إضاءاتالعناوين الرئيسية

لكم حَلَبُكُم ولنا حَلَبُنا .. فادي سهو

|| Midline-news || – الوسط …

.

أوقفهن سائق السرفيس على مقربة من ملحمة القاهرة في منطقة باب الفرج وسط حلب، تلك المنطقة لا تعرف النوم، بل تفرش جفونها لينام الغرباء مرتاحين بعد سفر طويل، رائحة العطورات فاحت في المكان وامتزجت برائحة المشاوي المنبعثة من عربة العم س. م، ذلك الرجل العجوز المنحدر من منطقة معرّة النعمان، لكنّه يتكلّم اللهجة الحلبية بإتقان وكأنّه ابن حلب القديمة.

لم يستطع رضوان أن يغضّ بصره عن تلك الفتيات، أطلق العنان لمقلتيه تحدّقان في تفاصيلهن. هل تعتقد يا منصور أنّهن سوريات؟ سأل رضوان. لكنّ منصور أجابه وهو مطأطئ رأسه: لا، سمعت أنّهنّ من أوكرانيا وروسيا، لا أعرف. ما شأنك بهن؟ لن نستطيع البقاء في هذا المكان النجس، دعنا نذهب إلى المطار لاستقبال ضيفنا قبل أن نتأخر، ولن نجد سيّارة توصلنا إلى الفندق، لا بأس يا عزيزي سوف نذهب، لكن دعني أشبع نظرًا. هل تعتقد أنّها فتنة يا منصور؟

منصور: حكمة الله آية ولكلّ عاهرة نهاية! سيصل فرسان الجهاد إلى تفجير هذه الأوكار التي عاثت في حلب فسادًا، صدّقني إنّ قلبي ليعتصر ألمًا وأنا أرى هذه المناظر في مدينة أبي فراس الحمداني، والمتنبي. انتبه يا منصور إيّاك أن تذكر أمام الضيف ما رأيناه الآن، لن نقدّم صورة سيئة عن مدينتنا.

رضوان: لا تهوّل الأمر، ولا تحمل أثقالهن على كتفيك، لكلّ إنسان ظروفه، والله أعلم بحالهن.

منصور: الدعارة أقدم مهنة على وجه الأرض، لا مبرّر لها، هناك مئات المهن الشريفة التي يمكن أن تمتهنها المرأة غير هذه المهنة المخزية، هيّا بنا إلى المطار وكفاك ثرثرة بدون فائدة.

وصل الضيف في الموعد المحدّد بعد أن حجز له رضوان غرفة كبيرة في فندق الرافدين، وكان ثمنها 1500 ليرة سورية في ذلك الوقت.

كانت المرّة الأولى التي يدخل فيها رضوان ومنصور إلى الفنادق، فوجئ منصور أنّ موظف الاستقبال في الفندق لم يكن إلا طالبا في الجامعة أيضا، وأنّه يعمل هناك منذ سنتين، تبادلا أطراف الحديث المقتضب حول بعض الموادّ وبعض الأساتذة، واتفقا على أفضل أستاذ، وأسوأ أستاذ، وأكثر أستاذ يلاحق الطالبات، وما إلى ذلك.

ما إن جلس الضيف في الفندق حتّى أغرقنا بعشرات الأسئلة عن حلب وتاريخها، وأهميّتها، ومناسبات قصائد المتنبي، وعن قصة شارع التلل، وجامع الجكارى (جامع التوحيد)، وما إلى ذلك من قصص لم نسمع بها من قبل، لم يكن لهما رغبة في الاستماع إليه، إنّها الساعة الثالثة بعد منتصف الليل، لا قدرة لهما على الكلام، وهذا الرجل مسترسل في سرد ما تجود به ذاكرته.

سأله منصور: أهي المرّة الأولى التي.. لم يكمل سؤاله حتّى جاءه الجواب أسرع من البرق: نعم، هي المرّة الأولى ولن تكون الأخيرة بإذن الله، وذلك بحسب الروسيات والأوكرانيات وغيرهن، أتبع كلامه بقهقهة دوّى صداها في أركان الفندق.
قال رضوان: أيعقل أن يعرف هذا الرجل هذه التفاصيل عن حلب، ونحن لا نعرفها!
الغرفة مقبولة، قال الضيفُ!
تلعثم منصور: مقبولة!! هذه ب1500 ليرة لليلة الواحدة!
ألم تجدا فندقا أفخم من هذا الفندق؟ قال الضيفُ؟
عاجله رضوان بجواب حادّ: بلى، يوجد، هيّا بنا إلى الشيراتون، تعال انظر من النافذة، ذلك فندق شيراتون حلب، الذي افتتحته الحكومة منذ أيّام فقط، سمعت أنّ ثمن الغرفة 11000 ليرة سورية لقاء ليلة واحدة فقط.
زارت الألوان وجه الضيف: لا، لا، لقد أتعبتكم اليوم، سأنام هنا وإن شعرت بالضيق سوف أتصل بكم، لنبحث معًا عن فندق جديد، عمومًا، هذا الفندق أجمل من فنادق القاهرة مقارنة بالأسعار والخدمات المقدّمة.
ما رأيكما أن نبحث عن مطعم جيّد؟
الآن! المطاعم مغلقة!
قال الضيف: لا، هناك بعض المطاعم المفتوحة.
شعر منصور بالغضب، أيعقل أنّه لا يعرف شيئًا عن مدينة حلب!

قال رضوان: صدّقني لا نعرف أين تقع المطاعم، لو سألتنا عن مطاعم الفلافل لأرشدناك إلى عشرات المطاعم في الأحياء الشعبية وفي وسط البلد، كفلافل النزهة وفلافيلو، لكنّك تسألنا عن أشياء لا نعرف عنها شيئًا، ولولاك لما دخلنا هذا الفندق! ولولاك لما جئنا في هذا الوقت المتأخّر، ولما عرفنا أنّ هناك عاهرات من بلدان مختلفة يعملن في حلب! نحن لا نرى هذه المظاهر في أيّامنا العادية التي تشبه طبيعتنا السورية، أيّامنا بسيطة، نستيقظ صباحًا، لا ننام كثيرًا، فهذا نوم الفقر كما يسمّيه أهلنا، نذهب إلى مدارسنا وأعمالنا، نرتاد الأماكن الشعبية التي تشبهنا، بشوارعها الضيقة والمزدحمة، بمطاعهم الصغيرة جدّا لكنها لذيذة جدًّا. نحن نعجب بأيّ عرض بسيط نراه في الشارع، نجتمع ونضحك، ونتبادل التحيّات من دون أن نعرف بعضنا على نحو جيّد، نحن ننخرط في أيّة لعبة كرة قدم في الحارات من دون أن نعرف أسماء بعضنا البعض، ندخل، ونلعب، ونصفّق، ونهتف للفائز، ونربت على كتف الخاسر ونمسح شعره، نحن نحضّر الهدايا البسيطة والمتواضعة، في عيد الميلاد، وفي عيد المعلّم، وفي عيد الأمّ، نحن نفرح برحلة إلى منطقة لا تبعد من بيوتنا سوى مئات الأمتار، ونعتبرها سياحة لا مثيل لها، نحن ننتظر العسكري المجنّد في الخدمة الإلزامية ليقصّ علينا بطولاتها الخرافية أثناء خدمته، ونستمتع بها، ونردّها كنشيد وطني، نحن نتبادل أطباق الطعام في شهر رمضان، ولا نسمح بعودة الصحن فارغًا، نحن نبكي على بغداد، ونلعن الأمريكي صباح مساء، ونعلّق صور القدس في قلوبنا وفي عقولنا وفي بيوتنا..
عمومًا هذا رقم هاتفي، تركته لك على ورقة، يمكنك أن تتصل بي في بحر هذا الأسبوع، لأنّ صلاحية خطّي سوف تنتهي، فالخطّ سيحترق بعد العرض، ولن أشتري خطًّا جديدًا الآن، سأنتظر العرض الجديد.
نسيت أن أقول لك: إن أردت أن تذوق سندويش الكباب فلا يتوجّب عليك سوى زيارة العم س. م، في نهاية هذا الشارع، وستجد الروسيات والأوكرانيات وغيرهن، لعلّكم تعرفون عن حلب ما لا نعرفه، ونعرف عن حلب ما لا تعرفونه، لكم حلبكم ولنا حلبنا.
.

*روائي وأكاديمي سوري

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى