إضاءاتالعناوين الرئيسية

لم يكن لوجه الله! … فادي سهو

|| Midline-news || – الوسط …

.

كنت أتابع بلهفة البرامج التلفزيونيّة اليوميّة التي تبثّها القنوات السوريّة احتفاء باختيار مدينة حلب عاصمة للثقافة الإسلاميّة، كنت فخورًا بذلك الاختيار، وبعد فترة وجيزة تلقيت نبأ قبولي في جامعة حلب! يا لها من فرحة لا مثيل لها! سأدرس في عاصمة الثقافة الإسلامية، وسوف يكتبون على شهادتي بعيد التخرّج “جامعة حلب عاصمة الثقافة الإسلامية” هكذا كنت أروّج لنفسي بنيّة سليمة.

ما إن وصلت إلى حلب الشهباء حتّى بدأ الطلاب القدامى يدبّون الخوف في قلبي بعباراتهم المعتادة، مقبرة الآداب، ونسبة النجاح عند الدكتور فلان 5%، وعند فلان 10% بضغط من رئيس الجامعة، والوزير أحيانًا. أغرقوا سمعي وقلبي بتلك العبارات غير الصحيحة، وهذا ما جعلني أصوم لغير وجه الله.

حين خرجت من قريتي الجميلة والبسيطة لم أكن قد قرأت من الكتب سوى: قصص الأنبياء، وتفسير الجلالين، وكتاب وصايا الرسول عليه الصلاة والسلام، وكتاب أسرار الدعاء، الذي اشتريته من أجل حفظ الأدعية المأثورة للنجاح في الثانوية العامّة! وبعض الكتب التي فيها مدائح نبوية، مثل القصيدة المضرية وغيرها من الأناشيد الجميلة، بالإضافة إلى نشيد حماة الديار الذي حفظته جيّدًا في الصف السابع، وأدركت أنّ لا رفيق للأماني بل رفيف!

فوجئت في محاضرتي الأولى أنّ الدكتور قال: لا تصدّقوا معظم ما يقوله رجال الدين ” هدول نصّابين”. قلت في قرارة نفسي: هذا النموذج من الأساتذة الملحدين لن يعطِ نسبة نجاح أكثر من 5%. بذلت قصارى جهدي لأنجح في موادّ الفصل الأول لعدم قدرتي على شراء المواد الجامعية كما يقال. لذلك اعتمدت على نفسي، درست دراسة جدّيّة، لم أكتف بالمحاضرات، بل عدت إلى المصادر والمراجع التي تغني دراستي، كنت أرتاد مكتبة دار الكتب الوطنية صباح مساء، لدرجة أنّ موظفي الدار كانوا يعيرونني الكتب على الرغم من نسياني هويتي في بعض الأحيان! كنت أمشي في شوارع حلب، انطلاقًا من بيتي في حيّ الأشرفية، وصولًا إلى دار الكتب الوطنية في باب الفرج، متجاوزًا عشرات الشوارع والأحياء في وسط البلد.

اقترب الامتحان، اقترب يوم القيامة المصغّر، قرّرت الصيام في أيّام المواد فقط. صمت في اليوم الأوّل وكتب الله لي التوفيق! أعدت الكرّة ثانية في المادّة الثانية، ونجحت أيضا. وفي أحد صباحات حلب المزدحمة استيقظت متأخرًا، غسلت شعري، نسيت أن أسرّحه! هرعت إلى أقرب سيّارة أجرة، لم أفاصله! قلت له: أرجوك لديّ امتحان ولم يبق سوى عشرون دقيقة! بذل الرجل ما بوسعه، متجاوزًا السيّارات الأخرى بسرعة فائقة، ونحن نسمع الشتائم التي طالتنا من نوافذ السيّارات، لكنّنا لم نلتفت إلى ذلك. وصلت إلى الكليّة في منطقة حلب الجديدة بعد دخول الطلاب إلى القاعات، حاول المستخدم منعي! لكني دخلت عنوة، بعد أن أبعدته عن الباب بقوة، ركضت إلى القاعة وإذ بعميد الكلّية يقف أمام الباب. قال لي: أدخل إلى أقرب قاعة، ليس بالضرورة أن تبحث عن قاعتك، وإن سألك أحد، قل له: العميد قال لي ادخل إلى هذه القاعة.

دخلت إلى القاعة، جلست مرتبكًا، وجدت الطلّاب يكتبون، الصمت يهيمن على القاعة، لا صوت إلا صوتي وصوت المراقب هامسًا، اجلس هنا، اكتب اسمك… سلّمني ورقة الأسئلة، طلبت قلم رصاص لأحلّ الأسئلة المؤتمتة لمادّة اللغة الإنجليزية! نظر إليّ الطلاب بدهشة! فقال لي المراقب: المادة ليست مؤتمتة يا حبيبي! فقلت: رسبنا يا حبيبي! ضحك الطلاب وبعض المراقبين، ممّا جعل رئيس القاعة الدكتور س يستشيط غضبًا، مهدّدًا بإخراجي من القاعة.

قرأت السؤال الأوّل: حلّل القصيدة…ما هذا؟ امتحان أدب جاهلي! هذه المادّة للأسبوع القادم، ولم أراجعها! كيف ذلك؟ فقال لي: المادّة أدب جاهلي2، يا إلهي، ليست مادّتي، يا دكتور، أنا طالب سنة أولى، ومادّتي اليوم “اللغة الإنجليزية”. قال لي: أنت مخطئ، ولا يمكنك الخروج من القاعة قبيل نصف ساعة. نطق المراقب الثاني: آه، الآن فهمت قصتك، أنت تريد تهريب الأسئلة!

رشقوني بوابل من الاتهامات غير مراعين أجواء الامتحان للطلبة الآخرين، دافعت عن نفسي، وجلست صامتًا صائمًا! بعد مرور الوقت أخرجوني من القاعة، وإذ بعميد الكليّة يقف أمام الباب، ناداني بصوت أجشّ: تعال، تعال، ما قصتك؟

شرحت سيرتي له، فقال: انقلع من هنا، لك عين واسعة، ألم تر الإعلان على الباب الرئيسي؟! لقد تمّ تأجيل امتحان اللغة إلى موعد جديد، اذهب إلى بيتك، قبل أن أغضب أكثر. شكرته شكر الخائفين!

ذهبت إلى بيتي، وتناولت طعام الإفطار بعد صلاة الظهر! سألني أصدقائي في المنزل عن سبب إفطاري، فقلت لهم: تأجل الامتحان، سأصوم في يوم الامتحان القادم!
.

*روائي وأكاديمي سوري

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى