العناوين الرئيسيةكشكول الوسط

لا تدوم لحظة التصوير إلاّ في خيال الفنان.. لمى الحسنية: تأطير الفن بمدارس وقوالب جاهزة ينسف روحه الجامحة

"الظل والسكون" تجليات لبعض ثنائيات الحياة

|| Midline-news || – الوسط

روعة يونس

تصويرٌ ضوئي.. تصويرٌ فوتوغرافي، وسواء كان مرادفاً لفن الرسم، أو ينحت اللحظة، أو يجمّد المشهد. فإن الأولوية هنا، والمهم دائماً الفنان الذي يخلق إبداع تلك اللحظة التي تولد أمام عينيه.
بهذا الإبداع، تضغط الفنانة الضوئية لمى الحسنية على زناد الكاميرا، تطلق الضوء طلقةً على المشهد. الغريب أنه لا يُقتل بل يحيا، وتُكتب له الديمومة، في أقل تقدير على الصورة أو في وجدان الفنان والحشد المتلقي.
اللافت في تجربة الحسنية، أنها على الرغم من مرور سنوات على ممارستها هذا الفن الجميل، ورصدها مختلف المواضيع والأفكار والقضايا الإنسانيةـ وخوضها عدة معارض وإنجازها مئات الصور، تأبى التخلي عن شغف الهواة، وترفض مسمى الاحتراف!
هي متمسكة في فنها بقوة، متمسكة بأضوائه وظلاله، تحرك سكونه، رغم أنه فنٌ مكلّف، تنفق عليه من جعبة المال والجهد والوقت والدقة والتفاصيل.
و.. هوذا حوار “الوسط” معها وبالتفاصيل…

قلبي دليلي
كل ما في الكون له بدء وحكاية، ماذا عن حكايتك مع التصوير الضوئي؟

  • حكايتي مع الفن قديمة منذ الطفولة المبكرة، لكن التصوير الضوئي أتى كتجربة متأخرة خلال الحرب. منذ نعومة أظفاري استهواني الفن، كنت أيضاً أرسم كثيراً. لكن مرحلة “البكالوريا” شكلت حداً فاصلاً، حيث تقدمت لفحص الدخول لكليتي الهندسة المعمارية والفنون الجميلة، ونجحت فيهما لكن بسبب خطأ في ترتيب المفاضلة دخلت كلية الهندسة الطبية، ولم أشعر بالانتماء لذلك المكان. أصابتني حالة يأس وبعد سنة قررت الانتقال إلى كلية الآداب قسم اللغة الانجليزيةَ. وعدت إلى الرسم لكن بحذر. خلال الحرب تكاثفت الصور وأصبح الوقت أضيق والموت أقرب! عندها بدأت بالتصوير المكثف لكن دون هدف معين، فقد كان قلبي يدلني.

هل احتاج منك الأمر لدورات تدريبية تصقلين عبرها موهبتك؟

  • لا لم أتبع أي دورات أو تدريب خاص من أجل التصوير الضوئي. قمت بتعليم نفسي على عدة برامج لمعالجة الصور والقراءة والبحث في آليات التصوير.

إثراء التجربة الشخصية
الصورة هي نتاج عين ثالثة.. أي عوامل احتاجتها صوركِ الأنجح: السرعة أو الإحساس؟

  • صوري الأنجح هي الأقل تخطيطاً! عكس ما هو متوقع؛ اتبع إحساسي أولاً. السرعة في التقاط الحدث هو نتاج الإحساس بأن الآن هي اللحظة المناسبة تماماً.

لا أدري إن كانت المعارض الفنية المشتركة، تقدم للفنان حتى فرصة التعريف بموهبته؟ أصدقيني هل من فوائد يجنيها الفنان الضوئي من تلك المشاركات؟

  • المعرض المشترك يتيح فرصة التعرف على أعمال فنانين آخرين، على تقنيات أخرى مختلفة. كما يفتح باب الحوار بين أشخاص متخصصين حول المجال نفسه.. وهذا يثري التجربة الفردية بالمحصلة. لكن بالطبع المعرض الفردي هو جهد شخصي ودائماً التجربة الفردية أغنى.

وجدتها.. وجدتها
ضعينا في أجواء معرضيكِ الفرديين الأول والثاني. ماذا بشأن ردات الأفعال، آراء الفنانين الزملاء، تعليقات الجمهور؟

  • أجواء المعرضين كانت جميلة جداً. أقيم المعرض الأول في “خان أسعد باشا” وكان المعرض الفردي الوحيد خلال الحرب! وحمل عنوان (Eureka) “وجدتها” الكلمة التي اشتهر بها ارخميدس. وكانت رسالة تعريف بأنني أنا أيضاً وجدت شغفي. وقد لعب المكان دوراً مهماً بالنسبة لي. حيث يعتبر من أكثر الأماكن حميمة على قلبي في مدينة دمشق بسبب زخم التاريخ وتلك الفسحة السماوية، التي تضفي سكينة على الروح وسط زحام سوق “البزورية”.
    أما معرضي الحالي في “ثقافي أبو رمانة” فهو تجربة أغنى ثقافياً وفكرياً، كون رواده من المثقفين والفنانين، وأنا سعيدة بردود الأفعال. بدءاً بعائلتي الغالية وبناتي الجميلات. ثم المحيط الخارجي. وقد سرّني حين أخبرتني إحدى المدرسات في معاهد و ثانويات الفنون بمدينة دمشق بأنها قد بعثت بطلابها إلى معرضي ليستقوا افكار لمشاريع تخرجهم. أفرحني ذلك جداً.

ثنائيات الحياة
في معرضك الحالي “ظلال السكون” ثمة ظلال لأفكار إنسانية عالية، ولحالات وقضايا لم تكن ساكنة أبداً؟ لعلكِ اخترتِ هذا العنوان لتظلي في دائرة لعبة الضوء والظل؟

  • في الحياة لا وجود للسكون.. الكون بأكمله يعمل على فكرة الحركة والدوران حتى ذرات الرمل هي عبارة عن الكترونيات وبروتونات متحركة. والمفهوم الثاني هو الثنائيات (النور والظلام) (الخير والشر) (الموت والحياة) (الحب والكره) وهذه الثنائيات تبرز ويتم فرزها بفواصل واضحة في حالات الحرب بينما في السِلم تكون الحياة رمادية. ومن ثم أتت فكرة ظلال السكون. الظل- المعتم، لا يتشكل إلا من خلال بقع من الضوء- النور، وبقع من الظلام. أما السكون والثبات فلا وجود له إلا في الصور والخيال. وهذه الفكرة وصلت لكل زوّار معرضي من كبار الفنانين والمثقفين أو من قبل الجمهور المتذوق.
    عموماً، أجد الصورة تختزل لحظة و تجمّدها. لكن لا تدوم هذه اللحظة إلا في إطار صورة أو في خيال الفنان.

مدارس فنية
في العديد من صورك؛ ثمة عناصر دخيلة على المشهد الأصل للصورة. هل تخلقين الصورة أحياناً لإتمام فكرتك؟

  • قد نجد في أي مشهد من الحياة ما يجسد أفكارنا.. لكن هذا غير قابل للتأطير في صورة غالباً. و لذلك الجأ إلى (تركيب الصورة) و هو أحد الفنون المعاصرة ويسمى (Installation Art) هو فن مفتعل قد يستخدم عدد من العناصر لإيصال فكرة. الإبداع بحد ذاته هو خلق لشيء جديد مرتكز على شيء واقعي أو حقيقي. هناك مدارس تؤمن بإبقاء الصورة كما هي دون تعديلات، ومدارس تقول لا بأس بإجراء تعديلات على اللون او الإضاءة او التباين. بالنسبة لي لا أحب المدارس. أحب التجول في الشارع واتباع حدسي. أحياناً أبقي الصورة كما هي وأحياناً أجري تعديلات جذرية.

ثمة تفاصيل صغيرة في صورك التي تنجزينها، ترسل رسائل قوية- موجعة. كأن عينك تلتقط تفصيلاً صغيراً تحيطه بمساحة كبيرة لتراهنين أن عين المتلقي ستلتقطه؟

  • إن التقط  المتلقي؛ المعنى المراد فهذا جيد، و إن رأى بعين الجمال فقط فلا بأس. لكن إن وجد تفسيراً جديداً. فهذا إبداع للمتلقي، وهومُرضي بالنسبة لي.

كلفة وإنفاق
هذا الفن طالما ظل حبيس الكاميرا، فهو لا يُكلّف! لكنه متى تحول إلى فكرة العرض، يصير مكلفاً. هل عشقك للتصوير يبلغ حدّ الإنفاق على هوايتك وموهبتك؟

  • بالطبع بلغ حد الإنفاق… و لو ذلك لما كنا أنا وأنتِ هنا.. نستمتع بالفن.
    هناك نفقات لا يمكن نكرانها في مرحلة الطباعة كنوع الورق وألوان الحبر ومدى كثافته ونوع الطابعة ومدى دقتها. هل ممكن أن تتخيلي أن وقت إجراء الطباعة قد يؤثر على جودة الصورة في الصباح أو المساء؟ هل هي أول مرة يتم تمرير الألوان في الطابعة بعد غسلها أو بعد طباعة عشرات الصور؟ كلها تفاصيل تقنية لا يعرفها المتلقي. هذا بصرف النظر عن الجهد المبذول أثناء مرحلة التصوير ثم مرحلة إجراء التعديلات.

إنما سألت سؤالي السابق، لأن سوق الاقتناء صعبة على اللوحات التشكيلية، فما بالك باللوحات الضوئية. مقتنوها قلة جداً؟

  • نعم قلائل جداً بسبب نمطية التفكير! حيث يعتبر الناس أن الاقتناء للصور يجب أن يكون (شخصي) فلا يتم طباعة سوى الصور الشخصية وصور المناسبات الخاصة كالأفراح أو أعياد الميلاد أو صور تذكارية للعائلة. للأسف لا يعتبر التصوير “فن” غير في حالات خاصة ولدى النخب.

الهواية والاحتراف
لدي سؤال يدور في ذهني منذ فترة: في الفنون الإبداعية يظل الفنان هاو حتى لو كان “محترفاً”، كيف تستوي المعادلة في أن يكون الاحتراف نقيض الإبداع؟

  • سؤال جميل.. لأن الاحتراف هو المهارة بصنع شيء ما. وفي أحيان أخرى يترجم على أنه التفرغ الكامل لصنع شي ما. فهو مشتق من الحرفة ولا يمكن في أي ثقافة أو زمن أن يكون الفن؛ حرفة. الفن خلق جديد تأطيره بمدارس وقوالب جاهزة ينسف روحه الجامحة.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق