العناوين الرئيسيةالوسط الثقافي

عودة الصالونات الثقافية للحياة بعد خروجها من غرف الإنعاش ..

لا تُعدّ امتداداً لسابقاتها ولم تؤسس لحركة مجتمعية ثقافية ..

|| Midline-news || – الوسط …

روعـة يـونـس ..

 

ظهرت الصالونات الثقافية العربية في خمسينيات وستينيات القرن الفائت بالتزامن مع حركات التحرر والاستقلال وقيام الدول، منها في مصر والمشرق والمغرب العربي. أدت دوراً نهضوياً وحضارياً، وحررت وعياً مجتمعياً يعمق النظرة إلى الثقافة بوصفها خلاص جماعي لا فردي. وارتبطت تلك الصالونات زمن الحروب والاستقلال، بمحاولات استعادة أسئلة الهوية والإبداع والتاريخ والذاكرة. لتشهد نهضة ثقافية وسياسية وأدبية كانت ترهص بالتنوير وبأسئلته ومحاكاة الوعي الجمعي. فهل أدت الصالونات الثقافية التي انبثقت مؤخراً خلال الحرب في سورية، ذات الأدوار التنويرية ونشر الثقافة والإبداع والوعي بين الناس، أو حملت هوية ومنهجية تسعى إلى ارتدادات مستقبلية، أو ركائز مغايرة للثقافة الرسمية الحكومية؟

الخشية من التهميش

الوقوف على ظروف نشأة الصالونات في السنوات التسع الأخيرة في سورية، يُمكّننا من تصنيفها ومعرفة الأدوار التي قدمتها في ساحة الثقافة. ولعل الصالون الذي أسسه الدكتور ميكائيل اليوسف، مع اشتداد أوار الأزمة السورية في عام 2012 يأتي في أعلى قائمة تلك الصالونات والمجموعات الثقافية. التي تم إشهارها تبعاً لظروف يشير إليها د. اليوسف “توافدت إلى منطقة “وادي النصارى” أعداد كبيرة من أبناء المدن، فاكتظت المنطقة بالوافدين إليها الذين كانوا يرتادون مقاهيها ويشتد النقاش فيما بينهم حول الأوضاع في سورية على كل الأصعدة. فأقمنا حلقات نقاش وحصل تجمّع تلقائي وعفوي لبعض المثقفين، فتوافقنا على تنظيم صالون ثقافي ظهيرة كل يوم أحد في صالة أحد الفنادق”. يضيف د.اليوسف متابعاً “تَمثل هدف المجموعة بداية بضرورة الهروب إلى الثقافة لتجاوز الهموم والأحزان والآلام، ثم خشية على الثقافة من التهميش في ظل الظروف السائدة. لجأنا إلى الاهتمام بالثقافة بكافة فروعها بعيداً عن نشرات الأخبار! فتنوعت أنشطة الصالون بدءاً من إلقاء محاضرة في موضوع ثقافي معين، أو حول تجربة إبداعية، أو قراءات شعرية، فالصالون كان “ثقافي بحت” دون الدخول في عالم السياسة إطلاقاً! وتنوعت المواضيع بين التراث والأوابد التاريخية والطب والعلوم والفكر والآداب بأنواعها وجلسات نقد أدبي وجلسات فنون تشكيل ونادي قراءة في نتاج بعض الأدباء بحضورهم للوقوف على تجاربهم الإبداعية. لكننا توقفنا بسبب اشتداد قسوة الحرب، وعدنا مع النصر وعودة السلام”.

تقاعس المؤسسات الثقافية

خلال تلك السنوات العجاف أغلقت عدة صالونات ثقافية. لكن في الآونة الأخيرة. ظهر صالون رياض نداف، تقول عنه “أطلقت الصالون لأن علي مواجهة الحرب والموت لا الاستسلام. ولم يكتف الصالون بتقديم نتاج الأصدقاء وإنما عالج موضوعات مهمة كالأجناس الأدبية واستلاب المرأة في ظل المجتمعات المتخلفة. المراهقون في زمن الحرب. كما قدم أبحاثاً متنوعة منها عن الرومي، وأبحاث موسيقية ترافقها مقطوعات تراثية. فنحن نرد على الحرب والجهل والتخلف والتقليدية بلقاءاتنا على طاولة المعرفة والثقافة والإبداع والمحبة. ونتاجات الأصدقاء تجمعنا، لذا نؤكد بكل وعي وإيمان وثقة بأن الكل في الصالون يسعى إلى تكريس ثقافة تعمل على تنوير الفرد ونشر الوعي”. تكمل نداف “هناك أدوار عديدة يقوم بها الصالون، كاحتفائية لمناسبة يوم الشعر العالمي، ويوم المسرح العالمي. وقام بعض الأدباء والروائيين والمسرحيين بتقديم بحوث عن المسرح العالمي وتاريخه. بينما لم تقم أي من المؤسسات الثقافية الرسمية بنشاط ثقافي احتفاءً بالشعر والمسرح! قد لاتكون هذه الفعاليات القيّمة منوطة بالضرورة بصالونات! في ظل وجود وزارة تُعني بالثقافة واتحادات رافدة لها! نحن رديف مهم جداً، لكن تقاعس المؤسسات الثقافية؛ علينا التوقف عنده ومعالجته”.

نشر المعرفة والتنوير

ثمة مؤسس ثالث لأحد الصالونات الثقافية، لكنه ذو منشأ ديني روحي صوفي. أشهره قبل ثلاثة أعوام الأستاذ نجيب بدرالدين، مدرّس في مجمع الفتح الإسلامي بدمشق. يقول “لابد من الاعتراف بأن الوضع الثقافي في سورية قبل الحرب كان منفتحاً ورائعاً وثمة هوامش من الحرية واسعة. إذ يكفي أنه لم يكن يُطلب (ترخيص) للصالونات. لكن بعد الحرب ظهرت مخاوف عديدة، وثمة رأي بأن الثقافة مهام تتكفل بها وزارة الثقافة. فالخطاب السياسي بات يؤثر على كافة المفاعيل. لكن في صالوننا الثقافي نحن البديل المنفتح على الثقافة، بدليل أن هناك أبناء من الطائفة المسيحية أعضاء في ملتقانا وثمة رجال من الدين المسيحي قدّموا محاضرات عن الرسول (ص) وآخر قدّم ندوة عن الفلاسفة العرب. وبذا نقدم أنشطة ثقافية تعجز عنها أحياناً وزارات الثقافة والإعلام والفنون”. يضيف بدرالدين “في زمن الثقافة المعلّبة وتجاهل لأسماء مهمة في عالم الثقافة، المؤسف أن تكون وزارات الثقافة في معظم دولنا العربية، تماثل في آلية عملها باقي الوزارات الأخرى التي تعتمد على الثقاة وتتجنب الكفاءات! لذلك حين تجنبونا، أطلقنا صالوننا الخاص، واكتفينا بنشر المعرفة والتنوير بين الرواد والأعضاء”.

التمسك بثقافة السلام

للمشرفين على المنتديات رأي مغاير أحياناً. فالشاعرة سمية الصالح ترى “قد يتشابه دور الصالونات ولكنها تختلف بحسب المريدين ومن يعملون فيها. لذلك لا يمكن المقارنة بين دورها في مطلع القرن الفائت ودورها الحالي من ناحية الدور التنويري الذي قامت به سابقاً والدور المنوط بها حالياَ. فهذه المنتديات الحاليه تعتبر رافعة للأدب والأدباء المشاركين بها، وهي الأم للإبداع وتداول الأفكار بغياب أي منابر أخرى وتراجع دور الصفحات الثقافية في الصحف المحلية! خاصة أننا في زمن الحروب التي تمر بها المنطقة. لذلك انطلق منتدى بانياس الثقافي بفعاليات وأنشطة يتفق عليها ويتم التنسيق لها عبر مجلس مؤلف من عدد من الأدباء البارزين في المدينة، بحيث تتناول كافة المواضيع الثقافية من فكر وفنون وآداب وتراجم جميعها تصب عند فكرة ثقافة السلام والحب والجمال”. تضيف موضحة طبيعة مهامها “أشرف على التواصل مع الأدباء لحضور الفعاليات وتقديم الأنشطه مع الأدباء والمفكرين، وتنسيق المواعيد وطرح أفكار الأمسيات، وما الموضوع الذي يشغل الناس لنطرحه ونناقشه، لئلا نكون في واد واحتياجات الناس الثقافية في واد آخر. فهاجسنا الأهم التمسك بثقافة الخير والسلام”.

تمجيد أسماء معروفة

يبدو أن حظوظ معظم المواهب الإبداعية الشابة، المعاناة من التعتيم الإعلامي “الرسمي” سواء كان مرئياً أو مسموعاً أو مقروءاً. وتنسحب هذه الحظوظ السيئة على وجود هذه المواهب في الصالونات الثقافية! لأن سياسة تكريس الأسماء مُتّبعة لدى الفريقين! الحكومي العام، والصالونات الخاصة. بهذا الرأي خرجت الشاعرة سماح القليبي من تجربتها مع الصالونات الثقافية. تقول “لدي مشاركات مع بعض الصالونات الأدبية، والتي لها الدور الأكبر في فتح الأبواب أمام المبدع المغمور الذي لم يجد فرصةً للظهور الإعلامي وتغطية تجربته الإبداعية، لأننا على مدار عقود كنا نتابع ونمجّد فقط بعض الأسماء المعروفة التي تتكرر دوماً في الشعر والرواية والقصة والمسرح! من مبدأ تكريس المكرّس سواء كانت تستحق لأنها تواصل إبداعاتها، أو لا تستحق المتابعة لأنها ضمنت مكانة في القائمة وصارت من (النخبة) وأمست تستسهل في الطرح. ورغم ذلك تُكرسهم وسائل الإعلام لأنهم حققوا شهرة محلية وعربية. وأفردت لهم المنابر التي هي من الندرة إن لم نقل محظورة على أسماء أخرى”! ولا تركن القبيلي إلى الدور الإيجابي للصالونات الثقافية بشكل كلي، بل تشير إلى سلبيات تعتريها “كما هي الحال في كل تظاهرة ثمة أخطاء يمارسها بعض المسؤولين عن الصالونات، كتقديم أسماء لا ترقى إلى المستوى الأدبي من ناحية، ومن ناحية أخرى تسهم العلاقات المعرفية والشللية في إظهار من لا يستحقون الظهور على حساب بعض المواهب الجيدة، وتكريسها، لنعود إلى ذات الدائرة”.

مضافة الحياة الثقافية

أرست الصالونات تقاليد ثقافية عززت مفهوم الحوار الثقافي والاجتماعي، وارتبط ذلك في سياقه التاريخي بحوامل ذاتية وموضوعية؛ بالحاجة للتعبير وإعلاء شأن الكلمة والتأسيس لنهضة أدبية راقية. فهل غابت تلك العوامل المهمة والمفاهيم القيّمة عن صالونات اليوم، يقول الأستاذ الناقد أحمد علي هلال “كانت الصالونات الثقافية في سورية مضافة في تاريخ الحياة الثقافية والانفتاح وقيم العصر. لكن إبان الحرب ظهرت صالونات وملتقيات تحت مسميات شتى أرى أنها ومن باب الانصاف على الأقل كانت حاجة مجتمعية أكثر منها حوامل للتنوير وإطلاق نهضة إبداعية بعينها! مع أنها دفعت إلى السطح تجارب أدبية وأسماء ظل القليل منها يمارس حضوره فيها أو في بعض المراكز الثقافية. واللافت أن من عوامل اخفاقها -وهي كثيرة- أن ملامحها غير واضحة لاسيما على مستوى ما كانت تقدمة من حضور شعري أو إبداعي فقد غلب الكم على النوع، ومن ثم لم تكن ثمة استراتيجية حقيقة ينطلق منها مؤسسو هذه الصالونات. فكانت محض استجابات عاطفية سريعة غير مؤسسة على أبعاد ثقافية! ومن الأسباب التي أدت إلى تعثر بعضها، اختلاط خطابها بما لا ينتمي للثقافة كفعل. كانت بمثابة صور للتواصل أكثر منها مأسسة للفعل الثقافي الذي يحتاج روافع تنتبه للقيمة وليس لما يخترقها. الحاجة للتجمع أكثر منها حاجة معرفية للارتقاء مجتمعياً وثقافياً. هذا فضلاً عن السجالات السلبية التي تركت أثرها عند روادها الأمر الذي أدى لسرعة انهيار بعضها، وماخلا القليل جداً منها ظل يمارس -على استحياء- حضوره الثقافي. والأدل حجم الشعر الذي كان العنوان الأبرز لها، فضلاً عن عناوين اجتمعت على قاسم مشترك لكنها اختلفت في كيفيات إدارة الفعل الثقافي واستقطاب المبدعين الحقيقين، لا الأدعياء والعابرون”.

أخيراً.. وعلى الرغم من كل ما سبق من آراء، لا شك أنه يُسجل لصالح الصالونات نجاحها في استقطاب شرائح مجتمعية كثيرة بوساطة خطاب ثقافي لافت، وإن لم تؤسس لحركة مجتمعية حقيقية، نتيجة أسباب ذاتية وموضوعية كثيرة بوصفها منظومة مجتمعية تعمل في ظروف الحرب. ولم تكن امتداداً للملتقيات في الماضي. فهي ردات فعل وشحنات عاطفية انفعالية أكثر منها رسالة إبداع وقيم.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق