إضاءاتالعناوين الرئيسية

ليلة رأس السنة «دعني أحلم يا سيدي» .. أحمد علي هلال

|| Midline-news || – الوسط …

 

 

«للإشراقات أوقات أسرع من ركضها»
ليس محض عودة إلى تراث الليالي وتصاديها في يومياتنا النازفة على أثير الدهشة والانتظار، وماس الحكايا التي لا تنتهِ، لكنها الليلة التي تمور بهواجس التوق والانخطاف إلى أزمنة أخرى مشتهاة، وفي فورة الحدوس وانثيالات الأماني وتشظي الرغائب يصبح الجميع على خشبة مسرح واحد: الانتظار لما سيأتي وكأن الذي كان بتدعياته وانعطافاته وآلامه المبرحة وأفراحه المختلسة أقرب إلى حلم الفرق أنك تراه حقيقة، كم أضحكي وليم بليك حينما قرأت ذات مرة ما كتبه عن الخيال والواقع حينما يتعانقان في ساعة من الزمن وذلك شأن الخيال الذي يتساءل كثيرون -هذه الأيام- أين ذهب… إذ الواقع بذاته كان محض خيال، فكيف إذن نصنع غدنا ونحن على قارعة الانتظار الرجيم، تموج العواطف وترتفع إلى ذراها الطليقة ثمة شيء ما ننتظره ونسبغ عليه كل أمنياتنا، فالعام الذي سينقضي كما قيل هو عام الدهشة، ولعل العرافين سواء اختلفنا أم اتفقنا معهم هم على مسافة حذر وارتياب وقلق ليتداعون في بياناتهم المقتضبة عن الحظ وأشياء أخرى، ومعه ترتفع بورصة الانتظار، وبالمقابل أسهم القلق فالتفاؤل عملة نادرة لا تكترث بمضاربات الدولار، ذلك هو شأنها في الأزمنة المنتظرة والتي توسل خيال الروائيين والشعراء أن يقتطفها كنجمة بعيدة، بل يقتطف تفاح بهجتها الخفية ليؤنس بها ليال الساهرين في ضوء أجسادهم وأرواحهم القلقة، سلام وحروب وفقد وميلاد وفرح خفي تجهر به ابتسامات عابرة تحت ضربات ألم ممض تحت جلد اللغة، وتلك الشمس الرمادية على استحياء ابتسامتها تتوارى بين غيوم مترعات بالمطر… إنه مفترق العشق والصبابات التي تولم للساهرين أوقاتاً مسروقة من ذاتها، ليقول العرافون بشبه اطمئنان سنة قادمة مليئة بالمتاعب والهموم وقليل من الانفراجات، يستدركون من أجل الموضوعية فقط بقولهم بالمتاعب، وعلى منتظري أبراج الحظ ألا يناموا، فأمامهم متسع للتأمل والفرق ساعات قليلة حتى يبان الخيط الأبيض من الخيط الأسود وينجلي ما كان غائماً وتعود  العصافير إلى عاداتها القديمة في ارتشاف المطر من أعالي الأشجار، ويعود المغنون لأعالي النشيد غناءً حتى تتوهج حروف اللغة فتستبقي من جمر الموائد لذةً للساهرين، إنها -أيها السادة- ليلة رأس السنة فهل تكون كمثلها من ليالٍ عصف بها الزمان وأخرجها كعروس في ليلة الميلاد تأوي إلى كهف أحلامها، أم تظل الحروب لاستعارات جديدة وبأسماء جديدة ولعله السلام الباهظ بأحلامه من ننتظره جميعاً، ونحن المسكونين به والجاثمون على حواف شغفنا الداخلي بانتظار ما سيأتي ليغير في دوائر الماء بحجر الضحك.

وحدهم العاشقون خارج أزمنتهم المتفلتة من اغتراب الأجساد والأرواح، من يغذّون الخطا صوب روايتهم المستحيلة، وكيف يضبطون إيقاع يومياتهم الأخرى على إيقاع انعتاق قادم، لا يجعل من الموت صديقاً، بقدر ما ما يتوسلون صباحات جديدة، إذ يغسل فيها المطر حروف قلوبهم ويأخذ أناشيدهم الناحلة صوب ذؤابات السنابل… وحدهم العاشقون من رأوا فتنة اللغة في معراجها السرمدي للخلاص، العاشقون هم المبدعون الذين تنكبوا مغامراتهم بصمت سرداً ونثراً وموسقةً، ليس في الأمر ما يدعو للرقص على الجراح، بل هي الأبدية التي ينشدونها على إيقاع أندلسي يلهب أكف الزمان… إنها ليلة رأس السنة أيها السادة فلتحلموا فحسب، ولعل عبارة بعينها ظلت تراودني فأرتلها بطريقة خاصة جداً: «دعني أحلم يا سيدي»، ولعل من كتبها -ذات حلم- تماهى مع ما ستذهب إليه ليلة رأس السنة: الحلم… لكن من يجرؤ على الحلم، يجرؤ على استعادة الحياة من الحياة، فقل لمن شطر ماس حكايته عساها ترجع الأيام لتحملنا على أجنحة ستصبح النص الجميل في كتاب الأرض والسماء.

*كاتب وناقد- سورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق