك ”اختلالاً“ في التصور الخارجي للأزمة، الذي يركز على الدور التركي أكثر من الدعم الأوروبي أو الروسي لأرمينيا.

 كما أعرب عن أسفه للمحاولات الرامية إلى وصف التصعيد الحالي بأنه (صراع ديني)، متهماً المسؤولين الأرمن الذين تذرعوا بخلفيتهم الدينية كنداء لتلقي الدعم من الخارج، وكأنهم يعيشون في عصر القرون الوسطى“، حسب تعبير ” سليمانوف.

وتسلط الأزمة الحالية في ” ناغورنو قره باغ” الضوء على الجغرافيا السياسية المتشابكة في المنطقة، فأذربيجان دولة علمانية مقربة من إسرائيل وعلى خلاف مع إيران في بعض الأحيان، وفي الأسبوع الماضي، نزل الأذربيجانيون الذين يعيشون في شمال غرب إيران إلى الشوارع تضامنا مع إخوانهم؛ مما أدى إلى بعض الاشتباكات مع قوات الأمن الإيرانية.

وكان على كبار المسؤولين الإيرانيين أن ينكروا علناً الادعاءات بأنهم يرسلون المساعدة إلى أرمينيا، ودعوا إلى الحوار والوقف الفوري للأعمال العدائية.

أما بالنسبة لموسكو، فالوضع أكثر حساسية، فهي تمتلك علاقات عميقة مع البلدين، وباعت الأسلحة لكليهما، ولكنها لا تزال أقرب في علاقاتها إلى أرمينيا.

 وهنا، يشير محللون إلى أنه إذا ما تصاعد الصراع وانتشر إلى نقاط تصادم بعيدة عن منطقة “ناغورنو قره باغ”، فقد يثير تدخل تركيا وروسيا لدعم الطرفين المتقاتلين احتمال نشوب حرب أخرى بالوكالة مثلما حدث في سورية و ليبيا.

ومع ذلك، فإن الرأي العام الروسي بات يعارض بشكل متزايد مغامرات الكرملين الخارجية، وهذا قد يحد من تحركات روسيا.

وقال سيرغي ميزدونوف، كبير الباحثين في معهد موسكو الحكومي للعلاقات الدولية: ”نحن نستخدم امتيازاتنا لنكون طرفاً مرحباً به من قِبل كل من أرمينيا وأذربيجان، في حين تركز تركيا على جانب واحد فقط وتخلق عقبات أمام روسيا؛ لأنها تدفع أذربيجان إلى الاختيار“.

وفي سياق متصل بردود الفعل، قالت المتحدثة باسم الخارجية الروسية “ماريا زاخاروفا” إن موقف تركيا “النشط” في النزاع الدائر بين أذربيجان وأرمينيا كان متوقعاً.

وقالت “زاخاروفا” في تصريحات لصحيفة “كومسومولسكايا برافدا” إنها ليست هذه المرة الأولى التي تدخل فيها هذه المشكلة المجمدة مرحلة مفتوحة، مشيرةً إلى أنه كانت هناك تصريحات معينة تسمع من أنقرة من قبل.

وأضافت “زاخاروفا” أن روسيا لا تستطيع أن تحذو حذو تركيا عبر اتخاذها موقفاً مماثلاً من الأزمة الراهنة، مشيرةً إلى أن لموسكو مناهج وأساليب خاصة بها في تسوية النزاعات، كما يختلف خطابها السياسي عن خطاب أنقرة.

وقد تكون لا مبالاة الغرب، ولا سيما الولايات المتحدة، تجاه الصراعات والخلافات المستمرة جزءاً من المشكلة، وأشارت مجموعة الأزمات الدولية إلى أن ”نقص الاهتمام الدولي قد بعث برسالة إلى الأطراف، مفادها بأن الصراع لا يهم أحداً خارج المنطقة“.

وعلى حسب تعبير “توماس دي وال”، وهو زميل بارز في مؤسسة كارنيغي في أوروبا: ”انسحب الأمريكيون من هذه المسألة، وإذا كان ترامب قد سمع عن أذربيجان، فهذا لأنه مكان أراد بناء برج فيه يحمل اسمه، وليس أكثر“.

المصدر: وكالات 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق