إضاءات

للـرجـال فـقـط .. د.محمد عامر المارديني ..

|| Midline-news || – الوسط …

 

لعلها من أفضل اللحظات، تلك التي يختلي فيها الإنسان بنفسه، بعيداً عن أقاربه .. فيسرح بخيالاته، ثم يغوص في تلافيف دماغه مستعيداً ما تبقى من ذكرياته .. بحلوها ومرها.

أيها الرجل .. الاختلاء بنفسك نعمة كبيرة، لا تعرف قيمتها إلا عندما تفقدها. ولتنفيذ مثل هذه الرغبة الجامحة لا يوجد عادة أفضل من بيت الخلاء.

قد تضحك من استنتاج كهذا، لكن ذلك المكان السحري يمتلك من الخصوصية منتهاها، فلا أحد يجرؤ مثلاً على مشاركتك فعلتك المريحة وأنت داخله، أو أن يفتح عليك الباب ليطلب منك شيئاً ما، ولا هاتف آلي يرن فيزعجك، ولا قنوات فضائية تبث إليك أخباراً تصيبك بالكآبة، لا بل على العكس تماماً، فقد تتمكن في مثل هذا البيت الصغير من الاستمتاع بوحدتك، أو بعصف دماغك لحل العديد من مشكلاتك.

نعم .. يمكنك في بيت الخلاء -من حيث المبدأ- ممارسة أعمال بسيطة، لكنها جِدّ مهمة، وربما القيام أيضاً بأفعال مفيدة لا حصر لها. فمثلاً يمكنك قراءة الكثير مما هو خفيف، كالصحف اليومية، والمجلات المصورة، ولن يلومك في هذا السياق شاعرنا العظيم أبو الطيب المتنبي، الذي صور وبروعة لا مثيل لها أعز مكان في الدنى. لكن فلتعذرني يا أبا الطيب، فلا السرج في بيت الخلاء بسابح أبداً -مع احترامي لحصانك- ولا الجليس هو جليسك نفسه، إنما هو الذي غدا لدى العامة من مثقفي اليوم إما إعلاناً في صحيفة، أو صورة في مجلة صفراء تقصُ لنا أحلام وأحوال النخب من الفنانين ومصممي الأزياء ومصففي الشعر وكبار الكسبة.

لكن التكنولوجيا -والحمد لله- وبالرغم من جميع المعوقات المادية لاستقدامها وتوطينها، استطاعت أن تجد حلولاً كثيرة لمشكلات ما يعرف بتناقل الثقافة، أو عولمتها .. فمثلاً أصبح في بيوت الخلاء الحديثة حواسيب موصولة سلكياً أو لاسلكياً بالشابكة “الانترنت”، تستطيع من خلالها إرسال رسائلك الالكترونية “لايف” لجمهورك المستهدف .. كما يمكنك أيضاً أن تشارك، وأنت بكامل النشوة، في العديد من المدونات والمنتديات، وأن ترى كذلك أصدقائك الافتراضيين، أو صديقاتك الافتراضيات، المنتشرين أو المنتشرات حول العالم على منصات “الفيس بوك” و”التويتر” و”الانستغرام”، فتبارك لهم مثلاً أعياد ميلادهم، أو تشاركهم فرحة تخرجهم أو زواجهم، وربما طلاقهم، أو تعزيهم بوفاة أقاربهم وأقارب أقاربهم. كما تستطيع أيضاً أن تهديهم “فيديو كليبات” لعظماء الفنانين والفنانات، المطربين منهم والمطربات، أمثال سعد الصغير وشعبولة والديك وأحلام وروبي وأليسا، مستشعراً بذلك الأجواء الرومانسية، وحتى العاطفية المتاحة في بيت الخلاء.

أما إن توفرت لديك تقانة السن الأزرق، أو ما يعرف “بالبلوتوث” فيمكنك حينئذٍ، ومن خلال هاتفك المحمول، إرسال أو استقبال ما شئت من الصور المهيجة للجلد، أو من النغمات الجديدة الهازًة للخصر، أو من رسائل المعايدة المبتهجة بعيد الحب، تهديها مثلاً للذين تحبهم، وأحياناً للذين لا تحبهم، الموجودين طبعاً خارج جدران بيت الخلاء.

نعم، في بيت الخلاء تستطيع أيضاً ممارسة أعمال غير شرعية، بمعنى أعمال تخاف أن تمارسها علناً، ولا أقصد هنا –لا سمح الله- ما قد يخطر في بال أحد ما، فالذي قصدته هو مثلاً عد النقود التي كنت قد خبأتها في مكان ما من البيت، سواء كانت كثيرة أم قليلة، حيث يمكنك أن تفعل تلك العادة السرية كل يوم تدخل فيه إلى بيت الخلاء، وكلما دعتك الحاجة لذلك، وبخاصة إذا كنت تخاف أن يعرف أحد ما في البيت ما معك من وفير المال، أو أن يطمع بكثرته شخص قريب منك، كوالديك أو أخوتك أو زوجتك أو أولادك. لكن احرص إن أكثرت الدخول والخروج لتكرار عملية العد أن يكتشف أهل الدار أمرك، فتصبح تلك النقود قصة من قصص التاريخ. ولعل أفضل حل أراه لهذه المشكلة هو أن تتظاهر بمعاناتك من مغص معوي شديد.

يمكنك في بيت الخلاء أيضاً التمعن في بعض الصور الفوتوغرافية التي التقطت برغبة منك، أو غصباً عنك، والتي كانت تجمعك مثلاً ببعض زميلاتك الحسناوات، العانسات منهن، ومن غير العانسات، الناهضات منهن، ومن غير الناهضات، صور ترغب في إخفائها مثلاً عن زوجتك خشية أن تشك بعلاقة ما، كنت – للأسف- بريئاً منها.

وقد ترغب أحياناً، إذا وجِدَتْ في بيت الخلاء مرآة مكبّرة، أن تتأمّل في تقاسيم وجهك، بكل هدوء، ومن دون أي إزعاج من أحد، فقد تكتشف فيه صدفة مكامن جمال لم تكن قد اكتشفتها من قبل. كما يمكنك أيضاً أن تجرّب من خلال تلك المرآة عدة ابتسامات، أو ضحكات، أو قهقهات، فتختار منها ما يناسب وجهك، وبخاصة عندما يراك مديرك مثلاً، أو ربما جارتك، أو بعض من زملائك في العمل. كذلك يمكنك من خلال المرآة التعرف أيضاً على أنسب طريقة للعبوس، ويفضل في هذه الحالة أن تقيس باستخدام “بيكار” هندسي مدى ميلان شفتيك عند الغضب لتحسب منه أفضل زاوية للوجه المتجهم.

كما يمكنك في هذا البيت الساحر أن تمارس أعمالاً شتى كنت تستحي أن تقوم بها عادة أمام أصدقائك، كأن تقوم مثلاً بنتف شعر أذنك، أو أنفك، وأن تنكش ضرسك، وأن تقص ما شاب من شعر رأسك. يمكنك أيضاً أن تلاحظ في المرآة مدى اصفرار أسنانك، وأن تعد حب الشباب في بشرة وجهك، أو ربما حب الكهولة، وأن تفقأ “الزيوان” في جبينك. يمكنك كذلك أن تستمتع بشم رائحة جسمك، كريهة كانت أو زكية، ورائحة تحت إبطك، وتفحص جلدك، وما ينفر عن جلدك، وما يخرج من أظافرك من عروق الملح، وما يخرج من أنفك غير هواء الزفير.

تستطيع في بيت الخلاء جس عضلات ساعديك، وعضلات أخرى غير عضلات ساعديك، وأن تلمس شعر صدرك، إذا كان لديك بالأساس شعر قابل للمس.

في بيت الخلاء، لا مانع غالباً من أن تحلم بوظيفة محترمة، أو بعمل مرموق، شريطة أن تكون لديك مؤهلات وسيرة ذاتية أفضل من المعايير الوظيفية والثقافية المطلوبة لهذا البيت المتواضع.

أما في قضايا الغناء والتمثيل، فيمكنك طبعاً أن تؤديهما بكل ارتياح في بيت الخلاء، وأن تصقل كذلك بعضاً من مواهبك الكامنة أو المكبوتة، شريطة أن تستحضر وحياً وريحاً يعيدانك إلى روح وأنسام برامج رعاية المواهب الفنية الخلاقة، التي تتسابق في عرضها قنوات كل العرب الفضائية، كبرنامج “أراب أيدول” أو “سوبر ستار” أو “ستار أكاديمي”. وفي هذه الحالة فقط، يا صديقي الرجل، لك أن تحلم، وأنت معتكف أو مرتخٍ في بيت الخلاء بوجود جميع نجوم العرب ” الستارز” مصطفين حولك، يؤازرونك، ويدعمونك بكل ما يمتلكون من محبة واعتزاز وافتخار بوطنهم العربي الحبيب، منتخبين إياك مرشحاً وافر الحظ من مجموعة “النومينيز”.

نعم يا أيها الرجل، يمكنك أن تقوم في بيت الخلاء بكل ما سبق، وحتى أن تقوم بغير ذلك أيضاً، من دون أن يراك أحد، أو أن ينتقدك أحد. أما الأفكار والخيالات، التي قد يستشرفها عفريت ماكر موجود خارج أروقة الدور المغلقة فيمكنك في بيت الخلاء أن تستحضرها، لا بل أن تعلن عنها بكل صراحة، وحتى أن تسرح معها بلا رقيب أو عتيد.

أما الأهم بعد كل هذه الأعمال “الخليوية” هو أن تخرج من هذا البيت مرتاحاً من دون أن تُشعِر أحداً بوضاعة، أو ربما بسمو أحلامك، فيما لو كنت أصلاً ممن لديهم أحلام، أو أن يعرف أحدٌ ما مدى تدني مستوى ثقافتك، فيما لو كنت مثلاً من أعداء الثقافة، أو أن تظهر لأحد ما ضعف أو انعدام مواهبك الفنية إن لم تكن من المتعاطفين جداً مع “النومينيز”، وحينها ستكون فعلاً واحداً من الذين يمكن وصفهم بالشطًار أو “الفلهوية”، وبخاصة إذا استطعت أن توهم الجميع ممن حولك أنك قد أنجزت المهم، وكما قال محرم فؤاد في ستينيات القرن الماضي في فيلمه “سلاسل من حرير” : “زي ما كون عطشان وشربت، زي ما كون تعبان وارتحت”.

لكن إياك ثم إياك أن تنسى سكب الماء قبل خروجك من بيت الخلاء، أو أن تشد حبل “السيفون” ليعرف الجميع انتهاء نشاطاتك.

*قـاص سـوري 
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق