إضاءاتالعناوين الرئيسية

لكنه لم يَعُد.. د.محمد عامر المارديني

|| Midline-news || – الوسط
.

لم أكن أعرف الأستاذ الدكتور نجيب عبد الواحد، معاونَ وزيرِ التعليم العالي الأسبق، قبل أن أشغلَ منصبَ عميدِ كليّة الصّيدلة في جامعة دمشق.
كان ذلك في العام 2004، حينَها حضرتُ أوّلَ اجتماعٍ مطوّل برئاستِه حول موضوعاتٍ تخصُّ البحثَ العلميّ في الكليّاتِ الطبيّة على مستوى الجامعات السوريّة، ومنذ ذلك الوقتِ نَمَت علاقةٌ طيّبةٌ بيننا، قائمةٌ على الاحترام المتبادَل.
أمّا صداقتُنا الوطيدةُ فقد بدأَت إبّانَ تكليفي وزميلين عزيزَين في الوزارة بزيارة سريّة إلى بعض الجامعات الأجنبيّة المشبوهةِ في الخارج التي كانت تَمنحُ- أو بالأحرى تبيع- شهاداتِ بكالوريوس في شتّى الاختصاصاتِ لقاءَ مبالغَ ماليةٍ، حينها توالتِ الاجتماعاتُ النوعيّةُ، وتتالتِ الجلساتُ الطويلة لشرحِ كلّ صغيرة وكبيرة ، تمهيداً لإعدادِ التقاريرِ الخاصّة بهذه الزيارة، وصياغةِ مُسَوَّدات القراراتِ المفترضِ اتّخاذُها على مستوى الحكومة للقضاء على تلك الظاهرةِ الكارثيّة.
وقد كان الأستاذُ نجيب مسروراً جداً بما آلَت إليه مَهمَّتُنا وما تلاها من نتائج اجتماعاتِنا ومن القرارات الحكوميّة التي أنهت تلك المشكلةَ بالغةَ الخطورةِ على الوطن عامّةً، وعلى منظومَتي الصّحّة والتعليم العالي خاصّةً، ومنذ ذلك الحين بدأت علاقتي بالأستاذ نجيب تأخذُ منحى الصّداقة العميقةِ، حيث كان -رحمَه الله- يسعى جاهداً لإظهار محبّتِه مُتّبِعاً في ذلك أرقى مهاراتِ التّواصلِ والتّعامل الراقي، وكذلك البراعةَ في انتقاء مفرداتهِ، والإصغاءِ بكلّ احترام، مُركِّزاً دائماً حواسَه جميعَها على أيِّ حديثٍ يجري بيننا.
قبل أن يتوفاه اللهُ بأيّامٍ معدوداتٍ ، هاتفَني الأستاذ نجيب من فرنسا يستوضحُ عن الجامعاتِ المشبوهة التي زارها وفدُنا أثناء تلك المَهمَّة السريّةِ، إذ كان يُحضّرُ لمداخلةٍ على مقالةٍ كتبَها الأستاذ الدكتور وائل معلّا رئيسُ جامعةِ دمشقَ الأسبق عن واقعِ التّعليم العالي، فذكَّرتُه بأسماءِ تلك الجامعات، وطال الحديثُ وطلبَ منّي أن أعيدَ على مسامعِه سردَ القصّةِ الطّريفةِ التي حصلَت معنا أثناء وجودِنا ضيوفاً على مائدةِ وزير التّعليم العالي في ذلك البلد حيث الجامعاتُ المَقصودة ، وقد حضرَها معنا قنصلُ سفارتِنا هناك.
سردتُ له ما جرى قائلاً: من عاداتِ النّاس أن يشربوا نخباً بين دقائقَ وأخرى كلّما جرى تبادلُ المجاملاتِ اللطيفة التي تعزّزُ برأيهِم الصداقةَ والمحبّة بين المجتمِعين ، إلى أن وصلَ الدورُ إلى قنصلِ سفارتنا الذي حاول أن يجاملَ الأصدقاءَ الأجانب فقال: هل تعلمون أنّ مفتي الجمهوريةِ العربية السورية الأسبق الشيخ أحمد كفتارو -رحمه الله- صرّح مرة في حديث للإعلام الغربيّ قائلاً إن المسيحيّين في سورية هم الغالبيةُ العظمى من السّكّان؟؟
سأله الوزيرُ مستغرباً :
ومن أين جاء السيّد كفتارو بهذه النظريّة؟؟ (كان واضحاً بالطبع أن الوزير لا يعرف شيئاً عن معنى مقام الشيخ أو المفتي).
قال القنصل:
لأنّ الشيخ كفتارو اعتبر أنّ جميعَ المسلمين في سورية يؤمنون بالمسيح عليه السلام نبيّاً مرسَلاً من عند الله، وعليه فكلُّهم مسيحيّون ومسلمون في الوقت نفسِه.
عندها وقفَ الوزير والجميع معه رافعين الكؤوسَ ثم قال:
لنشربْ معاً نخبَ السيّد كفتارو !!
وما إن أنهيتُ روايتي حتّى انفجرَ الغالي الأستاذ نجيب ضاحكاً أتبعَه بسعالٍ دامَ للحظاتٍ ثم ودّعني قائلاً:
سأعودُ قريباً إلى دمشق، وسوفَ أجلسُ معك يا عامر جلسةً طويلة نستعيدُ فيها كلّ تلك الأحداثِ الجميلة..
لكنّه لم يَعُد…
.

*أديب وكاتب.. وزير التعليم العالي السابق- سوريا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى