إضاءاتالعناوين الرئيسية

لا ريب فيه ولا في صاحبه.. عباس ثائر

|| Midline-news || – الوسط …
.

 

أحيانًا يصيبنا هوس السؤال: كيف يخرج الكاتب من نفسه وجلده ليدخل الكلمات؟ كيف يخرج بكل الكلمات البسيطة العفوية المكهربة التي سرعان ما تعلق في الذهن والنفس؟!
أرى -غير جازم- أن البساطة والعفوية والعاطفة -أحيانًا- لا تنجب شعرًا عظيمًا لكنها لا تخلو -تمامًا- من الشعر العظيم. أخذ نفسي الآن، مع أن تأخذ نفسي نفسًا عميقًا، وأعود لأسأل مرة أخرى: كيف يخرج الكاتب من نفسه أو من جلده ليدخل جلد الكلمات؟ كيف كتب أو يكتب عنوان نص ما، أو مجموعة شعرية؟ أين عثر عليها؟ أمن خلال التفكير؟ إذا كان الجواب، نعم من خلال التفكير، عندها ستطرق أبوابنا أسئلة أخرى: ممن جاء التفكير يا صاحبي، وكيف يولد أو ولد؟ كيف يفكر المرء؟ هل الشاعر يفكر بطريقة تختلف عن تفكير الآخرين؟
المسألة ليست عقيمة بقدر ما هي محيرة، صحيح أن بعض الأسئلة لا أجوبة عنها أو لها، لذا أعتقد أن ما لا تُجاب من الأسئلة، هي الأحق من غيرها في أن تطرح -في الشعر- ويوضع خلفها علامة استفهام.
تعال معي لنعرج على لبنان وليعود بنا الزمان لأيام ماضية، ولنختر من الأيام الماضية سنة 1965 على وجه الخصوص، لأنها ستكون ولادة لماضي الأيام الآتية، ولنسترح قليلًا في بيت أنسي الحاج، هناك حيث يفتح لنا خزانته ويخبرنا عن: «ماضي الأيام الآتية» كناية وحالًا، «ماضي الأيام الآتية» عنوان لا ريب فيه ولا في صاحبه، لكتاب شعري، كان قد كتبه الشاعر اللبناني أنسي الحاج، وهو من أهم كتبه إن لم نقل أهمها.
يبدو العنوان للوهلة الأولى بسيطًا ومألوفًا، ولو اقتربنا منه أكثر لكوتنا ناره، ويبستنا كهرباؤه. يخلق العنوانُ سؤالاً أزلي الطرح؛ إذا ما صادف القارئ ولو كانت مصادفة سريعة. يُعلِّق نفسه في نفسه أو روحه بل وفكره حتى.
عنوان بسيط يولّد أسئلة: هل تمضي الأيام لتأتي؟ هل للأيام الأتية ماضٍ؟ وإن كان كذلك، فكيف كان ماضي الأيام الماضية؟ هل للماضيات ماضٍ وللحاضرات حاضر وبعده ماض؟ من خلال العنوان، وهو العتبة الأولى لاختراق القارئ واقتحامه، وهذا الاختراق يختلف عن صيد الأسماك الذي صار رائجًا في حاضرنا الأدبي، وهو أن يكون الطعم عنوانًا هائلًا لمحتوى خال، فيؤكل القارئ، ويصير لقمة في فم الوقت الضائع، و هذا اختراق كامل من حيث العنوان والمحتوى.
ومن جو الكتاب هناك نصُّ آسر، يشبه روح العنوان:
أحبّ ذكرى الأيّام التي كانت تمشي، تمشي ولا تعرف أنّها ستنتهي في كتاب. أحبّ ذكرى الأزمنة العاملة، المغموسة، الضبابيّة، ذات العمالقة الذين مشوا، مشوا وهم لا يعرفون أنّهم سينتهون في كتاب. هي أيّام لم تكن أنبل منّا، وكانت تعرف أنّنا سنكون أنبل منها، ونجهل مجد بؤسنا وإيمان عبوديّتنا، وفراغ حرّيتنا، ورجاء سقوطنا. أحبّ ذكرى الأيّام التي ستجيء، تلك الأيّام الحاضرة.
.

*شاعر وكاتب من العراق

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى