إضاءاتالعناوين الرئيسية

لا أنام! .. أحمد علي هلال

|| Midline-news || – الوسط …

.

لا أنام..

جاء في إعلانٍ حملته مجلة الآداب العريقة في أحد أعدادها عام 1956، دعوة لقراءة رواية الكاتب المصري إحسان عبد القدوس لروايته الجديدة آنذاك “لا أنام” ما يلي: “قصة طويلة ممتعة بحوادثها التي يستحيل على القارئ أن ينام قبل أن يقرأها كلها”، ومن المعلوم أن الرواية كانت في خمسمائة وثلاثون صفحة من القطع الكبير.

فهل لم ينم بعدها القارئ، لا سيما وأن كثيراً من المحطات الفضائية تهدده بهجرانه النوم تحت مسمياتٍ غريبة “سهرة صبّاحي وأيضاً “مش حتقدر تغمض عنيك” التي درجت عليها سلسلة الروتانيات الدرامية، فهل الشغف بالقراءة منع نوم القارئ آنذاك، أي أنه قاده إلى يقظة ما بعدها يقظة، ليستمتع بما يقرأه بالعمل ويبقى ذكرى لأولاده ولأحفاده؟

لكن قارئ اليوم وبحسب ما تذهب إليه الدراسات والأبحاث، فقد القدرة على النوم على ما يبدو لأسبابٍ خارجة عن طقوس القراءة وحفاوتها المعهودة، وليس أقلها الخوف والرعب.

قارئ اليوم يحاول جاهداً أن يوقظ ما يقرأه هو من ركام كلامٍ وأضغاث ذكريات بل ويتوسل أيضاً أن يجد قطعةً من زمن مضى لا يكون فيه أبطاله متسولون وفاقدو ذاكرة، وبلا هوية، ما الفارق إذن بين أبطال الأمس وأبطال اليوم، أولئك الذين كانوا ينامون ملئ جفونهم لا توقظهم قطة تموء حول البيت بانتظار كسرة خبز ولو يابسة، لتمر الليلة هادئة كحلم ليلة صيف.

حقاً لا ينام القارئ وغيره لأسباب بتنا نعرفها ولا نعرفها، وتغدو الحكاية خارج منطقها “يلا تنام يلا تنام لدبحلك طير الحمام” فطائر الحمام لم يجد ما يفعله اتقاء موت يأتي إليه من جهات الدنيا الأربع، لا يني يخفق بجناحيه محاولاً الطيران خارج حدوده ليقف ولو على غصنٍ يابس، غير آيل للسقوط !

شغف ..

يحار من يجد أكثر من اسم للوردة لطالما كانت هي وردةٌ باسمها الصريح، لكنه على ما يبدو أن الخيال الذي اُستبيح على نحوٍ مثير قد جعل من الأسماء غوايةً بذاتها، فمن يجهل أن الوردة ذاكرة أولى اللقاءات، ومن يجهل أن الوردة هي الجملة الشعرية التي لم يكتبها أحد، لكنّ الكثيرين تخيلوا أنهم من اخترعوها كجملةٍ أثيرةٍ، يقولون حينما تتقاعد اللغة وتشيخ المفردات، وفي المقابل تبدو الكثير من الأعمال الأدبية وكأنها حاملةٌ لأكثر من اسم، فلا نعرف أنها روايةٌ أو قصةٌ طويلة كما جاء في إعلان ذلك الناشر، أم بيان شخصي لا تعرف أين تبدأ خصوصيته وأين يتعالق بعمومية طليقة.

فمن يسمي الأشياء بمسمياتها كمن يضع حجر الضوء مكانه تماماً، دون أن يزيده غباراً فائضاً ينشغل به أسرى التفاصيل.

نثر وشعر..

أما كان لمسمى “قصيدة النثر” أن تضع الحرب حولها أوزارها لما لا تأخذ الأمور ببساطة، كما شربة ماء لعطش تاه في رمال الوقت والأزمنة، فإن أبسط الأشياء أن يقال: أننا معشر البشر كقصائد النثر الجميلة، فالنساء هن شعر حياتنا، فيما الرجال هم نثرها، قد يعتقد أحد ما أننا نبسط الأمور ونفككها على الأرجح هنا سعينا لجعل البساطة لغةً لطالما اُختطفت على أيدي الجهل والأميّة النافرة، فمن حق اللغة أن تأول ذاتها حينما يضيق الخيال على عصفورين هناك على قمةٍ ما تحت غلاف غيمةٍ عابرة وعلى حجرٍ تحته “سيزيف” آخر عنيد.

لصوصية الزمن..

قيل إن الزمن هو لص الأشياء الجميلة، هذا يعني إدانة الزمن إدانة صريحة بأنه يختلس سويعاتنا ويذهب بها، لكنّ الحقيقة عكس ذلك تماماً، لأن الزمن بذاته أصبح مسروقاً ومنهوباً وآية ذلك أن ثمة من ظل يقول بالزمن الجميل، أما زمننا الراهن فلم يعد يتسع له قاموس القبح والمجانية، فمن اختطف الزمن الجميل، وعلى النحو ذاته من يستعيده الآن دون أن يجرح براءته.

الزمن الجميل من أسطورة تُروى إلى أساطير تُعاش ولو في غفلة من التاريخ، تاريخٌ لا يتحرش به من يحاولون كتابته بأقلام مثلومة، وبأحلامٍ مخنوقة، ثمة من يكتبه بدمٍ صافٍ وبرؤيا لا يختطفها سدنة الشرور في العالم إذن لا ننام جميعاً حتى نرى أحلامنا بكامل براءتها، تتهادى على بلور التاريخ وتمد يدها غير مرةٍ لقرص الشمس، رغيف كل الحالمين في الأرض.

*كاتب وناقد فلسطيني- سورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى