العناوين الرئيسيةالوسط الثقافي

لا توجد طريق صعبة أبداً أمام قوة إرادتها .. بيانكا ماضية: أرفض العيش تحت نير الظلم ومسمى الأدب النسوي بدعة وتمييز عنصري!

القصة والرواية أقرب إلى نفسي وفيهما أحلّق في الكتابة..

|| Midline-news || – الوسط
إعداد وحوار : روعة يونس

.

ما يجعل الأديب محبوباً في محيطه، ليس فقط منجزه الكتابي الإبداعي. بل أيضاً أخلاقياته ومبادئه، وتلازم القول والفعل.
الصدق والجرأة شيمتان توجتا الإعلامية الروائية بيانكا ماضية. وما كان لها أن تتقدم الصفوف في مدينتها حلب، وتحظى بمكانتها وتنال ثقة القراء، لولا لمسوا لديها إلى جانب الإبداع الأدبي والإعلامي، قناعات وثوابت نبيلة لا تكتفي برفض الظلم بل وتحاربه.
في سن مبكرة نسبياً، أتمت العديد من الإنجازات، فقد كانت الأصغر سناً بين الباحثات اللواتي تقدمن بنتاجهن لجائزة “سعاد الصباح” وفازت بها.
إلى ذلك، فازت ماضية بمحبة وتقدير المثقفين، الذين شهدوا شجاعتها وتفانيها خلال الحرب الوحشية على سورية. إذ كانت مقاتلة شرسة تحمل قلمها وتحارب بالمقال والقصة والرواية، ببسالة وحب كبيرين. ولم يتوقف إبداعها مع انتهاء الحرب، فهاهي تستعد لإصدار روايتها الجديدة لتعرض من خلال فصولها أحداث ووقائع شاهدة على الحرب وناسها.

جرأة وتمرد
تلفتني في معظم كتاباتك، تلك الروح الجريئة الرافضة للظلم. ما الذي عزز تلك الروح لديكِ؟

  • أنا تلك التي حين حامت ذات يوم حول ضوء، لم تحترق، بل نشرت حبرها عبر أجواء كانت ملتهبة حولها. حين كنت صغيرة لم أحفل إلا بالقيم والمثل، فبحثت عنها بين الناس، في ظلال العتمة، بين جدران المأسورين بعاداتهم، ومذ أن لمست أول حالة ظلم أعلنت نفيري العام، وأمسكت بالقلم لأدوّن تلك الجراح التي تنز ألماً..  إذ وجدت أنه لابد من أن يكتب عنها، أن أحارب أسبابها، لا أستطيع العيش تحت نير ظلم ما، فأنا المتمردة على كل ما لا يقبله العقل، وعلى ما يسمى بالتقاليد.. وأرى في تقليد يجعلني كالقطيع أمشي خلفه، أنه يجب محاربته، ربما لم يخلقني الله إلا لأكون صاحبة رسالة وهي رسالة أدوّنها بالقلم وجراحه.

ما الفرق بين التمرد والجرأة؟ وهل كنت مدركة لما سوف يجلبه لك الطريق الذي ارتضيته لنفسك؟!

  • جميل.. التمرد هو حالة رفض لما هو غير إنساني، هو حملة على كل ما يخالف العقل والمنطق، أما الجرأة فهي طبقة الصوت “السوبرانو” التي من خلالها أعلن رفضي لذاك الذي لا ينطوي تحت مبدأ الإنسانية، إنها حالة وجود وتعبير عما في النفس من حرية تبتغي أن تصل إليها بشتى الوسائل التي تستخدمها للوصول، مهما كانت الطريق معبدّة بالأشواك.. وربما الشطر الآخر من سؤالك يحيلني إلى آفاق النور التي أصل إليها من خلال هذا التمرد أو تلك الجرأة، لا أجد إلا أنواراً تلمع إشعاعاتها في الأفق البعيد؛ لأحقق هدف إنسانيتي. ليس هناك أمامي طريق صعبة فعند إرادتي وقوتي تسقط المستحيلات.

على خريطة الإبداع
بعد عدة إصدارات وجوائز.. أين أنتِ الآن من خريطة الإبداع في سورية؟

  • كل مبدع في أي مجال كان، يرغب في نشر أعماله الإبداعية ليتلقفها المتلقي وكذلك الناقد ليدرك في أية خانة تقف قدماه. وأحب أن أشير إلى أني منذ بدء خوضي بحر الكتابة، لا أمتلك سوى أن أرسل نتاجي إلى صحيفة أو مجلة ما لإطلاع القارئ عليه. في البداية عملت في مجال النقد الأدبي، لأني أحمل دبلوماً في الدراسات الأدبية، وكنت أحضّر للماجستير، وحين شاركت بمسابقة سعاد الصباح في دولة الكويت عن نتاجي الموسوم بـ (المدينة في شعر نزار قباني) كان عمري لا يتجاوز 25 عاماً، كنت أشعر من خلال حدسي القوي، أنني سأفوز بهذه الجائزة! ولمعرفتي أيضاً بإمكاناتي النقدية. ومن ثَمّ بعد خوضي العمل الصحفي تحوّلت اهتماماتي وكتاباتي إلى جنسي القصة والرواية، فكتبت قصصاً كثيرة تتجاوز الثلاث مجموعات (غير مطبوعة بعد). فضلاً عن كتابي حول “سليمان الحلبي” الذي سافرت إلى فرنسا لأجل استكماله.

  •   عموماً.. قبل الحرب كنت أنشر كل ما أكتبه في صحف ومجلات عربية كثيرة، وبعد الحرب شغلتني كتابة رواية “كأس نبيذ” والنصوص النثرية الأخرى التي تناولت فيها الكثير من مآسي الحرب على سورية. وشاركت في أمسيات قصصية وأدبية أخرى. فبعد هذا أين تضعينني أنتِ في خريطة الإبداع في سورية؟!



سيرة ذاتية

من الواضح في روايتك (هو في الذاكرة) أنك تمتلكين أسلوب السرد المشوّق وتمكّن من أدوات السرد الأخرى، هل ساعدك في ذلك كونها سيرة ذاتية؟ رجاء لا تقولي ليست سيرة ذاتية؟

  • لا أخفي عليك، أنها رواية من نوع السيرذاتية، إذ أن أغلب الروايات الأولى لكتّاب الرواية هي روايات منطلقة من الذات، يدوّن الكاتب فيها الأحداث وهو مطمئن إلى واقعيتها، مرتكزاً فيها إلى تتابع مشاهدها في ذهنه، ويبدو الأمر يسيراً حين الشروع في الكتابة؛ لأن المرجعيّة هي الذات وحياة الكاتب نفسه وتاريخه الشخصي وعلاقته بالذوات الأخرى. وهذا الكلام أكدّته في الرواية على لسان الناقد الذي أرسلت البطلة “كارمن” إليه صفحات الرواية لتستشيره فيها، ولكن لا نغفل التخيل الذي لابد منه في الكتابة، فعلى سبيل المثال هناك مشاهد في الرواية لم تكن حقيقية أو واقعية حدثت معي. أما عن امتلاكي أسلوب السرد وتمكّني من أدوات السرد الأخرى -كما أشرتِ- فلم يأت من أنها سيرة ذاتية، علماً بأن هذه السيرة ساعدتني وأمدتني بالمشاهد والمواقف والأحداث، ولكنها لم تمدّني بأسلوب معين في كتابتها. لذا مرد هذا التمكّن هو لأني أولا،ً وقبل كتابتي الرواية، أكتب القصة القصيرة، وثانياً لقراءاتي العديدة في القصص وفي الروايات العربية والأجنبية المترجمة، علماً بأني لم أتخيّل نفسي ذات يوم كاتبة رواية، ربما كان هذا الأمر حلماً، ولكن ما وجدت نفسي إلا ومنغمسة في تفاصيله.


بدعة وانتقاص

اعتاد البعض على تصنيف الأدب الذي تكتبه المرأة على أنه “أدب نسوي” فما هو رأيك في المصطلح؟ وهل من يعمد إلى التفريق, يخفي داخله كراهية مضمرة للمرأة؟ أم هو الخوف من تميزها؟

  • هذا التصنيف هو بدعة ممن ابتكره، وهو تمييز عنصري ضدّها، لأن الإبداع لا يتوقف عند جنس دون آخر، وهو إبداع بشري أولاً وأخيراً، ومن ابتكره ربما لا يضمر أية كراهية تجاه المرأة وإنما حتماً هو خوف من تميّزها وبزّه في هذا المضمار، وهو بذلك يؤكد نزعته الذكورية التي لا تجعله إلا أن يصنّف ما تكتبه المرأة تحت ذاك المصطلح (الباطل) الذي ينتقص من قيمة المرأة وإبداعها، علماً بأن هناك نساء يكتبن بمنظور ذكوري، ورجال يكتبون بمنظور نسائي؛ فكيف يمكن تصنيف هؤلاء؟! وبما أننا في القرن الواحد والعشرين وقد أظهرت المرأة قدرات وإمكانات جعلتها تتبوأ مناصب عديدة، فلمَ ضمن مجال الإبداع يتم الانتقاص من قيمتها كمبدعة أثبتت جدارة في مجالات إبداعية مختلفة؟!


كتابة وقراءة

تكتبين القصة والرواية.. فأي الجنسين أقرب إليك؟

  •  كلاهما قريبان إلى نفسي، وفيهما أحلّق في الكتابة، وحضرتك تعلمين جيداً أن كلاً منهما له أدواته وعناصره ومقوماته التي تميزه عن الآخر. ولكن الرواية هي التي أضمّنها رؤيتي الفلسفية للعالم، وللإنسان، إذ أتغلغل في مكنوناته الداخلية النفسية. في الرواية تستطيعين أن تكتبي في غير جنس أدبي، فالرواية الحديثة أصبحت بمعنى ما جنساً أدبياً يحوي الأجناس الأدبية الأخرى من قصة، وشعر، ولذلك أحب كتابة الرواية لأنها تفسح لي المجال للخوض في تجارب إبداعية متنوعة، وفي مسائل عديدة، وفيها أسجّل أفكاري وأحلامي على لسان الشخصيات.

يُعرف عنك حبك للمطالعة وقراءة كتب متنوعة شكّلت جزءاً من ثقافتك.. فما هي سيرتك مع القراءة, وآخر ما قرأت؟

  • ربما لا أكون قاسية بحق نفسي إن اعترفت بأنه الآن لا مشروع جاد لدي في القراءة! نعم.. وهذا سبب تشتتي، فقراءاتي لا تصب في مجال واحد، كل ما يقع تحت نظري أقرؤه. سيرتي مع القراءة سيرة متنوعة الاهتمامات، أقرأ في الشعر، والقصة، والنقد، والفكر، وأخيراً السياسة التي كنت بعيدة عنها جداً.. وبسبب الحرب التي حالت كثيراً عن متابعتي لكل ما هو حديث لأسباب وظروف متعددة، منها ظرف الحرب نفسه، وظرف الانتقال إلى مدينة أخرى في أثناء الحرب والعودة أخيراً إلى مدينتي حلب، والوضع المادي وغلاء أسعار الكتب، كل هذا أثّر على القراءة التي لا أؤثرها على الكتابة للأسف.. أما آخر ما قرأت فهو كتاب (العلمانية الجزئية، العلمانية الشاملة) للدكتور عبد الوهاب المسيري، وقبله قرأت رواية لإحدى الكاتبات السوريات ولكنها لم تعجبني بسبب الركاكة في الأسلوب! إذ أن الأسلوب هو العنصر الأول الذي يجذبني للقراءة.

تشجيع وتكريم
حينما تنطلق الفتاة في عالم الكتابة لا بد أن تجد المؤازرة من الأسرة..حدثيني عن الجو المحيط بك، وهل عائلتك الصغيرة داعمة لك, وتدرك خطورة الكتابة ونبل ما تقومين به؟

  • نعم بالتأكيد إذ لا تستطيع الفتاة من دون مؤازرة ودعم من أسرتها أن تتابع في مشروعها الإبداعي. وللعلم فإن أسرتي الصغيرة تتكون من أب وأم (متوفية) وأخ وأخت (متزوجين). أبي كان يكتب شعر النثر الذي أقحمتني قراءته في خوض كتابة الأدب، كما أن كتبه ودفاتره ومجموعة الصحف والمجلات التي كان يتابعها كانت مثار اهتمامي منذ يفاعتي. وهذا يعني بالضرورة اهتماماً ومساندة من قبله. هذا عن أبي، أما عن والدتي (رحمها الله) فكانت المتلقية الصباحية الأولى لكتاباتي.. أمي رحمها الله من الأمهات الطيّبات، ذوات القلب الكبير الواسع اللواتي يقدمن كل ما يملكن لأولادهن، ويوفرن الجو الملائم لدراستهم ومتابعة مشاريعهم، أما أخي وأختي فهما بكل تأكيد من المشجعين والداعمين على الرغم من الخطورة التي أشرت إليها في سؤالك.
    كما لا أنكر أنني حظيت بتكريم من المجتمع الثقافي بحلب، وتشجيع من المثقفين الذين يتابعون تجاربنا وما نخطه من لغة وأفكار.

العودة إلى حلب
ذكرتِ قبل قليل بأن التنقل بين المحافظات خلال الحرب، أثّر على قراءاتك. حسناً.. بالنسبة للكتابة، هل للمكان أية علاقة في العملية الإبداعية لديكِ، وهل للكتابة طقسها الخاص لديك؟

  • حتماً لكل كاتب طقوسه الخاصة في الكتابة، وأغلب طقوس الكتابة لدى الكتّاب ترتبط بوجود فنجان القهوة ولفافة التبغ (متعة لدي لا تعادلها متعة أخرى سوى متعة الكتابة) هذا بالنسبة للعناصر المرافقة للكتابة، أما المكان فلم أجد مكاناً يفتح نوافذه على أفق الكتابة الإبداعية سوى البيت، حيث السكينة والأمان والدفء، وأهم عامل من عوامل الكتابة لديّ أن يحف المكان بالهدوء. وأذكر أني حين كنت في مدينة اللاذقية، أثناء الحرب، وبسبب عدم حبي لأحد البيوت التي سكنتها، كتبت قصة بعنوان (هذا المكان لا يناسب الكتابة أبداً) ولكني قصدت في القصة ذاك المكان المعرّض للقذائف والرصاص والذي لا يمكن أن يبدع فيه الكاتب أبداً، ولذلك فإن أيّ مكان بالنسبة لي، عدا البيت، هو كالمكان المعرّض للقذائف.

 

فضاءات
أشرفتِ على ملحق “فضاءات” الثقافي الذي صدر، في مرحلة ما، عن صحيفة الجماهير.. ضعينا في أجواء الصعوبات التي مرّ بها الملحق خلال الحرب وتوقف إصداره. أية مشاعر وحالات عشتها وأنتِ الدؤوبة المحبة للعمل الصحفي؟

  • قبل أن أتحدث عن تجربتي في ملحق “فضاءات” أحب أن أشير إلى الملحق الثقافي الذي صدر في الأيام الأولى لاحتفالية حلب عاصمة الثقافة الإسلامية عام 2006، إذ كانت البداية من خلال هذا الملحق الذي صدر منه خمسة أعداد لتغطية الفعاليات الثقافية الأولى في الاحتفالية إضافة إلى المواد الثقافية الأخرى التي شارك فيها كتّاب وأدباء مدينة حلب، فعند انطلاقة هذا الملحق عشت حالات، بعضها جميل وبعضها الآخر سيئ (بسبب محاربتنا لعملنا في هذا الملحق)، وهذه الحالات مازالت راسخة في ذاكرتي إلى اليوم. كنت مع زميلين اثنين من الصحيفة- وأحب في هذا المقام توجيه التحية لهما وهما المخرج الفني والفنان التشكيلي إبراهيم داود، والمنضد ومساعد المخرج أحمد ولاية- كنا نبدأ بالعمل في الملحق بدءاً من الساعة العاشرة مساء وننتهي في الساعة العاشرة صباحاً. كان العمل بالنسبة لنا مرهقاً جداً ولكني عشت وزملائي أثناءه أجمل أيام حياتنا الصحفية، فقد كانت تفاصيل العمل، من ترتيب وتنسيق للمواد وجمع الصور لها وغيرها، وأنت تعرفين تفاصيل هذا العمل الذي عشته يومياً من خلال عملك الصحفي في سورية والإمارات، إضافة إلى أن محبتنا الكبيرة لمدينتنا حلب، وللعمل الصحفي بشكل عام، شكّلت حافزاً لنا على بذل المزيد، كما أن سرورنا وغبطتنا بأننا نقدم شيئاً لهذه المدينة في احتفاليتها الثقافية المهمة، كان ينسينا التعب والإرهاق.

  • أما عن ملحق “فضاءات” فقد بدأ العمل به بعد لقاء السيد الرئيس الدكتور بشار الأسد بأدباء ومثقفي مدينة حلب وتلبيته مطلبهم بإصدار ملحق ثقافي خاص لهذه المدينة، إضافة إلى المطالب الأخرى التي تحدثوا بشأنها. فصدر العدد الأول بتاريخ 21/ 2/ 2011، أي قبل بداية الحرب بشهرين، وكان ملحقاً نصف شهري، واستمر العمل به حتى بداية الحرب في حلب. في تلك الأثناء، وكما هو معروف، كانت الأجواء متوترة جداً في أغلب المحافظات السورية، ولكن حلب كانت خارج هذه العمليات لأن الإرهابيين لم يكن قد تغلغلوا بعد في مناطقها، ولم تشهد المدينة خروج مظاهرات بعد من أي مكان. ولهذا كان العمل في الملحق يسير قدماً بدون أية عوائق إلى أن بدأت الحرب في حلب وتوقف العمل كلياً، أكان في الصحيفة أم في الملحق، لمدة شهر، ومن ثم تم متابعة العمل الصحفي (إلكترونياً) بالنسبة للصحيفة، أما بالنسبة للملحق فقد توقف نهائياً بسبب خروج المطبعة عن العمل إلى الآن.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق