إضاءاتالعناوين الرئيسية

ليس ذنب القانون!.. بسام العطري

…الوسط – midline-new

.

أثارت جريمة القتل التي وقعت مؤخراً في مدينة دمشق والتي ذهبت ضحيتها سيدة في مقتبل العمر إثر عنف جسدي تعرضت له من زوجها ووالده ردود فعل عنيفة ومتباينة في شدتها واختلافها في الشارع السوري على مختلف أطيافه كافة وحمّل ناشطون على صفحات التواصل الاجتماعي الذنب للبنية القانونية في المجتمع السوري.

نحى منهم باللائمة على الدستور وراح يهرف بما لا يعرف للأسف الشديد، كما قامت قائمة المدافعين والمدافعات عن المرأة وحقوقها – ومعهم كل الحق في ذلك – رغم أن نظرة الجميع للموضوع كانت نظرة قاصرة من وجهة نظري المتواضعة، لذلك وجدتُ من قبيل لزوم ما يلزم وبشدة الخوض في غمار هذا الموضوع.

ما أردتُ توضيحه اليوم هو أنه لا علاقة أولاً للدستور فيما جرى ويجري من قضايا مشابهة. فالدستور هو القانون الأسمى والأعلى في أية دولة وهو الذي يحدد القواعد الأساسية لشكل الدولة (بسيطة أم مركبة) ونظام الحكم (ملكي أم جمهوري) وشكل الحكومة (رئاسية أم برلمانية) وينظم السلطات العامة فيها من حيث التكوين والاختصاص والعلاقات بين السلطات وحدود كل سلطة والواجبات والحقوق الأساسية للأفراد والجماعات ويضع الضمانات لها اتجاه السلطة..

ولعل هذا التعريف المقتضب له يجعله بريئاً من التهم المنسوبة إليه في غمار ما جرى ويجري مؤخراً. أما بالنسبة لقانون العقوبات السوري الصادر بالمرسوم التشريعي رقم 148 تاريخ 22 حزيران سنة 1949 – والذي تم تعديله مراراً كلّما كانت تدعو الحاجة لذلك – فهو قانون جامع لمعظم الأفعال التي يمكن أن نصفها بأنها جرمية والتي يمكن للإنسان أن يقترفها خلال عيشه ضمن تجمعات بشرية مدنية كانت أم ريفية.

وفي حين ذهب الناشطون مطالبين بتشديد عقوبة الجناة في الجريمة التي أشرنا إليها في بداية حديثنا لشناعة فعلهم وعدم إنسانيته، نجد أن قانون العقوبات السوري قد أفرد فصلاً كاملاً من الباب الرابع هو الفصل الثالث من القسم الثالث منه للأسباب المشددة للعقوبة ومنها اعتياد الإجرام، حيث عرّفت المادة /252/ عقوبات المجرم المعتاد بأنه:
“هو الذي ينم عمله الإجرامي على استعداد نفسي دائم فطرياً كان أو مكتسباً لارتكاب الجنايات أو الجنح”. وهو ما نلاحظه تماماً على شخصيات الجناة في القضية المذكورة عندما نقرأ تفاصيلها وملابساتها وحيثياتها وظروف ارتكابها. وبالتالي فإني أعتقد جازماً بأن القضية عندما تصل إلى محكمة الجنايات فإن نص المادة /252/ لن يغيب عن فطنة المحكمة في معرض نظرها هذه القضية.
وفي حين طالب الناشطون وعموم الناس بإنزال حكم الإعدام بالجناة، كنتُ أرى – ولا زلت – أن القانون والقضاء هو الحَكَمُ الفصل في ذلك، فالنصوص القانونية واضحة وقطعية الدلالة، والإلمام بتفاصيل القضية وملابساتها هو من صميم عمل المحكمة وواجباتها، وذلك للوقوف على وجود نية جرمية مبيّتة مسبقاً للقتل أم لا، بمعنى هل أن القتل تم ارتكابه عمداً أم قصداً، الأمر الذي يجعل العقاب متفاوتاً بين الإعدام والأشغال الشاقة.
وهذا أمرٌ لا يمكن لأحد الفصل فيه سوى المحكمة الناظرة في الموضوع.
في حين وجد الناشطون فرصتهم للمناداة بمنع العنف ضد المرأة والمطالبة بخط ساخن يمكّن النساء المعنَّفات من الشكوى الفورية، نجد بنظرة متأنية أن النساء لسن الضحية الوحيدة للعنف الأسري أو حتى المجتمعي، فقد عُرضت عليَّ قضيةٌ منذ سنوات قليلة لطفل لقي حتفه نتيجة تعنيف والده وزوجة أبيه له، فمات تحت الضرب المبرح. ومنذ أسابيع قليلة راجعني أحد الموكلين والكدمات واضحة في وجهه نتيجة تعنيف جسدي وقع عليه من زوجته، الأمر الذي يعني أن العنف ليس ظاهرة مقتصرة بمواجهة النساء فقط ! بل ظاهرةٌ عامةٌ يجب أن نتصدى لها بعمومها.

وبينما كانت بعض التجمعات النسوية ترمي مجتمعنا بالتخلف والذكورية على خلفية ما حصل في مدينة دمشق، كنتُ منصرفاً إلى مطالعة الإحصاءات العالمية الموّثقة، فوجدتُ بحسب منظمة الصحة العالمية أن واحدة من كل ثلاث نساء في العالم – أي نحو 763 مليون امرأة تتعرض للعنف – وأن 38% من جرائم قتل النساء يرتكبها شريك حميم (على مستوى العالم أيضاً) حيث يُعدّ عنف العشير أكثر أشكال العنف ضد المرأة انتشاراً على الإطلاق وذلك على الصعيد العالمي . وأن عام 2020 شهد زيادة قدرها 10% من العنف المنزلي معظم ضحاياها من النساء.
وأتابعُ مع الإحصائيات لأجد أن 37% من نساء الوطن العربي قد تعرضن للعنف – بحسب هيئة الأمم المتحدة – وأن 70% من نساء العالم تتعرض للعنف. والمثير ما كشفه تحقيق نشرته صحيفة يديعوت أحرنوت (الإسرائيلية) يوم الخميس 16 كانون الأول 2021 عن أن العنف ضد المرأة في (إسرائيل) هو الأعلى في العالم، ووفقاً لتقرير نشرته المنظمة الصهيونية العالمية – وهي منظمة تطوعية تكرست للرعاية الاجتماعية في جميع قطاعات المجتمع (الإسرائيلي) – فإن 26 امرأة قتلن على يد أزواجهن في (إسرائيل) عام 2020 وارتفع العد إلى أكثر من ذلك في عام 2021.

وبالعودة مرة أخرى إلى قانون العقوبات السوري نجد أنه قد خصص بعض مواده لموضوع الإيذاء الجسدي، وقد جاءت تلك النصوص عامة غير مخصصة للذكور دون الإناث، وسواء كان مرتكب الإيذاء زوجاً أو أخاً أو أباً أو أماً أو غريبٌ من خارج نطاق الأسرة، مما يعني أن قانون العقوبات لم يأتِ بنصوص قاصرة أو مبتسرة حتى نعيبها عليه، بل العيب في (الثقافة المجتمعية) السائدة التي تكم الأفواه وتلجم الشخص المعنَّف وهو الضحية عن الشكوى بحجة العيب والفضيحة وما إلى هنالك من حجج واهية تجعل المعتدي يتطاول في اعتدائه وتعنيفه إلى أن يصل حد القتل كما رأينا في القضية التي تحدثنا عنها في البداية.
.

 

*محام ومستشار قانوني- سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى